رسالة المنبر: صناعة رجال العقيدة

الخميس 23 يناير 2020 06:00 م بتوقيت القدس المحتلة

رسالة المنبر: صناعة رجال العقيدة

د. محمد سعيد بكر

- المحاور
تحكي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تلك العملية التربوية التراكمية التكاملية في بناء رجال العقيدة، تحت عين الله تعالى، وبإشراف مباشر من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كانت الليالي التي تحنَّث (تعبد) بها النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء وهو يبتعد بروحه وجسده عن الوثنية السائدة ويقترب أكثر فأكثر إلى فطرته النقية هي أعظم تمرين مبكر لصناعة رجل العقيدة الأول في زمانه، بعد انقطاع دام قرابة الستمائة عام للوحي عن عالم البشر بين بعثة عيسى عليه السلام وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

تعظيم الله تعالى؛ المرتكز على ركني: محبته، والخوف منه، هي القيمة العليا التي بُني عليها قلب رجل العقيدة الأول، وكيف لا يُعظم ربه من سمع بأذنيه وكأنه رأى بعينيه أن للبيت رب يحميه، في العام الذي ولد فيه.

شُكر الله تعالى بدأ يسري في أنحاء كيان الحبيب صلى الله عليه وسلم، وهو يرى ويتابع كيف أن الله تعالى وجده يتيماً فآواه، ووجده ضالاً يبحث عن فطرته فهداه، ووجده عائلاً فقيراً فأغناه.
قيمة الإيمان بالغيب كانت من أعظم القيم التأسيسية لرجال العقيدة في الزمن الأول؛ من خلال ما نزل على قائدهم وقدوتهم من آيات وسور العهد المكي تحديداً، وقد امتدح الله تعالى في أوائل سورة البقرة رجال العقيدة المؤمنين بالغيب حين قال سبحانه: " ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ .. أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (البقرة: 5).
تفرعَ عن قيمة وعقيدة الإيمان بالغيب فروعُ أركان الإيمان كلها، فرجل العقيدة بمجرد تصديقه بأن ثمة في الغيب عالم واسع وكبير يرى آثاره وثماره في عالم الواقع والشهادة، تجده يلتزم التزاماً تاماً بمتطلبات هذا الإيمان الغيبي ومنها؛ كالإيمان بالله تعالى (الذي يرى بديع قدرته في كل شيء)، وملائكته، ورسله، وكُتبه (سوى القرآن فقد جعله الله تعالى من عالم الشهادة، وهو دليلنا الأعظم إلى عالم الغيب) والقدَر خيره وشره، واليوم الآخر.

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه أعظم نموذج لرجل العقيدة، فجاءت آثار وثمار صحبتهم له في حياتهم، ومواقفهم المختلفة، ومن تلك المواقف التي كانت بمثابة دروس عملية في العقيدة من السيرة النبوية العطرة ما يأتي:
١. تصديق المسلمين الأوائل بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد أن رجع من دار ورقة بن نوفل؛ ذاك الرجل الذي شهد للنبي صلى الله عليه وسلم بأن من رآه وسمعه في الغار يقول له: إقرأ، إنما هو جبريل عليه السلام؛ جاء يبشره ويكلفه بالرسالة.
٢. اليقين الراسخ في نفوس الصحابة بأن ثمة حياة أخرى بعد الموت، وأنها ستكون دار جزاء على أعمالنا وأقوالنا التي صدرت عنا قبل الموت، فإما إلى جنة وخلود في النعيم، وإما إلى نار وخلود في الجحيم، كل ذلك جعلهم يضحون بما في الجيب رغبةً ورهبةً أو خوفاً وطمعاً لما أعده الله تعالى لهم في الغيب، حتى رمى أحدهم بتمراته وقال وهو يشم رائحة الجنة، إنها لحياة طويلة حتى آكل هذه المرات، ثم قاتل حتى نال ما تمنى.
٣. لما صدَّق الصحابة الكرام وتيقنوا بأسماء الله تعالى وصفاته الجليلة الكريمة الحسنى، خضعوا له وحده دون سواه في عبادتهم ودعائهم، فما وجدناهم طيلة مشاهد السيرة إلا وهم في حالة اضطرار واحتياج مستمر لله تعالى "إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ" (الأنفال: 9).
٤. ترك إيمان الصحابة الكرام بالملائكة الأبرار جانباً كبيراً من الشعور بالحياء منهم، ومن الشعور بالتقدير والامتنان لهم كذلك، كيف لا، وقد رأى الصحابة بأمِّ أعينهم، آثار تنزُّل جبريل عليه السلام يحمل الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم بين الحين والآخر، مثلما رأوا مشاركات الملائكة في الغزوات، وغيرها من المواقف "أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ" (آل عمران: 124).
٥. لقد تجاوبت نفوس الصحابة حتى مع الغيب الماضي، وآيات القرآن تحكي لهم ولقائد الدعوة خبر موسى عليه السلام مع فرعون، وخبر إبراهيم عليه السلام مع أبيه وقومه، وخبر نوح عليه السلام مع ابنه، وأخبار سائر الأنبياء جملة وتفصيلاً، فكانت تلك التجارب بلسماً ومثبتاً لقلوب رجال العقيدة في وقت زاد فيه الضغط والاضطهاد من أعداء الإيمان عليهم.
٦. كان للآيات والأحاديث التي تربط بين العقيدة والعبادة والسلوك، أعظم الأثر في صناعة رجال العقيدة الأوائل، فالعقيدة تصديق قلبي، وقول لساني، وما ينتج عن ذلك من عمل حركي؛ فقد كانوا يتعاملون بجدية تامة مع كل آية تربط بين الإيمان بالله تعالى والعمل الصالح "وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ" (العصر: 3).
٧. لقد أخذ الصحابة دروساً كافية وافية في التوقف عن تكفير الآخرين، أو هدر دمائهم دون استبانة، فقد عاتب النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد وأسامة بن زيد رضي الله عنهما في موقفين منفصلين على تسرعهما في قتل من ظهر منهم الإسلام، أو لم يثبت عليهم الكفر بعد العدوان، ففي رواية أسامة قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أفلا شققتَ عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا، فما زال يكررها حتى تمنيتُ أني أسلمت يومئذ" رواه مسلم.
٨. ما كان لدى الصحابة الكرام أي خلط أو تشويش في مسألة الإيمان بالقدر خيره وشره، فهم قد ذاقوا مرارة الألم يوم أحد ويوم حنين، مثلما ذاقوا فرحة يوم بدر وفتح مكة، فأدركوا يقيناً أن لنا ما كسبت أيدينا، فإن سلكنا سبلاً طيبة جاءت المآلات طيبة، وإلا فلا يلومن الواحد إلا نفسه، ولا اعتراض على ما يقضي الله تعالى بين الحين والآخر من بلاءات واختبارات كتلك التي حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم يوم رحلة الطائف، وفي حادثة الإفك.
٩. علم الصحابة الكرام أن الإيمان يزيد وينقص، فهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن التوبة تمحو الذنوب، وهذا من ركائز صناعة رجل العقيدة، فلا عصمة إلا لأنبياء الله تعالى، وقد شهدوا أكثر من موقف ذنب، ثم توبة، ثم مغفرة وعفو من الله الكريم، ومن ذلك "وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" (التوبة: 118).
١٠. لقد تربى الصحابة الكرام على عقيدة الولاء لله ورسوله والمؤمنين، والبراء من كل كافر فاجر منافق معتدٍ أثيم، منذ اللحظة التي نزلت فيها سورة المسد تبين فيها مصير عمِّ النبي صلى الله عليه وسلم وزوجته الآثمة، فقد ترك الصحابة أهلهم بعد طول صبر عليهم، وهاجروا إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، خشية الفتنة عن دينهم، ولأنهم لم يؤمروا بالدفاع عن أنفسهم، فلما حانت إباحة انتصار المظلوم ممن ظلمه، وكانت بدر الكبرى لم يترددوا في مواجهة الكافرين (المعتدين تحديداً) وإراقة دمائهم، وإن كانوا آباءهم وإخوانهم.
١١. لقد هزت المواقف رجال العقيدة في الزمن الأول هزاً عظيماً، والمواقف هي التي تثبت رسوخ العقيدة أو هشاشتها وميوعتها في النفوس، فشهد القرآن لهم أنه ما لانت لهم قناة، ولا وهنت لهم عزيمة، وصدق الله تعالى مخبراً عنهم يوم الأحزاب:" وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا" (الأحزاب: 22).
١٢. لقد عافت نفوس رجال العقيدة حالة التذبذب بين الإيمان والكفر، وقد رأوا ذلك في سلوك المنافقين بوضوح قُبيل غزوة أحد، وعند الأحزاب، وفي الإفك، وقبيل تبوك وبعدها، فما كان منهم إلا كراهية صفات المنافقين واجتنابهم والحذر منهم "هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ" (المنافقون: 4).
١٣. لقد استشعر الصحابة في مواطن بيعتهم لرسول الله تعالى يوم العقبة والرضوان، أنهم يبايعون الله، فما نكثوا عهدهم، وكيف ينكثونه وقد علموا أن "يد الله فوق أيديهم" مثبتين له يداً تليق بجلاله، وقُدرة تناسب قدره؛ بلا تشبيه، ولا تعطيل.
١٤. لقد ترك الصحابة فضول الجدل، والتفتيش عن حيثيات الغيب، واشتغلوا بالعمل، وإصلاح العيب، على قاعدة التسليم بلا ريب، فرضي الله عنهم ورضوا عنه.
١٤. لقد كان مشهد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ثقيلاً على الصحابة، فاستغربوه بادئ الأمر، لكن نفوسهم هدأت بمجرد أن فصل القرآن على لسان أبي بكر رضي الله عنه في الأمر، حين ذكّرهم بآية من كتاب الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر، وأنه يموت أو قد يُقتل، وأن الله تعالى وحده حي قيوم لا يفنى ولا يموت "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ" (آل عمران: 144).

- وختاما
كانت مدرسة النبوة في صناعة رجال العقيدة مدرسة؛ تدريب وتجريب، ونظرية وتطبيق، وعلم وعمل، وقد واجهت تحديات الشرك، والإلحاد، والنفاق، وتجاوزت ذلك كله ببركة اليقين الراسخ، والرضا باختيار الله، والأخذ بالأسباب دون اعتماد مطلق عليها؛ فأكرمهم الله تعالى بما وعدهم من تمكين في الأرض، وتبشير بالجنة التي آمنوا بها، وعملوا لها، دون أن يروها؛ ففازوا بها.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة