صفقة القرن... صفقة الوهم

الخميس 30 يناير 2020 11:43 ص بتوقيت القدس المحتلة

صفقة القرن... صفقة الوهم

عبد الرحمن حمد

أصابني ما أصاب كل مسلم وأنا أنظر إلى صورة ترامب اللعين والنتن ياهو  في المؤتمر الصحفي بالأمس، أصابني لبرهة الشعور بجلد الفاجر وعجز الثقة، ولكن انقدح في ذهني مباشرة مواقف من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، مرَّ فيها النبي-صلى الله عليه وسلم- وأصحابه بما هو أقسى وأمرُّ من ذلك، فما صدَّهم ذلك عن ثباتهم وقضيتهم، وما زعزع اليقين في قلوبهم؛ بل بالعكس، لقد كانت هذه الشدائد وهذه المواقف بالنسبة لهم تصديقا بوعد الله لهم بالابتلاء ثم بالنصر، وزادتهم إيمانا وثباتا.

استحضرت لحظتها موقف غزوة الأحزاب، وما أدراكم ما غزوة الأحزاب وما حصل فيها، وكمية الضغط والخذلان من الناس التي تعرض لها المسلمون، ولكن رغم ذلك كان موقف الإيمان وشعور الاستعلاء بالله والاعتزاز بالدين هو الذي ضخَّ الثبات واليقين في قلوبهم، فقال تعالى في آية عجيبة تبين موقف المؤمنين في ظل ذلك الضغط والأذى الرهيب: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}(سورة الأحزاب:22).

من المنطقي بالحسبة المادية أن تورث رؤية جموع الأعداء وتحزبهم وتحالفهم الجبن والخوف والتردد، ولكنها قوة الإيمان واليقين بالله والثقة به تصنع الأعاجيب، وتورث اليقين بقرب الفرج، مع الاستمرار في الإعداد والتربية والتجهيز للمواجهة.

لقد جرت عادة الله عز وجل وحكمته مع جميع الأنبياء والصالحين أنه يبتليهم ويأخذ منهم ومن أتباعهم بعضا من الأموال والأنفس والثمرات، ولكنه سبحانه لا يخذلهم، ولا يجعل لعدوهم عليهم سبيلا يستأصل به وجودهم وشأفتهم، -حاشاه وهو الكريم وهو نعم المولى ونعم النصير-، بل إن من قدره وحكمته سبحانه أنه يملي للظالم ويؤخر أخذه، حتى إذا انتفش الظالم وعربد وظن أنه لا قِبَل لأحد به، ردَّ الله الكرَّة للمؤمنين، فساؤوا وجوه الكافرين والظالمين، وتبروا ما علا الكافرون تتبيرا، ووفَّى الله المؤمنين وعده لهم بالتمكين، وتبديل خوفهم أمنا، وجعلهم الله أئمة يحكمون الدنيا بعدل الاسلام ورحمته للعالمين، (وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا).
وتأملوا هذه الآيات الكريمة، فكم فيها من ثقة ويقين ووعد صادق من الله عز وجل 

• قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيب}ٌ (سورة البقرة: 214).

• و‏قال تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِين}َ (سورة يوسف:110).

• ‏وقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون}َ (سورة النور: 55).

• يذكرني ترامب هذا بفرعون ذلك الزمان، عندما وصف الله حاله: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ* وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين*وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُون}َ (سورة القصص: 4-6).

• ‏وختاما قال تعالى في وعده للمؤمنين بفتح بيت المقدس: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا}(سورة الإسراء:7).

 هذا وعد الله، وذاك وعد ترامب،
 ‏فلننظر أي الوعدين يُنجز، {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا} (سورة التوبة:111)،
 ‏{وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} (سورة النساء: 122).
‏ومن ذا الذي يمنع وعد الله، {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ}.
‏آمنا ورضينا بالله وعن الله وبما جاء من عند الله.

 ‏وصدق الله العظيم، ونحن على ذلك من الشاهدين.
فأمِّلوا واستبشروا خيرا بإذن الله

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة