عشر مضت بين يدي عشر ذي الحجة

الخميس 01 أغسطس 2019 02:54 م بتوقيت القدس المحتلة

عشر مضت بين يدي عشر ذي الحجة

مخلص برزق

عشرة أيام مضت على اختتام الملتقى العلمي الدولي الأول للشباب.. وكأنها عشر ثوان فقط.. فما زلنا ننام ونصحو على التفاصيل الدقيقة لمجريات الحياة الأجمل في ظلال الملتقى الوارفة.
ما زالت نداءات الفجر تنساب إلى أسماعنا أن "يا نايم وحّد الدايم.. الحق الغنايم".. ومن بعدها انتظام الصفوف في الملعب خلف الإمام ليخشع كل ما في الكون حولنا بالترتيل العذب ينساب رخياً في هدأة الفجر، يعقبه مجلس إجازة مقدمة «التسهيل لعلوم التنزيل» للإمام ابن جُزي رحمه الله مع شيخنا العلامة الوقور شيخنا بن أحمد الشنقيطي..
ما زال لقاء الأحبة على طعام الإفطار يتجاذبون أطراف الحديث عمّا أخذوه وعن الذي ينتظرهم، وعن المشايخ الذين التقوهم، والذين يترقبون لقاءهم، وعن بلادهم وأوطانهم، وعن الذي أعجبهم وأمتعهم في سمر ليلة أمس، والمنافسات المحتدمة رياضياً، عن الذي "شافوه" والذي سوف "يشوفونه".
عشرة أيام مضت على ملتقى القلوب والأرواح، مازالت هتافات الشباب فيه غضة طريةً تنتعش النفس بتذكرها، ويتجدد الشباب بها رغم "ما سقط وما لم يسقط" من سني العمر.
افترقت الأجساد وطار كل واحد إلى بلده محملاً بالخير الوفير والزاد الكبير، مع آمال عريضة بأن تثمر تلك اللقاءات والمحاضرات ربيعاً زاهراً حيثما حلّ أفراد ذلك الملتقى.
إنني أذكر نفسي وأحبابي قرة العين بما سمعناه من أكثر من محاضر بأن يجلس كل واحد منا مع نفسه، ويخطط لمشروع كبير يعمل على إنجازه خلال مدة زمنية محددة، وأن يترجم ما سمعه من أقوال إلى أفعال تنهض بواقع أمتنا، وأن يكسر روتين حياته الرتيب بما يجددها من الغراس اليانعة التي اقتطفها من "يلوا".
"اتعب على نفسك" يا صاحبي و"اجعل جلّ تفكيرك واهتمامك بالمشاريع الكبيرة، ولا تستنزف طاقتك في المشاريع الصغيرة وإن كانت مفيدة". خذ نفسك بالعزيمة دون أن تلزم بها غيرك، وزيِّن أعمالك بالإتقان والإحسان، وأطلق عنان نفسك للإبداع، وتجنب الجمود واصبر وكن ذا نَفَس طويل متسلحاً بصلةٍ قويةٍ بالله، واستعانةٍ وتوكّل عليه ودعاءٍ عريض لا ينقطع.
من كان الأقصى مشروعه فلا يليق به أن ينصرف عنه ليجادل هذا ويخالف ذاك، من كان الأقصى مشروعه لا يحسن به أن تأسره الإقليميات الضيقة والحزبيات المقيتة، إنه ذلك الرجل الرجل الذي تنتظر الأمة أن يجمع لها أشتاتها، ويوحد صفوفها على قلب رجل واحد..
إن من أعظم ثمرات الملتقى ذلك الحب الجامع بين القلوب الذي شغلنا حتى عن السؤال عن مدارسنا الفكرية ومشاربنا، فلا تفرطوا به مهما عصفت الأحداث من حولكم، أو تباينت الآراء واختلفت الرؤى.. فكل اختلاف يمكن تداركه وتصحيحه، غير أن اختلاف القلوب طامة كبرى تدمر كل شيء.. ويا لبؤس من كان مثله التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً.
أيها المتحابون في الله.. احتفظوا بصوركم المطرزة بضحكات قلوبكم وابتسامات أرواحكم. اختلسوا النظر إليها بين الفينة والفينة لتشكروا الله على ما وهبكم من نعمة الحب فيه في زمن تسوده الكراهية والبغضاء، ولتشهروه سلاحاً في وجه الوساوس الشيطانية التي يبثها أبالسة الجن والإنس للتفريق فيما بيننا لعرض من الدنيا قليل.
ولأننا مقبلون على أفضل أيام الدنيا وأعظمها، تلك التي قال عنها الحبيب صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ـ يعني أيام العشر ـ قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء) [رواه البخاري]. فالله الله بالدعاء لإخوانكم وخفض الجناح لهم وتذكُّرِهم بكثرة الاستغفار لهم والدعاء بقضاء حوائجهم والتمكين لهم في الأرض ورفع البلاء عن المبتلى منهم وكشف الضرّ عمّن ألجمه الضر وأتعبه الهم والغم..
الله الله بكلمة المعروف بيننا: نُصحاً بالتي هي أحسن، وإعذاراً وتجاوزاً وتعاهداً على المضي جميعاً يداً بيد نحو جنات المأوى لنحط رحالنا جميعاً على كثبان المسك بعد ورودنا على حبيبنا وقائدنا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم، ليكون ملتقانا هنا سبيلاً للوصول إلى ذلك الملتقى الأسمى والأروع والأجمل والأبقى عند حوض الحبيب صلى الله عليه وسلم.. حوضه الذي قال عنه: "إن لي حوضاً ما بين بيت المقدس إلى الكعبة، ماؤه أبيض من اللبن، فيه عدد الكواكب آنية، وأنا فرطكم على الحوض". (السلسلة الصحيحة)
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار ما قرَّب إليها من قول وعمل. اللهم لا تفرق جمعنا هذا إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وعمل صالح متقبل مبرور، برحمتك يا عزيز يا غفور.
اللهم أدم بيننا الألفة والحبّ والتوادّ والتراحم والإخاء فيك ولا تجعل للشيطان علينا سبيلاً.. اللهم استعملنا ولا تستبدلنا وإلى غيرك لا تكلنا واجعلنا أهلاً لنصرة دينك والأقصى يارب العالمين يا أكرم الأكرمين.. اللهم آمين.
 

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة