رسالة المنبر " ولا يخافون لومة لائم"

الجمعة 28 فبراير 2020 01:35 م بتوقيت القدس المحتلة

رسالة المنبر " ولا يخافون لومة لائم"

د. محمد سعيد بكر

- المحاور
- طريق الجهاد والرباط والإصلاح طريق طويل يحتاج إلى صبر ومصابرة واحتساب للأجر عند الله تعالى، ولا يمكن لمشروع جهادي أو دعوي أن يقوم ويظهر دون بذل وتضحية بالغالي والنفيس، قال تعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُم" (محمد: 31).
- ولأنه لابد من مواجهة بين الحق والباطل، ولأن هذه المواجهة لابد أن تكلفنا أنفساً وأموالاً وأعماراً كان لابد أن يوطن المرابط والمصلح نفسه على الصبر والرسوخ والثبات، وإنّ تجربة الجهاد في فلسطين وغيرها وما حازت عليه هذه التجربة من إعجاب القاصي والداني من أبناء الأمة، بل ومن كل صاحب فكر مستنير خير شاهد على ما نقول، فلم يكن ليتمّ هذا الانجاز وما بعده من إعجاب إلا بعد عناء وبذل طويل، والذي كان من صوره الاعتقال والتعذيب فيه، والإبعاد والنفي وما فيه من تفريق بين الأحبة، والاغتيالات والتصفيات الجسدية الكاملة أو التصفيات النصفية من جراحات وإعاقات وعاهات مستديمة وما تبع ذلك من بلاء وصفه القرآن الكريم خير وصف بقوله تعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ( البقرة: ١٥٥) فأي بلاء بعد هذا البلاء؟
- نعم، يوجد بلاء عظيم بعد هذا البلاء، إنه بلاء من نوع نفسي معنوي، إنه ما يعرف ببلاء اللوم والعتاب والمزاودة على الشهداء والجرحى والأسرى والمطاردين، ولا يسير مجاهد ومرابط ومصلح في هذا الدرب الوعر إلا ويجد اللوم حتى من أقرب الناس إليه، فأقرب الناس بداعي حبهم لك أو شفقتهم عليك يرجون السلامة لك كما يرجونها لأنفسهم، وهم لم يفقهون سنة الله تعالى في التغيير، وأنه لابد له من ثمن، لاسيما إن كان هذا التغيير جذرياً لا ترقيعياً، فيكثر اللائمون وتتعدد نواياهم في اللوم.
- ظاهرة اللوم والعتاب ليست بالجديدة، ومن ذلك بيان القرآن الكريم لحال عصابة المنافقين الذين يعتبون على المؤمنين جهادهم في الزمن الأول، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(آل عمران: 156) وقال تعالى في السياق ذاته: "الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(آل عمران: ١٦٨).
- ومما يُحزن النفس ويدمي القلب أنك إن سألت المسلمين عن رغبتهم في الإصلاح والتغيير وقلع الباطل من جذوره تجد أنهم كلهم يرغبون بذلك ويتمنونه؛ لكن مَنْ مِنْ أصحاب الأماني هؤلاء على أتمّ الاستعداد لأن يقدم شيئاً من الفداء، إنها القلة القليلة التي تعي خطورة أن يظل الكفر معربدا، فإذا عزم الأمر تجدهم في مقدمة الصفوف ليتحول سائر الخلق من حولهم إلى مجموعة العُتَّاب واللائمين بشدة على هذه الفئة الصابرة، فمن قائل عنها بأنها فئة المراهقين المتعجلين لأمر الله تعالى، ومن قائل بأنها تلقي بأيديها وبأيدي من حولها إلى التهلكة، ومن قائل عنها بأنها فئة الخوارج، ومن قائل قول رسول الله تعالى "لاتتمنوا لقاء العدو"، كأن أهل الرباط والجهاد يقصدون تمني لقاء العدو قصداً ولا يعون ما في لقاء العدو من فتنة.
- يبدأ اللائمون مرحلة متقدمة في العتاب تسمى مرحلة الشماتة على اعتبار أن هذه الفئة لم تكن تصغي لنداء العقل الناصح واستعجلت الخطى فتعثرت، لاسيما إن بدا شيء من الفشل الظاهر في مبتدأ الطريق.
- ولو أن الناس يفقهون معنى قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" (المائدة: 54)، لأدركوا أن البقاء إنما هو لتلك الفئة التي يلومونها وأن سنّة التبديل لن تذر قاعداً متقاعساً عن الجهاد والرباط والإصلاح بداعي الخوف والرهبة أو فلسفةٍ من تسويل الشيطان تجعله يُرجيء أمر الإعداد للجهاد إلى حين الإذن من الولي أو مجيء عيسى عليه السلام والمهدي، ولو أن الدماء التي سالت والأعراض التي انتهكت والمقدسات التي اغتصبت كلها مما يخصه ويعنيه على الحقيقة لتغير الحال.
- إنها حالة من التبلد العام الذي ساد البلاد وجعل العباد يستمرؤون رؤية العدو يسرح ويمرح في الجوار وعبر الديار ويمتنعون عن الوقوف في وجهه خشية التجربة أو المغامرة، وكل ذلك مؤذنٌ بزوال القاعدين حتى وإن تعذروا بالمعاذير المعروفة، ليبقى من يحبهم الله ويحبونه يجاهدون في سبيل ربهم دون أدنى خوف من عتاب أو ملامة.
- وهؤلاء الذين جاهدوا ورابطوا وبذلوا الأرواح أو ما دون الأرواح من صور البذل سالفة الذكر، هؤلاء المجاهدون عبر العصور والأزمنة أليسوا أرواحا مثلنا، أليسوا من دم ولحم وأعصاب ومشاعر، أليس لهم في الدنيا ما يشدهم إليها، أليس لهم آباء وأمهات يشفقون عليهم أو ليس لهم زوجات وأولاد يتألمون لمصابهم ويشتاقون إليهم، ولماذا ننظر إلى هذه النماذج المشرقة على أنها بعد صبرها وثباتها صارت نجوماً نعجب بها غير أننا لا نملك أدنى استعداد لتمثل حالها، ولماذا نلوم كل قريب منا إنْ فكر بنفس طريقة هؤلاء المجاهدين وتمثل منهاجهم واقتفي أثرهم رغم الصعاب والشدائد والبلاءات.
- أليس من العجائب والمفارقات والانفصام في القيم والسلوكات أن نطلب المجد دون أن نلعق الصبرا، وهل يحب إنسان في الدنيا أن يُبتلى ويمسه العذاب؟، فالمرابطون والمجاهدين والمصلحون تجدهم يحتاطون ويحذرون وينتبهون حتى إذا جاء أمر الله بالبلاء صبروا وكان منهم الثبات، فأولى بالناس أن يدعوا للصابرين الثابتين على طريق الإصلاح والجهاد وأن يدعموا صمودهم ورباطهم، وأن يشجعوا مبادراتهم بالفكرة والنصيحة والمال، أو أن يتركوهم وشأنهم ليلاقوا أمر الله دونما لوم ولا عتاب؛ لاسيما إن وقع قدر الله تعالى وأوذي هؤلاء الكرام فلا فائدة من اللوم والعتاب مطلقا.
- ولنا هنا أن نسأل: من هو المظلوم؟ .. وفي إشارة الى من يستحق اللوم والعتاب بحسب القرآن الكريم فإننا نجد إنه كل معتد أثيم على شاكلة فرعون وجنوده، قال تعالى: "فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ" (الذاريات: 40)، وكل متجاوز لأمر الله تعالى: "ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً" (الإسراء: 39)، وكل خارج عن حدود الاعتدال في النفقة والسلوك:" وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً" (الإسراء: 29)، أما من أعرض عن المجرمين ولزم أمر رب العالمين فإنه لا خوف عليه ولا حزن ولا لوم ولا عتاب: "ذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌَ *َ أتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ" (الذاريات: ٥٢ - ٥٤).
- إنها صفة الطائفة المنصورة بأنها تحرص على رضوان الله تعالى ولا تخاف فيه سبحانه لومة لائم ولا عتاب عاتب، فعن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله: " لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس" أخرجه الشيخان.
- ثم إنني أتساءل، كيف يخشى المسلم المرابط لوم الناس إنْ هو أقدم على المنايا المتحققة وجاهد في سبيل الله تعالى، ولا يخشى لوم الله تعالى الصريح وعتابه الشديد ونعيه المتحقق على كل متخلف عن النصرة والرباط وذلك في آيات صريحة منها:
قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ" (التوبة: 38).
وقال تعالى:" إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (التوبة: 39).
وقال تعالى:" فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ" (التوبة: 81).
وقال تعالى:" أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" (التوبة: 13).

 وفي حديث رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ما يلفت الانتباه إلى خطورة الخضوع بلوم اللائمين، ومن ذلك:
أخرج البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: "بايعنا النبي على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة ".
أخرج البخاري في تاريخه أن عمر بن الخطاب قال: إن وليت شيئاً من أمر الناس فلا تبال لومة لائم".
وأخرج ابن سعد عن أبي ذر قال: "ما زال بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ما ترك لي الحق صديقاً".

- ونجد في كلام المفسرين من الشروح النافعة لقوله تعالى:" ولا يخافون لومة لائم" ما يؤكد قيمة الثبات على المبادئ وعدم الإلتفات لأصحاب الأهواء ولا أولئك المشفقين من الطيبين، طالما أن الأمر يتعلق بديننا وشريعتنا السمحة، ومن ذلك:
- يقول ابن كثير رحمه الله: "لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله، وإقامة الحدود، وقتال أعدائه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم، ولا عذل عاذل".
- وعند سيد قطب رحمه الله في الظلال: "وهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، وفيم الخوف من لوم الناس، وهم قد ضمنوا حب رب الناس؟ وفيم الوقوف عند مألوف الناس، وعُرف الجيل، ومتعارف الجاهلية، وهم يتبعون سنة الله، ويعرضون منهج الله للحياة؟ إنما يخشى لوم الناس من يستمد مقاييسه وأحكامه من أهواء الناس؛ ومن يستمد عونه ومدده من عند الناس؛ أما من يرجع إلى موازين الله ومقاييسه وقيمه ليجعلها تسيطر على أهواء الناس وشهواتهم وقيمهم؛ وأما من يستمد قوته وعزته، من قوة الله وعزته، فما يبالي ما يقول الناس وما يفعلون؛ كائناً هؤلاء الناس ما كانوا؛ وكائناً واقع هؤلاء الناس ما كان، وكائنة "حضارة " هؤلاء الناس وعلمهم وثقافتهم ما تكون!
إننا نحسب حساباً لما يقول الناس؛ ولما يفعل الناس؛ ولما يملك الناس؛ ولما يصطلح عليه الناس؛ ولما يتخذه الناس في واقع حياتهم من قيم واعتبارات وموازين .. لأننا نغفل أو نسهو عن الأصل الذي يجب أن نرجع إليه في الوزن والقياس والتقويم .. إنه منهج الله وشريعته وحكمه .. فهو وحده الحق وكل ما خالفه فهو باطل؛ ولو كان عرف ملايين الملايين، ولو أقرته الأجيال في عشرات القرون!
إنه ليست قيمة أي وضع، أو أي عرف، أو أي تقليد، أو أية قيمة .. أنه موجود؛ وأنه واقع؛ وأن ملايين البشر يعتنقونه، ويعيشون به، ويتخذونه قاعدة حياتهم .. فهذا ميزان لا يعترف به التصور الإسلامي، إنما قيمة أي وضع، وأي عرف، وأي تقليد، وأية قيمة، أن يكون لها أصل في منهج الله، الذي منه - وحده - تستمد القيم والموازين.
ومن هنا تجاهد العصبة المؤمنة في سبيل الله ولا تخاف لومة لائم .. فهذه سمة المؤمنين المختارين".

- وختاماً
يقول الشاعر في بيان صفة النبل والشهامة التي يتمتع بها البعض:
يلقى العرمرمَ وحده فكأنما
يلتفّ منه عرمرمٌ بعـرمرم
سمحَ اليدين يُلام في سرف النـدى
فيزيده سرفاً ملام اللــــوم

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة