ورقات من يلوا (1) تجربة العراق ج1

الإثنين 19 أغسطس 2019 03:58 م بتوقيت القدس المحتلة

ورقات من يلوا (1) تجربة العراق ج1

عبد الحكيم سعداوي

الدكتاتورية هي حرب أهلية مؤجلة 
سقطت بغداد بين 20مارس آذار و9 أبريل نيسان 2003 قصة قصيرة في صفحاتها تضحيات ودماء ودمار وخيانات و لم تكن نهايتها سعيدة كما تصنعها خيالات الأدباء الواسعة 
لكنها لم تكن وحدها القصة الحزينة في العراق فقبلها قصة حصار فاق عقدا من الزمن وقبل قبلها قصة حرب الثماني سنوان مع إيران التى انهت بحرب الخليج الأولى وعاصر كل ذلك قبضة استبداد لم تختلف عن مثيلاتها عند الجيران حتى المحيط البعيد كل هذه القصص قد لا تحب سماعها أو قد لا تحيط بخبرها ولا يحيط كاتب بفصولها 
رغم هذا الهم شديد الوطأة كانت قصة أخرى على وشك أن تكتب تختلف كليا على سابقاتها غير أنها ليست ممتعة ولعل هذا هو القاسم الوحيد المشترك بين كل قصص العراق الحديث ولو لا ما تواتر من أخبار صنع حربي العالم الأولى والثانية لقلنا أن المآسي ركزت جهدها وطاقتها وفرغت نفسها لأمة لا إله إلا الله ونال العراق منها حظه الوافر ...
في ملتقى يلوا جذبتني طيبة أفراد الوفد العراقي الذين لم تنل كل تلك القصص من ثراءهم المعرفي و تنورهم الفكري ونخوتهم وإباءهم ومن يملك معرفة بالعراق ولو في حدها الأدنى يفهم السر من وراء ذلك وكما يقال تكفيك فخامة الإسم 
كان لي أسئلة محددة طرحتها عن وعي على أبناء الموصل تحديدا 
1)كيف سارت العملية السياسية بعد سقوط بغداد ودور السنة فيها ؟
2)كيف دخلت داعش إلى الموصل)
3)كيفية إدارتها للمدينة وكيف عاش الناس في ضل حكمها؟
4)كيف هي حال الموصل بعد خروج داعش منها؟
إضافة إلى إسئلة تفصيلية بعضها يتداخل مع الأسئلة السالفة
كان الجواب مكتوبا في إحدى عشر ورقة أحاول إختصاره في السطور التالية
وهنا الجزء الخاص بجواب السؤال الأول 
بعد سقوط بغداد بالإضافة إلى التنوع المذهبي والعرقي في العراق كان الألوان السياسية و الرؤى المختلفة بشأن أولويات العمل الحيني ثم الفراغ الأمنى الرهيب على مساحة بلد شاسع ثم الإحتلال الجاثم والتدخل الإيراني والتواطؤ الخليجي وثلاثتهم أخر ما يشغله مصلحة العراق 
ومع تركة نظام صدام تصدق حرفيا مقولة الإستبداد هو حرب أهلية مؤجلة 
طبعا ليس من رغبات العراقيين إزهاق أرواح بعضهم البعض ولازال شعار العراق سنة وشيعة والوطن ما نبيعا رنانا في آذاننا 
لكن الأماني لا أثر لها يذكر عندما نتحدث عن السنن والقوانين الإجتماعية خاصة إذا تعلق الأمر بوعي الناس في بلد نفض للتو رداء الدكتاتورية وقد تسربل به لأربعة عقود ولاختصار الحديث يكفي الإطلاع على ما كتبه الكواكبي في طبائع الاستبداد ومصارع الإستبداد وقبله كلام ابن خلدون في المقدمة باب في أن الظلم مؤذن بخراب العمران 
نتحدث عن وعي الناس لأن المخالب طويلة والصدمات كثيرة والخيوط متشابكة وأمام الذهب السائل الوافر في العراق لا قيمة للدماء والأرواح واشعال الفتن الطائفية لعبة مسلية لبارونات النفط وأذناب الغزاة ...
وقع تنظيم انتخابات بعد نقاش طويل حول شكل النظام ليتناغم مع التركيبة الطائفية وسط أخبار روتينية عن الذبح والتفجير وتهريب الآثار و حكايات طويلة يشيب منها الوليد يكفي أن تتخيل بلدا كان به أكبر عدد من النخيل في العالم خسر 14مليون نخلة في 15سنة 
ولك أن تكبح جموح قلك أو يطير وساعات قطع الكهرباء والماء أطول من ساعات تشغيله في بلد حظه من الماء والطاقة وافر لحد الغنى وزيادة
شاركت كل الطوائف بكل ثقلها باستثناء السنة الذين ضاعت أولوياتهم بين مقاومة المحتل وفتاوى تحريم الانتخابات ووجوبها وشدة وطأة الفقر والبطالة
شارك جزء من السنة في الإنتخابات وحجتهم تحقيق بعض المصالح ودفع المفاسد وقطع الطريق على المتربصين 
وامتنع جزء لا بأس به فحرمها بكل تفاصيلها وحجة بعضهم أولوية مقاومة الاحتلال وحجة البعض الآخر كفر بالديمقراطية وهو يمتنع مبدئيا عن المشاركة ولو في ظرف مثالي وغذى هذا الفريق فلول القاعدة التي تحب كثيرا مثل هذه الظروف وبعض الفتاوى من دول الجوار وكلاهما في الحقيقة أفلح كثيرا في تفويت الفرص كما في أماكن أخرى نعرفها جيدا و.العبرة بالنتائج على كل حال 
من المفارقات وعلى النقيض من ذلك صردت فتاوى المعممين الشيعة بتطليق زوجة من لا يشارك في الإنتخابات!!!

بالمحصلة القضية قضية نفوذ وقد سقطت المناصب المهمة عند الطوائف غير السنية وهؤلاء كانت تمثلياتهم ضعيفة حتى في المحافظات التي لهم فيها غالبية سكانية 
مثل هذه الظروف مثالية لاختلال ميزان العدالة وطغيان الشعور بالقهر والغبن والرغبة في الإنتقام وهي عادة حالة تسبق موجة التطرف لا في حالة المسلمين وحدهم وإنما عموما أي ظاهرة غلو إلا وسبقها مثل هذا الوضع أو أكثر وما حالة داعش إلا مثالا 
وقديما فعل البلاشفة أفاعيلهم بنظرية العنف الثوري وقد خلف لهم ظلم القيصر في روسيا وقودا من الحقد الأعمى ما غذى ثورتهم وأبلغها ذروتها فسحقت كل ما له علاقة بالنظام والمؤسسات 
وساهمت بنود ولسن ال14والشروط المجحفة للحلفاء على ألمانيا في تغذية خطاب هتلر النازي لمشاعر الرغبة في الثأر حتى لم يمضي الوقت الكثير لتندلع أكبر الحروب فضاعة في التاريخ 
وما خرجت الحركة الصهيونية بأقذر وأقضع الممارسات إجراما إلا بعد ظلم الكنيسة لليهود تشريدهم في كل مكان 
وما اقترفه السود في أمريكا شاهد أيضا على هذه النظرية ...
الحقيقة أن بناء دولة المؤسسات والحديث عن جيش وطني يعد هراء في نظر شاب فقير مهمش يري الظلم ولا يرى له من سبب غير الجشع والطمع الأعمى أو لمجرد أنه ولد لأب يدين بمذهب أو طائفة لحمها طري ودمها شهي ...
 

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة