الملتقى الذي رأيت 3

الإثنين 19 أغسطس 2019 11:59 ص بتوقيت القدس المحتلة

الملتقى الذي رأيت 3

سفيان أبوزيد

رأي على المقاس
مما جال في خاطري من خلال بعض المحاضرات واللقاءات والنقاشات في هذا الملتقى المبارك، خطورة ما يمكن أن نسميه " رأي على المقاس "

الرأي الذي يحترم نفسه ويحترم عقول الآخرين والذي نسمه في علم الجدل والمناظرة بالرأي الموضوعي، هو الرأي الذي ينطلق من أدلة صحيحة الورود صحيحة الدلالة، مجردة عن أي تأثير حاضر أو توجيه سابق..

وكلما حاد الرأي عن تلك الضوابط، تساقطت عنه عرى الموضوعية عروة عروة، وذلك الحيد هو ما يمكن أن نسميه تفصيلا على المقاس، فيكون الراغب فيه صاحب مقاس معين، فيبحث عن رأي مناسب لذلك المقاس فيقوم صاحب الرأي بتفصيله بما يقتضيه مقاس ذلك الراغب اللابس فتظهر رغبته قوية رصينة مقنعة جذابة...

ذلك المقاس قد يكون لسلطة سياسية، أو لحركة دعوية، وإن كان المقاس الأول أشهر وأكثر صيتا وإنكارا وحديثا، إلا أن الثاني لا يقل خطورة عن الأول...

المقاس الأول:
وهو ما كان لسلطة سياسية، حيث تلوى أعناق النصوص، وتستجلب الأقوال الغريبة والضعيفة والشاذة والمجهولة، فيحاول المكلف بذلك التفصيل، وفق المقاسات الموضوعة أمامه أن يأتي برأي ملفق حيث لا ضرورة للتلفيق، من هنا ومن هنا، ليظهر رأيا ذا أصول وأدلة وقيل وقال، موافقا للكتاب والسنة زعما !!، مرضيا للجهة الداعمة، أو المكلفة موافقا لمقاسها مرضيا لرغبتها، وإن اختلف مقاس تلك السلطة نحافة أو بدانة، سارع ذلك المفصل إلى الزيادة في ذلك المقاس أو تضييقه، حسب رغبة تلك السلطة، فالحق في رغبتها، والموضوعية في توجهها، حيث كانت مصلحتها فتمت شرع الله !!

المقاس الثاني:
هو ما كان وفقا لتوجه دعوي أو حركة إسلامية، تضع مجموعة من المفاهيم في سلة الثوابت التي لا تنازل عنها، ولا زيادة فيها ولا نقصان منها، وتضع مفاهيم أخرى في سلة المتغيرات المجتهدات التي يسوغ فيها الاجتهاد والخلاف...
والإشكال الذي يقع هو وضع ما كان ثابتا في سلة المتغير والأخطر منه هو وضع ما كان متغيرا في سلة الثابت. ولإلصاق دمغة الثبات على بعض المفاهيم، يلجأ إلى من يمكن أن يقوم بعملية التفصيل، فيستدل بما لا ترقى دلالته إلى درجة الثبوت، فيرفعه إلى درجته عنوة، وينزل الصغير منزلة الكبير، ويقوي رأيه بأقوال مجتزأة في غير محلها ولا سياقها، ويؤخر ما حقه التقديم ويقدم ما حقه التأخير، كل هذا لينتج رأيا على مقاس ذلك التوجه الذي يرى ذلك المفهوم ثابتا وينبغي يرى ثابتا..
فتوضع خطوط حمراء على أمور لا يدرى من حمّرها أو حرمها إلا الراغب في ذلك التوجه!!

ولإزالة دمغة الثبات يغطي شمسها بغرابيل مهترئة بالية من أدلة ضعيفة أو أقوال شاذة حتى يعتقد الجميع أن ذلك المفهوم لا يرقى إلى درجة الثبات..

وكل من تأمل أو راجع أو كان له من الجرأة والقوة أن يصرح ويقول: مهلا، أو رويدا لينبه إلى خلاف ما عليه ذلك التوجه أو تلك السياسية، نعت بأوصاف، أدناها التشكيك والتريب، دون نظر في مجريات ذلك التأمل وأدلته وإشاراته ومقاصده، وأحيانا قد يكون النظر الأول طاغيا على النظر الثاني، وأحيانا قد يطغى هوى التوجه فينفي وينسف ذلك التأمل بقنابل الجمود والتحجر...

لذلك إن كنا ندعي الموضوعية، ونخطب العبودية، ونحاول التجرد، ونرفع شعار الحكمة والتقصد، فلابد أن نستصحب زاد التجويد والتجديد، ونقول للمصيب أصبت وإن كان من غيرنا، ونقول للمخطئ أخطأت وإن كان من ذوينا، ونميز بين الثابت الذي خلاف في ثباته، وبين الثابت المختلف في ثباته، أو هو إلى دائرة المتغير أقرب...
فإن وصلنا إلى هذه الدرجة من الوعي فلنعلم بأننا لسنا من طلاب رأي على المقاس...

 

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة