قبل أن يرحل رمضان

الأحد 26 مايو 2019 03:26 م بتوقيت القدس المحتلة

قبل أن يرحل رمضان

مشعل الفلاحي

دع البكاء على الأطلال والدار *** واذكر لمن بات من خل ومن جار

وذر الدموع نحيباً وابك من أسف *** على فراق ليال ذات أنوار

على ليال لشهر الصوم ما جعلت *** إلا لتمحيص آثام وأوزار

يا لائمي في البكاء زدني به كلفاً *** واسمع غريب أحاديث وأخبار

ما كان أحسننا والشمل مجتمع *** منا المصلي ومنا القانت القاري

وداعاً يا شهر رمضان! وداعاً يا شهر الخيرات والإحسان! وداعاً يا ضيفنا الراحل! مضى كثيرك ولم يبق بين أيدينا منك إلا أيام قلائل، عشر تجاورنا اليوم وهي إلى الرحيل أقرب من البقاء، ولئن قال ابن رجب في لطائفه عند الفراق: يا شهر رمضان ترفّق، دموع المحبين تدفّق، قلوبهم من ألم الفراق تشقّق، عسى وقفة للوداع تطفئ من نار الشوق ما أحرق، عسى ساعة توبة وإقلاع ترقع من الصيام ما تخرّق، عسى منقطع من ركب المقبولين يلحق، عسى أسير الأوزار يُطلق، عسى من استوجب النار يُعتق. انتهى، فما أحرانا بتدبّر قوله: وفعل يطفئ حرارة الوداع.

أيها الشباب قبل أن تُشيعوا ضيفكم الميمون عودوا إلى أنفسكم حفظكم الله وتأملوا ماذا قدّمتم بين يديه؟ وما هي الأسرار التي بينكم وبين ربكم في أيام شهركم وسيرحل بها رمضان؟

هاتفني شاب في رمضان بعد سماع إحدى المواعظ وحدثني في الهاتف حديثاً طويلاً أذكر من قوله: أشعر من حديثكم أنكم تشعرون بفقد الشهر، وتتحسّرون على فوات أيامه؟ فلماذا أنا لا أشعر بذلك؟

وبعد حديث طويل عن سر فقد الفرحة في قلب من يحاورني قال لي: عفواً أخي في شهر رمضان أسررت المعصية، وتجاهلت الطاعة، وكم هي المرات التي لا أشهد فيها صلاة التراويح، وإن شهدتها فصورة بلا معنى، وحركات بلا روح، القرآن عهدي به من زمن بعيد، وقد حاولت أن أمد يدي إليه مع جملة الذاكرين لكن نفسي حبستني عن الاستمرار وها أنا لا زلت في بدايته إلى اليوم، أما المعصية فتدفعني لها نفسي دفعاً حتى إنني واقعت أنواعاً من المعاصي مراراً في شهر رمضان، فعيني تخطّت ستار المعروف واجتالت في حرمات الله، وأذني أبت إلا أن تتجاوز حدها الشرعي فانتهكت ما حرم الله، ونفسي التي بين جنبيّ جاهدتها كثيراً فكابرت ومانعت واستعصت عليّ، بل ما زالت بي حتى أوقعتني في المعاصي...... وما زال هذا الشاب يحدّثني حتى انهار باكياً، واستعبر أمامي في البكاء، وأخذ يردد أثناء حديثه: أخشى أن لا أكون ممن غفر الله لهم، أو تقبّل منهم، أخشى أن يختم الله لي بخاتمة السوء! فأصبح أسير أحزاني! أنا لست وحيداً في طريق اليأس، فكثير من الشباب أمثالي، فما زلت به أخفف عنه هذه الآلام حتى عاد يسمع حديثي من جديد فقلت له: أخي الشاب لا زال في الأمل فسحة، وفي الوقت بقية، والعبرة بالخواتيم، وأنا وإياك نشهد بقية هذه العشر المباركة، فهل يمكن أن تضع يدي في يدك وتعاهدني على المسير؟ فقال: إي والله، مسير يعيد لي الفرحة والبسمة في حياتي من جديد لم لا أقبل به؟ ولما لا أعيشه وقد عشت كل معاني الحرمان في المعصية والدأب عليها؟ فقلت له: أقبل حفظك الله إلى حديث، أرعني سمعك، وجُد عليّ بشيء من وقتك، فعندي سر السعادة التي تنتظرها، عندي لك قول الله: ((قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم))، دواء للمنكسرين من أمثالك لكن بشرطها الوحيد: التوبة الصادقة التي رأيت من آثارها أثر الدموع بين عينيك، وعندي لك قول رسولك - صلى الله عليه وسلم -: ((لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)) متفق عليه من حديث أنس، إذاً لم يبق عليك - حفظك الله - إلا الإقبال على ما بقي من شهرك إذ هذه الأيام هي الخاتمة، وهي سر الشهر، وأفضل أيامه على الإطلاق، فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقول عنه عائشة - رضي الله عنها -: ((كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدّ، وشد المئزر)) ولك في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة، هذه الليلة العظيمة التي قال فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه)) متفق عليه من حديث أبي هريرة، وقد أخبر الله عن هذه الليلة أنها خير من ألف شهر في كتابه المبين فقال: ((إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر)) وأخبر رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - أن هذه الليلة في ليالي العشر حين قال - صلى الله عليه وسلم -: ((تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان)) أقبل على الباقي من عشر رمضان حفظك الله بكل جهدك وقوتك واحرص على أن يكون ختام شهرك ختاماً حياً مباركاً، تزوّد فيها بالطاعات، احرص على الفريضة مع الإمام، واللهَ اللهَ أن يشهد الله عليك أو حتى أحد من خلقه تخلفاً عن الجماعة بنوم أو كسل، الزم النافلة القبلية والبعدية، واحرص على أداء صلاة التراويح والقيام مع جموع المسلمين، ولازم فيها دعاء: (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) فهي وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأم المؤمنين، أكثر من قراءة القرآن، ونوّع في القراءة ما بين حدر وترتيل، ولتكن عنايتك بالتدبّر لآيات القران الكريم فإن في ذلك خيراً كثيراً، قم برعايتك والديك وقبّل رأسهما كل مساء، والزمهما بالطاعة والبر فإن ذلك من أعظم فرص استغلال شهر رمضان، صل أرحامك، وتعاهد جيرانك فإن ذلك من خلق المسلم، وإنني إذ أدعوك إلى التمعّن في هذه الأحاديث إنما أدعوك للتحرر من الكسل واستقبال الآخرة، والإقبال على عشر رمضان الأخيرة ففيها بإذن الله سر السعادة المرتقبة التي تبحث عنها، وإنما حين أقرر لك أن هذا هو طريق السعادة آمل منك أن تجرّب هذا الطريق ولن تجد أجمل منه ولا أسعد على وجه هذه الحياة، وهؤلاء الذين تراهم في مجتمعك تبرق أسارير وجوههم بالاستقامة هم كانوا مثل ما أنت فيه الآن من الحيرة والاضطراب، والهم والغم، وخاضوا هذه التجربة في بداية حياتهم وحينما وجدوا المفقود والسر الغائب في حياتهم قرروا التوبة، وهم اليوم وكل يوم يرددون قول القائل: والله إنها لتمر بي ساعات يرقص فيها القلب فرحاً من ذكر الله، ويلهجون بقول الله: ((قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)) وفقك الله وسدد خطاك، وعلى طريق الخير بإذن الله نلقاك.

 

 

نقلاً عن موقع المسلم

 

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة