في صفقة القرن شركاء

الخميس 06 فبراير 2020 04:00 م بتوقيت القدس المحتلة

في صفقة القرن شركاء

المحاور

 بكل وقاحة وصفاقة وجه، وفي مشهد من مشاهد العربدة والعنجهية يعلن رأس الكفر والعهر والاستبداد العالمي ما ‏يسمى بصفقة القرن، تلك التي تحكي تصفية القضية الفلسطينية بشكل يرضي الكيان الصهيوني الغاصب، ودون أدنى ‏مراعاة لشعور قرابة الملياري مسلم تتعلق أفئدتهم بمسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ‏

 لم تكن تلك الصفقة وليدة يوم وليلة، بل هي نتيجة مكر وكيد طويل، تولى كبره الصهاينة، مستمدين قوتهم بحبال ‏من الناس باعت نفسها لهم، وأصبحت مطية لمخططاتهم، وأداة قذرة من أدواتهم، وقد سبق تلك الصفقة صفقات، ‏ومواثيق ومعاهدات واتفاقيات؛ باع فيها بعض الأعراب ما تبقى من كرامتهم ونخوتهم بعد أن جحدوا نعمة الله عليهم، ‏وانسلخوا من دينهم وعقيدتهم. ‏

ومن يَهن يسهل الهوان عليه ** ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ

 لا يمكننا أن نلوم رأس الكفر والعهر العالمي لأنه يعتبر نفسه يقوم بواجبه تجاه أسياده الصهاينة، ولا يمكننا لوم ‏الصهاينة لأنهم يعتقدون أنهم ينالون حقهم في استعادة هيكلهم وبناء دولتهم .. ولاشك أنهم يعلمون بأنهم أدعياء كاذبون، ‏فهم أدرى الناس بأساليب خداعهم وغشهم وتزويرهم، قال تعالى في حال كل مُدرِك مميِّز للحق، جاحد له "وَجَحَدُوا بِهَا ‏وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ" (النمل: 14). ‏

 إن عقيدة المسلم لا يزلزلها استبداد مستبد ولا ظلم ظالم، فوعد الله أثبت وأقرب وأصدق من وعود المجرمين ‏لبعضهم، ووعيد الله تعالى أثبت وأقرب وأصدق من وعيد المجرمين بالبقية الباقية من المصلحين والمجاهدين، ونحن ‏على ثقة ويقين بأن صفعة ربانية قوية ستسبق تحقق صفقة خبيثة تستهدف مسرى رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، ‏وتستقوي على سلاح المجاهدين، وتنوي تعكير دماء الشهداء الأبرار، قال تعالى: "وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ ‏يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" (الأنفال: 30). ‏

 إن نجاح صفقة القهر والعهر مرهون بتعاون أثيم بين تحالف قبيح يجتمع له:‏

 الخبثاء؛ (رأس الكفر العالمي وأسياده الصهاينة). ‏

والجبناء؛ (من بعض زعمائنا وأمرائنا ومرضى القلوب فينا الذين قال الله فيهم: "فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ‏يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي ‏أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ" (المائدة: 52)). ‏

والضعفاء؛ (منا ومن أهلنا وإخواننا الذين يتذرعون بالضعف ويحتجون بقلة الحيلة، فيسكتون على الخيانات .. ‏والضعف المتوهَّم المغشوش لا يعفي أصحابه من المسؤولية، وصدق الله:" إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا ‏فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ ‏مَصِيرًا" (النساء: 97). ‏

 إننا نعيش اليوم في مشهد أقرب ما يكون إلى غزوة الأحزاب، وقد تحالف الخبثاء من اليهود، مع الجبناء من قريش ‏وغطفان، مع الضعفاء من منافقي المدينة؛ بقصد استئصال وجود الإسلام والمسلمين من المدينة، ولكن (وللأسف) يغيب ‏عن هذا المشهد الصعب المهيب؛ ‏

قيادة شجاعة غيورة على البلاد والعباد. ‏

وبطانة كريمة تشير على تلك القيادة بفكرة تشبه فكرة سلمان رضي الله عنه في حفر الخندق. ‏

وعين مفتوحة تحرس الأبناء وتأتي بخبر الأعداء (وليس العكس؛ تحرس الأعداء وتأتي بخبر الأبناء). ‏

إن ما نلمسه من حماسة لدى بعض زعامات دول الخليج نحو صفقة القرن، وشهود بعض سفرائها حفل إشهارها؛ ‏ليذكرنا بقرن الشيطان الذي أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه يخرج من نجد، فقد روي ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما ‏قَالَ: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا وفِي يَمَنِنَا، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا وفِي يَمَنِنَا، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ ‏قَالَ: هُنَاكَ الزَّلاَزِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ) رواه البخاري ومسلم، ولا نجزم بأن القصد بصفقة القرن؛ قرن ‏الشيطان، وإن كنا ندرك بأن تلك الصفقة من عمل الشيطان. ‏

 إن عملية إدارة العالم اليوم تقودها مجموعة من التجار تبيع وتشتري في مصائر الناس، دون رقيب ولا حسيب، ‏وذلك ظاهر للعيان، وما استخدام عبارة (صفقة) إلا دليل على أن الحكاية حكاية بيع وشراء في المقدسات والأعراض ‏والتاريخ والجغرافيا والدماء، ولا يفلح تاجر الدماء والأشلاء حيث أتى، وصدق الله: "فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ ‏السِّحْرُ ۖ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ" (يونس: 81). ‏

 إن رب العزة سيهين ولن يكرم، وإن التاريخ سيفضح ولن يرحم؛ تلك الزعامات التي رضيت بتلك الصفقة ‏المشؤومة في السر أو في العلانية، خوفاً على كراسيها، وطمعاً في كسب ود من يعلفها ويعطيها .." وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ‏الْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ" (الحج: 18). ‏

 إن من الضعف والعجز والخور أن ننتظر فرج الله بنا، وانتقامه من أعدائنا؛ دون أن نأخذ بالمتاح من أسباب دفع ‏البلاء والنصر على الأعداء، في حين يدعونا الله تعالى لأن نأخذ بالأسباب الموجودة حتى يمنحنا الأسباب المفقودة، قال ‏تعالى:" إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا" (الكهف: 85)، ولعل من أسباب الخروج من ‏تلك السلبية في التعامل مع تلك الصفقات والمعاهدات القبيحة ما يأتي:‏

‏١. تمكين توحيدنا وثقتنا بربنا، واعتزازنا بديننا، والتفافنا حول سنة وسيرة نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم. ‏

‏٢. تمكين صلتنا ببعضنا، والتقائنا على الجوامع الكثيرة بيننا، وتغاضينا عن أسباب فُرقننا وشتاتنا. ‏

‏٣. تكثيف أسباب القوة بصورها وأنواعها (قوة الإيمان، والفكر، والعلم، والمال، والعلاقات، والأمن، والسلاح، ‏والصناعة، والزراعة، وغيرها ..). ‏

‏٤. تعرية وكشف المنافقين، والمدسوسين، والمذبذبين، والأدعياء، والمغسوشين، والحذر منهم، قال تعالى: "لَوْ خَرَجُوا ‏فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ" (التوبة: 47). ‏

‏٥. تقوية مواقف الأمراء والعلماء والنخب والجماعات والتكتلات المنحازة لقضايا الأمة، واحتمال شيء من الضعف أو ‏الخطأ في اجتهاداتهم، طالما أن خيرهم يغلب شرهم، وصلاحهم يزيد على فسادهم، فالكمال لله، واستثمار الموجود أولى ‏من التنقيب على المفقود، لاسيما في ظروف دقيقة وتسارع في الأحداث. ‏

وختاماً

لقد تعددت وتعاظمت وتشعبت قضايا أمتنا، ولكن الجميل في المشهد على الرغم من مرارته وقسوته، ذاك الوضوح ‏الذي لم يُبقِ ورقة توت على سوأة مخفية إلا وأسقطها "لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ ‏حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ" (الأنفال: 42). ‏

ومن الجميل في المشهد كذلك أن أسباب الداء وعناوين الدواء في كل قضايانا واحدة، فرأس الكفر والعهر العالمي، ‏وربيبته المدللة الصهيونية العالمية، هي التي تعبث وتسرح وتمرح وترسم السيناريوهات، في العراق والشام واليمن ‏وليبيا ومصر، فضلاً عن فلسطين الجريحة، بدعم مادي ومعنوي من أموال الحرام التي تُضخ لهم من بعض زعامات ‏دول الخليج، وباستغلال أثيم من المشروع الفارسي الرافضي القادم من إيران .. وهذا يعني أن الكل يعمل فينا، ويكيد بنا ‏فليس لنا بعد اعتصاما بالله تعالى إلا تفعيل إرادتنا وتقوية إدارتنا، والله يتولانا، كما تولى غيرنا .. نِعمَ المولى ونِعمَ ‏النصير.‏

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة