الدعوة جهاد .. والجهاد دعوة

الخميس 20 فبراير 2020 12:38 م بتوقيت القدس المحتلة

الدعوة جهاد .. والجهاد دعوة

د. محمد سعيد بكر

المحاور:

  1.  يلتقي الجهاد في سبيل الله تعالى بمفهومه ومعناه الواسع المفتوح مع الدعوة إلى الله تعالى في المقصد والغاية، حيث أنهما يهدفان إلى إعلاء كلمة التوحيد، من خلال بذل الجهد واستفراغ الوسع للفرد والأمة.
  2. من الآيات المكية ما يحكي الدعوة بصيغة الجهاد، للدلالة على التقائهما في المدلول، قال تعالى: "فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا" (الفرقان: 52)، وهي آية مكية، والمقصود هنا جهاد الدعوة والحجة والبيان بالقرآن، قبل أن يكون ثمة جهاد سيف وسنان.
  3. كان جيش الفتوحات الإسلامية يتقدم لتحقيق واجب عرض الإسلام على أطول بقعة جغرافية، وقد وجد في طريقه من يمنع مجرد عرض الإسلام على قومه، ما تسبب في إشعال نار الحرب لكسر ذاك القفل بين الناس وبين اختيارهم الحر على ضوء معرفتهم بالدين الجديد، تلك الحرب التي كانت في الغالب تقضي على ذاك الزعيم المتكبر وتفرق جمع جيشه، ليدخل جيش الفاتحين إلى بلده فيعرض الدين ولا يفرضه على أهلها، وصدق الله: "وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" (الكهف: ٢٩)، وقال تعالى: "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" (البقرة: 256).  
  4. نحن أحوج ما نكون إلى عمل رابط ذهني بين الدعوة والجهاد لأسباب عديدة منها:

- أن يستشعر الداعي أنه وهو يمارس الدعوة للناس إنما يقوم بدور المجاهد في سبيل الله تعالى، وأن له ما للمجاهد من أجر وثواب، فينشط وتفرح روحه.

- أن يحقق الداعي في نفسه ما يحققه المجاهد من صفات الصبر والتضحية والثبات، قال تعالى: "فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلُ" (الاحقاف: ٣٥).

- أن الدعوة إلى الله تعالى مقدمة على الجهاد في سبيل الله، فقد حمل عليٌّ رضي الله تعالى عنه سيفه يوم خيبر وأراد أن يبيد خضراء اليهود، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمُر النَّعم" رواه البخاري.

هذا، ومن أبرز الجوامع بين صفات وأعمال المجاهد المرابط والمصلح الداعي ما يأتي:

١. أن في كليهما بذل الجهد في خدمة الدين؛ فالدعوة تخدم الدين بتكوين الأنصار المدافعين عن فكره وقيمه أمام الملحدين والعلمانيين وغيرهم، والجهاد يخدم الدين بتكوين الجند الذين يدافعون عنه أمام أعداء الدين من يهود وصليبيين معتدين.

٢. أنهما يهدفان إلى رفع راية التوحيد ويسعيان إلى تلبية أمر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم يوم قال له: "وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ" (المدثر: 3).

٣. أن أعداء الإسلام يتربصون بالدعاة والمجاهدين الدوائر ويعلنون الحرب الشرسة على كل من يرفع راية قتال أو حتى راية دعوة وإصلاح، قال تعالى: "وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" (الأنفال: 30).

٤. أن التعسف والتجبر والقهر لا يصح في حق الداعية ولا حتى في حق المجاهد، فالدعاة يدعون إلى الله تعالى بالحسنى ويجادلون بالتي هي أحسن، ويقدمون الحكمة والموعظة الحسنة، والمجاهدون لا يسرفون في القتل ولا يبطشون بغير المعتدين، ولا يبيدون الأخضر واليابس ولا يعلنوها حرباً مفتوحة على العالمين، قال صلى الله عليه وسلم: (اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا ...) رواه مسلم.

٥. أن الدعاة إنما يدعون إلى الله تعالى على بصيرة وعلم وفهم، قال تعالى: "قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ" (يوسف: 108)، وكذا المجاهدين لا يرفعون سلاح الجهل والعماية بل يسلكون مسلك الاستبانة والتبصر، فقد سأل عمرو بن العاص رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم عن حق الراية (عن السلاح) فقال له: (أن لا تقاتل بها مسلماً، وأن لا تفرَّ بها عن كافر) (ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء)، وقال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا" (النساء: ٩٤).

٦. أن من واجب الدعاة إلى الله تعالى أخذُ الحيطة والحذر بشكل عام كما هو واجب المجاهدين، فكلاهما إنما يقوم بواجب النفير في سبيل الله تعالى، والمتربصون كُثر، والله تعالى يقول: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا" (النساء: 71).

٧. أن توبة الكافر والمعتدي تستوجب على كلا الدعاة والمجاهدين قبوله ونسيان ما كان منه من كفر وعدوان؛ طالما أنه قد ابتدأ بداية جديدة مع الله تعالى، قال تعالى:" فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ" (التوبة: 11).

٨. يستحضر الداعية والمجاهد معية الله تعالى فلا يخاف من أحد سوى الله تعالى، قال تعالى: "قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ" (طه: 46).

٩. يتواضع كلا الداعية والمجاهد بين يدي الله تعالى، لاسيما بعد انتصاره في جولة من جولات المعارك التي يخوضها أو بعد إنجاز دعوي كبير، فهذا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يعبر عن فرحه في أعظم إنجاز جهادي دعوي يوم فتح مكة، وقد فتح الله له البلاد وقلوب العباد؛ بكل أدب وتواضع، قال تعالى: "إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا" (3).

١٠. الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله هما ذروة سنام الإسلام، وهما دليل قوة المسلمين، ومن تأخر عن حمل لوائهما أو تخلى عن واجبه نحوهما فكأنما ارتكب كبيرة الفرار من الزحف العظيم، وقد أثبت علماؤنا حُكم الدعوة والجهاد بأنه فرض كفاية، ولأن الكفاية لم تحصل في زماننا فإنهما صارا أقرب إلى فرض العين .. فيا رب غفرانك عن تقصيرنا الشديد في؛ حقن دماء المسلمين، وفي حق أسرانا ومسرانا، وفي دعوة وهداية غير المسلمين، ونصيحة إخواننا الموحدين.

١١. إذا كان المجاهدون مظنة (على طريق) الموت في سبيل الله، فالدعاة إلى الله مظنة العيش في سبيل الله .. وكلاهما على خير بمشيئة الله.

١٢. أن كلاهما يُطلَبان مع المجموعة ولا يمكن فيهما الانفراد، قال تعالى في الحث على الدعوة مع الجماعة: "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر" (آل عمران: 104) .. وقال تعالى في الحث على القتال في سبيل الله مع الجماعة: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ" (الصف: 4) .. وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب.

١٣. الأمة إذا تركت الدعوة والإصلاح حلَّ بها الفساد والفتنة، قال تعالى: "وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" (الأنفال: 25) .. وكذلك حال الأمة إذا تركت الجهاد والرباط فإن الفتنة تحلُّ بها بتسلُّط الأعداء عليها، قال تعالى: "وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" (الأنفال: 39).

١٤. التنازع بين الدعاة أو بين المجاهدين يؤدي إلى ظهور الأعداء وفشل المهمات الكريمة، والإخلاص لله تعالى مطلوب على كل حال، قال تعالى:"وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ" (الأنفال: 46).

١٥. أنه لا يجوز للمجاهد أن يدخل ميدان قتال بلا إعداد، كما أنه لا يصح للداعي أن يدخل ميدان دعوة بلا تحضير، قال تعالى: "وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ" (الأنفال: ٦٠)، وفاقد الشيء لا يعطيه، وفي الحديث: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" رواه البخاري، فالتعلُّم يسبق التعليم، كنوع من أنواع التحضير لهذه المهمة الكريمة.

١٦. يستشعر الداعي والمجاهد عظم المسؤولية الفردية فيتحركان ويعملان على تحريك غيرهما، قال تعالى بالنسبة للمجاهد: "فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ" (النساء: ٨٤)، وقال صلى الله عليه وسلم بالنسبة للداعي: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان" رواه مسلم.

١٧. أن الجهاد والدعوة ماضيان؛ لا يوقفهما عدل عادل ولا جور جائر، فهما عنوان الخيرية في الأمة .. والأمة التي لا جهاد فيها تستباح، مثلما أن الأمة التي لا دعوة فيها تَضمر وتتلاشى مع الرياح.

١٨. أن الجهاد والدعوة عنوان الحركة والحيوية، وبالتالي؛ البركة والإنتاج والخيرية في الأمة، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "البركة (وفي رواية: الخير) معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة" رواه البخاري، وقال النبي صلى الله عليه: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" رواه البخاري.

وختاماً:

إنما نقصد بالدعوة والجهاد التهذيب لا التعذيب، ونمضي بحسب تكليف الله تعالى لنا؛ لا نقيل ولا نستقيل، ولا نتعسف في دعوة أو جهاد، ونعي دورنا في جلب الخير والهدى والرشاد .. ولا ننسى الاستعانة والتوكل على رب العباد.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة