التمييز العنصري في مناهج التعليم الصهيونية

الأربعاء 23 أكتوبر 2019 06:53 م بتوقيت القدس المحتلة

التمييز العنصري في مناهج التعليم الصهيونية

عبد الكريم القلالي

يلمس المتتبع لمقررات ومناهج الكتب التعليمية الصهيونية في مختلف المراحل الدراسية: الابتدائية، والإعدادية، والثانوية، بسهولة جوهر القيم التربوية والتوجيه الهادف الذي تحاول زرعه وتجذيره ضمن أطر التربية اليهودية والصهيونية التي رسمتها ووضعتها طواقم متخصصة من الخبراء والتربويين اليهود العاملين في أجهزة التربية والتعليم الإسرائيلية، والمختارين بدقة وعناية.

وقد دأب الصهاينة على تنشئة أجيالهم على الحقد والكراهية ضد الآخر، والنابعة أصلا من النظرية الاستعلائية البغيضة: "شعب الله المختار"، واعتبار سائر الأمم الأخرى (أغيارا) سيما العرب منهم؛ خصوصا الشعب الفلسطيني.

وينشأ تلاميذهم على هذا الاستعلاء في مختلف المراحل التعليمية، ويرسخ في أذهانهم جميعا عدم التعامل مع الآخر على قدم المساواة؛ بل يرون الجميع مذللا في خدمة من اختيروا-حسب زعمهم- لسيادة العالم وقيادته وهم اليهود الذين يسمون أنفسهم "شعب الله المختار".

ويشهد لهذا الحقد والاستعلاء الكتب والمقررات الدراسية التي توزع على أبناء الطوائف اليهودية في إسرائيل؛ كالتوراة المحرفة، والتلمود، وشروح الحاخامات عليها، وغيرها من المصادر التي تشكل الركيزة الأساسية للتربية الصهيونية بما تتضمنه من أصول للمعتقد اليهودي، والأحكام والنصوص التاريخية والأخلاقية، وقوانين اليهود السياسية والمدنية والدينية؛ فهذه كلها تمثل المصدر الأول من مصادر التربية الصهيونية والمرتكز الأساسي للعملية التربوية؛ إضافة إلى المراجع الحديثة والأساسية عندهم في العملية التعليمية، وتغذى بمؤلفات حديثة وكتب مدرسية مقررة تشرف عليها وزارة المعارف والثقافة الإسرائيلية، والطوائف اليهودية الدينية بمختلف أطيافها، وغيرها من الحركات الصهيونية الأشد تطرفا والتي تقوم على ترسيخ العنصرية والحقد والكراهية[1].

ويتفق الدارسون المهتمون بمتابعة كتبهم ومقرراتهم أن السمة المشتركة بينها: إثارة العواطف، وتشجيع الأنانية المطلقة، القائمة على احتقار الغير وإقصائه.

ويبدأ غرس مثل هاته المعتقدات ابتداء من مراحل التعليم الأولى (رياض الأطفال)، وحتى آخر المراحل الدراسية؛ حيث يتخرج الطالب مشحونا بالتطرف والعصبية والميز العنصري، والاستهانة بالآخر وإهدار كرامته.

وكي لا يبقى غذاء العنصرية مقتصرا على من يكمل مسيرته التعليمية؛ فإنهم يبثون نفس الأفكار في مختلف الكتب والقصص والحكايات؛ سيما المهتمة منها بالتاريخ؛ لشحن مختلف الأطياف والطبقات اليهودية بأقصى درجات العدوانية تجاه كل من هو إسلامي وعربي.

ومن أبرز التعابير الواردة في مختلف كتب المدرسية-كما ذكر بعض الدارسين والباحثين-: "العرب هم قتلة اليهود"، "الطفل اليهودي ينتصر على الخنازير الجبانة".

ويعتبرون العرب: "أعداء قساة" يريدون قتلهم، ووجهة نظرهم في العرب: "وددت لو أفعل شيئا، أن أقبض على هذا العربي وببساطة أن أخنقه"[2].

وغير هاته العبارات كثير من عبارات السخرية والاستهزاء، "واستعراض سريع لمضامين كتب مباحث العلوم الإنسانية، ومن بينها كتب المطالعة المقررة رسميا للطلبة من الصف الأول حتى الصف الثامن (قراءات إسرائيل) (وقراءات إسرائيل الحديثة) يبين لنا كم هي محشوة بعبارات التحقير، والأوصاف غير الإنسانية المتوحشة، فالكتب والمراجع التي تقرها وزارة المعارف والثقافة الإسرائيلية لتكون مراجع بين أيدي المعلمين والمربين، هي أشد عنصرية وأكثر فظاعة مما يستخدمه الطلبة أنفسهم".

واليهودي يربى على شعور الاستعلاء، ومفهوم دونية الغير متجذر لديه؛ معتقدا أنه: لا يوجد في فلسطين سوى اليهود، على اعتبار أن غير اليهودي لا حقوق لـه مطلقا، وهذا الشعور آخذ في الازدياد والتجذر سنة بعد سنة.

 

أما التوجه التربوي في تبرير اغتصاب الأرض وإضفاء الشرعية على الاستيطان بحجة الحفاظ على الأمن؛ فيبدأ غرسه في سنين مبكرة بدءا من السنة الدراسية الرابعة [3].

وإذا كانت ناشئتهم تغذى على هذا الميز في طفولتها؛ فإنهم لما يكبرون وينخرطون في الجيش سرعان ما يتحولون إلى قتلة سفاحين.

وهاته المناهج والعقائد الراسخة في ذهن المواطن الصهيوني يستحيل معها تحقيق ما يروج له اليوم من دعاوى السلام، ما لم يتم نسف هذه المناهج من جذورها، وهو الأمر الذي لا يقبل المناقشة عند ساستهم المشبعين بهاته الأيديولوجيات والمتمسكين بتعاليم التلمود ونصوص التوراة المحرفة التي يحملونها. وأنى لشيء من ذلك أن يكون وجنودهم تطبع على قمصانها عبارة: "ولدنا لنقتل"!.

وعامتهم يرون أنه: "لا يظهر المسيح إلا إذا تم قتل العرب" وهاته مقولة صدقها وما زال يصدقها الملايين من المتصهينين المغرر بهم حتى دينيا.

وهذا أحد منظريهم (آحاد هاعام) يوضح الأسلوب التربوي المدروس اجتماعيا والقادر على احتواء السلبيات التي قد تبرز أثناء التطبيق العملي، بصهر اليهود في بوتقة المسيرة التوراتية الواضحة الهدف والأسلوب، فبادئ ذي بدء "تقام حركة يناط بها إنشاء المستوطنات بناء على خطة ثابتة، ثم تبنى مدارس صهيونية وأماكن علمية لتربية جيل يهودي سليم، فيتخرج الشباب وقد تربوا على حياة جديدة تمكنهم من دخول المعارك ضد العدمية وغير اليهود".

وإضافة إلى هذا النهج العنصري في مناهجهم؛ فإنهم يقومون بتشويه حقائق الأشياء وتزييفها وتقديمها مكذوبة مزورة؛ لتستقر في ذهن الناشئة كما يشاء الكبراء، من ذلك ما ورد في صفحة: 29 من كتاب اليهودية بين المسيحية والإسلام[4]:

 

"إن التعاليم التي انطلقت من شبه الجزيرة العربية أوجدت وأيقظت قلقا عميقا في القلوب، لقد قاد "محمد" حرب إبادة لجميع الشعوب والقبائل التي لم تتقبل تعاليمه، فأباد قسما كبيرا من اليهود في الجزيرة العربية".

وفي الصفحة (44)، يضيف: "إن البرابرة ممثلي إحدى التيارات الإسلامية الحاقدة وضعوا اليهود في قرطبة أمام الخيار الصعب، إما الطرد أو الإبادة".

وهكذا يقومون بلي عنق الحقيقة وتزوير الأحداث والوقائع؛ لبث المزيد من الحقد والكراهية لدى القارئ الذي ربما لا يكلف نفسه عناء البحث عن صدق أو كذب ما يقدم له.

ويصفون في مناهجهم الأمة العربية بأبشع وأرذل الأوصاف؛ فهم يعتبرون في كتبهم "العرب مجرد قبائل رحل يقيمون في الصحراء، يعتمدون في رزقهم على النهب والأشغال الوضيعة".

ولا يكتفون بغرس دفائن الحقد نحو الشعوب فحسب؛ بل حتى نبينا عليه الصلاة والسلام لم يسلم من لمزهم وهمزهم؛ ومما هو وارد في مقرراتهم: "أن محمدا كان يأمل أن ينضم إليه اليهود (يهود المدينة) ولم ير أي تناقض بين أقواله وبين معتقدات اليهود". وأن اليهود كانوا يسخرون من (محمد) بسبب قلة معرفته بالتوراة"[5].

ويبثون هذا الحقد فيهم تجاه كل شخصية مسلمة؛ لها مناقب تاريخية؛ فيقلبون الحقائق ويزورونها لبث الضغينة تجاههم، ومما هو وارد في كتبهم في معرض التهجم على الخلفاء المسلمين(هارون الرشيد): "إن الخليفة العباسي (هارون الرشيد)كان يمضي يومه في شرب الخمر وإقامة الحفلات"؛ كما عززوا أكاذيبهم بصور نشرت في الكتاب، منها صورة لامرأتين تقومان بالرقص وتلوحان بزجاجات الخمر في قصر الخليفة العباسي في "سامراء" شمال بغداد.

وفي مقابل هذا التشويه للشخصيات الإسلامية يلمعون أسماء السفاحين منهم الأكثر قتلا وعدوانا، ويصورونهم أبطالا؛ خاصة بعد أن لمعت أسماء بعض القادة العسكريين، وأصبحوا في نظر الناشئة اليهود نماذج بطولية وأنماطا يحتذى بها، على طريق تحقيق أسمى الأهداف الصهيونية وأكثرها إغراء وإشباعا للطموح الصهيوني المتجذر في أذهان أبناء هذا الجيل والأجيال التالية.

ومن هذه النماذج برزت أسماء: اسحاق رابين، وإيهود باراك، وأرئيل شارون، وغيرهم من رواد القتل وسفكة الدماء.

وكافؤوا التلميذ كاهانا السفاح "باروخ غولدشتاين" بإقامة نصب تذكاري لـه لأنه قتل تسعة وعشرين مواطنا عربيا في الحرم الإبراهيمي في الخليل عام 1994م؛ ليظهروه لزملائه بصورة البطل الشجاع.

ومجمل الأهداف التي يتوخونها في تعليمهم، ضرورة تحقيق "أحلام الشعب اليهودي" وذكرياته، وانعكاس الماضي اليهودي على النظام التعليمي الذي هم بصدده، ومن خلال ذلك يعتقدون أنه يمكن للتعليم اليهودي أن يجيب على السؤال التالي: "كيف يمكننا نحن اليهود والذين خبرنا إخفاقات المشاريع والأيديولوجيات المثالية، أن نمنع شعبنا من الغرق في سخريات تخنق الروح الإنسانية، وتسخر من الإيمان بإمكانية إحداث تغيير إيجابي؟".

لأن اليهود في الكيان الصهيوني وفي سائر مؤسسات الحركة الصهيونية واليهودية العالمية يسيرون على مبادئ الاستعلاء والعنصرية والفوقية تجاه الغير ويصفونهم "بالوثنيين والكفرة والبهائم والأنجاس، مهما يكن الإله الذي يعبدونه" وأما اليهود وفقا لما جاء في التوراة والتلمود-في زعمهم- "فهم أبناء الله وأحباؤه" ولابد من الإقرار بمبدأ النهب والسلب، تحت اسم العودة إلى الأرض الموعودة وتطبيقا للشعار الصهيوني: "فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".

****

 [1] ينظر: تعليم العرب في إسرائيل، صالح عبد الله، بيروت: مركز الأبحاث الفلسطيني، 1973، ص: 25.

 [2] الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية، د. رشاد الشامي، الكويت، سلسلة عالم المعرفة. 1986 ص: 70.

 [3] ينظر: التوجيه الفني التربوي، أحمد علي الفنيش، محمد مصطفى زيدان، الشركة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، طرابلس، ليبيا، 1979، ص:55.

 [4] الصادر عام 1973 عن مركز المناهج الدراسية، القدس، وزارة المعارف والثقافة الإسرائيلية (للصف السابع الابتدائي).

 [5] العرب والإسلام، وزارة المعارف والثقافة الإسرائيلية، غلومر ولستروس يافه، ص: 74.

 

نقلاً عن موقع هيسبريس

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة