مباحث رمضانية

السبت 16 مايو 2020 04:11 م بتوقيت القدس المحتلة

مباحث رمضانية

د. كامل صلاح

« سورة القدر - تفسير وأحكام»‏
‏الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله ‏وصحبه أجمعين ، وبعد ...‏

قال الله تعالى : ﴿إِنَّاۤ أَنزَلۡنَـٰهُ فِی لَیۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ (١) وَمَاۤ أَدۡرَىٰكَ مَا لَیۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ (٢) ‏لَیۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَیۡرࣱ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرࣲ (٣) تَنَزَّلُ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ وَٱلرُّوحُ فِیهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن ‏كُلِّ أَمۡرࣲ (٤) سَلَـٰمٌ هِیَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ ٱلۡفَجۡرِ (٥)﴾ [القدر ١-٥] .‏

نعيش مع سورة القدر ، هذه السورة المباركة ، والتي فيها إخبار عن ليلة ‏هي من أفضل وأعظم الليالي عند الله تبارك وتعالى ، اختارها الله تعالى ‏من دون الليالي لينزل فيها كتابه وهو القرآن الكريم الذي هو خير ما أنزل ‏على البشرية جمعاء ، وفي السورة كذلك إخبار عن ليلة مباركة ، هي خير ‏من ألف شهر عبادة وأعمال صالحات ، فالموفق من وفقه الله تبارك وتعالى ‏للقيام بحقها ، وحق لنا أن نعيش مع هذه السورة المباركة كلها ، لنعرف ما ‏احتوته من كنوز وبشائر ربانية ، وخيرات وبركات إلهية ، وأوقات وازمنة ‏روحانية .‏
وسورة القدر هي سورة مدنية ، وقيل أنها أول سورة نزلت في المدينة ، ‏وهي خمس آيات .‏
ولما امتازت به هذه السورة المباركة من خصائص وبركات ، شرعت في ‏تفسيرها وبيان مرادها ، وتجلية معانيها ، وإظهار بركاتها وخيراتها ، ‏واثرت أن أنقل كلام كبار المفسرين لهذه السورة المباركة ، لما وجدت من ‏وضوح ظاهر لكلامهم فلا صعوبة فيه ولا تعقيد . ‏
وإليكم تفسيرها :‏
قال الله تعالى : ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ .‏
قال الطبري : أي « إنا أنزلنا هذا القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ‏ليلة القَدْر، وهي ليلة الحُكْم التي يقضي الله فيها قضاء السنة؛ وهو مصدر ‏من قولهم: قَدَرَ الله عليّ هذا الأمر، فهو يَقْدُر قَدْراً ».‏
وعن ابن عباس، قال: أنزل الله القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ‏وكان الله إذا أراد أن يوحي منه شيئاً أوحاه، فهو قوله: ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ‏الْقَدْرِ﴾ .‏
وقال ابن كثير : « يُخْبِرُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ ‏الْمُبَارَكَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدُّخَانِ: ٣] ‏وَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَهِيَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ‏الَّذِي أُنزلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٥] » .‏
وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ‏إِلَى بَيْتِ العِزّة مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ نَزَلَ مُفَصَّلًا بِحَسْبِ الْوَقَائِعِ فِي ثَلَاثٍ ‏وَعِشْرِينَ سَنَةً على رسول الله صلى الله عليه وسلم.‏
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُعَظِّما لِشَأْنِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، الَّتِي اخْتَصَّهَا بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ‏فِيهَا، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾‏
وقال السعدي : « يقول تعالى مبينًا لفضل القرآن وعلو قدره: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ ‏فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وذلك أن الله ‏تعالى ، ابتدأ بإنزاله في رمضان في ليلة القدر، ورحم الله تعالى بها العباد ‏رحمة عامة، لا يقدر العباد لها شكرًا » .‏
وقوله تعالى : ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾‏
قال الطبري: أي « وما أشعرك يا محمد أيّ شيء ليلة القدر خير من ألف ‏شهر » .‏
وقال القرطبي : «(وَما أَدْراكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ) قَالَ: لَيْلَةُ الْحُكْمِ. وَالْمَعْنَى لَيْلَةُ ‏التَّقْدِيرِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقَدِّرُ فِيهَا مَا يَشَاءُ مِنْ أَمْرِهِ، إِلَى مِثْلِهَا ‏مِنَ السَّنَةِ الْقَابِلَةِ، مِنْ أَمْرِ الْمَوْتِ وَالْأَجَلِ وَالرِّزْقِ وَغَيْرِهِ. وَيُسَلِّمُهُ إِلَى ‏مُدَبِّرَاتِ الْأُمُورِ، وَهُمْ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: إِسْرَافِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، وَعِزْرَائِيلُ، ‏وَجِبْرِيلُ. عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.‏
‏ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يُكْتَبُ مِنْ أُمِّ الْكِتَابِ مَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ مِنْ رِزْقٍ ‏وَمَطَرٍ وَحَيَاةٍ وَمَوْتٍ، حَتَّى الْحَاجِّ. ‏
و‏قَالَ عِكْرِمَةُ: يُكْتَبُ حَاجُّ بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ ‏أَبَائِهِمْ، مَا يُغَادَرُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَلَا يُزَادُ فِيهِمْ. وَقَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ كذلك » .‏
وقال البغوي : ثُمَّ عَجَّبَ نَبِيَّهُ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ سُمِّيَتْ لَيْلَةَ ‏الْقَدْرِ لِأَنَّهَا لَيْلَةُ تَقْدِيرِ الْأُمُورِ وَالْأَحْكَامُ، يُقَدِّرُ اللَّهُ فِيهَا أَمْرَ السَّنَةِ فِي عِبَادِهِ ‏وَبِلَادِهِ إِلَى السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ،كَقَوْلِهِ تَعَالَى:﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾[الدخان ٤] ‏‏.‏
وقال السعدي: ﴿وَمَاۤ أَدۡرَىٰكَ مَا لَیۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ﴾ [القدر ٢].‏
أي : ثم فخم شأنها، وعظم مقدارها فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ أي: ‏فإن شأنها جليل، وخطرها عظيم.‏
وقال البغوي : «قِيلَ لِلْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ: أَلَيْسَ قَدْ قَدَرَ اللَّهُ الْمَقَادِيرَ قَبْلَ أَنْ ‏يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ قَالَ: بَلَى ، قِيلَ: فَمَا مَعْنَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ؟ قَالَ: سَوْقُ ‏الْمَقَادِيرِ إِلَى الْمَوَاقِيتِ، وَتَنْفِيذُ الْقَضَاءِ الْمُقَدَّرِ » .‏
وقال الشوكاني : ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ فِيهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِها ‏حَتّى كَأنَّها خارِجَةٌ عَنْ دِرايَةِ الخَلْقِ لا يَدْرِيها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ.‏
وقالَ سُفْيانُ: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ: وما أدْراكَ فَقَدْ أدْراهُ، وكُلُّ ما فِيهِ ‏وما يُدْرِيكَ فَلَمْ يُدْرِهِ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ.‏
والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ تَجْعَلُهُ دارِيًا بِها ؟ .‏
وقال ابن جُزَيّ : ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ﴾ هذا تعظيم لها، قال بعضهم: كل ‏ما قال فيه ما أدراك فقد علمه النبي ﷺ وما قال فيه ما يدريك فإنه لا يعلمه . ‏
وقوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ‏
عن مجاهد قال: أي عملها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر.‏
وقال القرطبي في تفسيره لقوله تعالى:(لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) أي : ‏بَيَّنَ فَضْلَهَا وَعِظَمَهَا. وَفَضِيلَةُ الزَّمَانِ إِنَّمَا تَكُونُ بِكَثْرَةٍ مَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ ‏الْفَضَائِلِ. وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يُقَسَّمُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ الَّذِي لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي أَلْفِ ‏شَهْرٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.‏
وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَيِ الْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ ‏فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ».‏
وقال البغوي: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: "لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ" مَعْنَاهُ: عَمَلٌ ‏صَالِحٌ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ خَيْرٌ مَنْ عَمِلِ أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ » .‏
وعَنْ أنَسٍ رضي الله تعالى عنه قالَ: « العَمَلُ في لَيْلَةِ القَدْرِ والصَّدَقَةُ ‏والصَّلاةُ والزَّكاةُ أفْضَلُ مِنَ ألْفِ شَهْرٍ » [الدر المنثور ].‏
وقوله تعالى : {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ}.‏
قال القرطبي: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ﴾ أَيْ تَهْبِطُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ، وَمِنْ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، ‏وَمَسْكَنُ جِبْرِيلَ عَلَى وَسَطِهَا. فَيَنْزِلُونَ إِلَى الْأَرْضِ وَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَاءِ ‏النَّاسِ، إِلَى وَقْتِ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ.‏
‏(وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) أَيْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.‏
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: تنزل ‏الملائكة وجبريل معهم، وهو الروح في ليلة القدر ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ ‏يعني بإذن ربهم، من كلّ أمر قضاه الله في تلك السنة، من رزق وأجل ‏وغير ذلك .‏
وقال ابن كثير وَقَوْلُه تعالى ُ: ﴿تَنزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ ‏كُلِّ أَمْرٍ﴾ أَيْ: يَكْثُرُ تَنزلُ الْمَلَائِكَةِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِكَثْرَةِ بَرَكَتِهَا، وَالْمَلَائِكَةُ ‏يَتَنَزَّلُونَ مَعَ تَنَزُّلِ الْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ، كَمَا يَتَنَزَّلُونَ عِنْدَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ ‏وَيُحِيطُونَ بحِلَق الذِّكْرِ، وَيَضَعُونَ أَجْنِحَتَهُمْ لِطَالِبِ الْعِلْمِ بِصِدْقٍ تَعْظِيمًا لَهُ.‏
وَأَمَّا الرُّوحُ فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ ‏عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ. ‏
وقال الطبري (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ): أي : أُمِرَ بِكُلِّ أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ وَقَضَاهُ فِي تِلْكَ ‏السَّنَةِ إِلَى قَابِلٍ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، كقوله تعالى: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد: ‏‏١١] أَيْ بِأَمْرِ اللَّهِ جل وعلا .‏
وقال الطبري عن قتادة، في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ قال: يقضى فيها ما يكون ‏في السنة إلى مثلها.‏
فعلى هذا القول منتهى الخبر، وموضع الوقف من كلّ أمر.‏
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: سَلَامُ هِيَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ.‏
وَعَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ قَالَ: هِيَ سَالِمَةٌ، لَا يَسْتَطِيعُ الشَّيْطَانُ أَنْ ‏يَعْمَلَ فِيهَا سُوءًا أَوْ يَعْمَلَ فِيهَا أَذًى.‏
وَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ: تُقْضَى فِيهَا الْأُمُورُ، وَتُقَدَّرُ الْآجَالُ وَالْأَرْزَاقُ، كَمَا قَالَ ‏تَعَالَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾‏
وَقَوْلُه تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ ‏
وعَنِ الشَّعْبِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ ‏قَالَ: تَسْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عَلَى أَهْلِ الْمَسَاجِدِ، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ.‏
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: "مِنْ كُلِّ امْرِئٍ سَلَامٌ هِيَ ‏حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ".‏
وَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ يَعْنِي هِيَ خَيْرٌ كُلُّهَا، لَيْسَ فِيهَا ‏شَرٌّ إِلَى مَطْلَعِ الْفَجْرِ .‏
وقال الطبري : أي : سلام ليلة القدر من الشرّ كله من أوّلها إلى طلوع ‏الفجر من ليلتها.‏
وقال البغوي : قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ ‏السَّلَامُ مَعَهُمْ، فِيهَا أَيْ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ أَيْ بِكُلِّ أَمْرٍ ‏مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، كَقَوْلِهِ: "يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ" [الرعد: ١١] أَيْ بِأَمْرِ ‏اللَّهِ.‏
‏﴿سَلَامٌ﴾ قَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ: سَلَامٌ عَلَى أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: ‏هُوَ تَسْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عَلَى أَهْلِ الْمَسَاجِدِ مِنْ حَيْثُ تَغِيبُ الشَّمْسُ إِلَى ‏أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ.‏
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْمَلَائِكَةُ يَنْزِلُونَ فِيهِ كُلَّمَا لَقُوا مُؤْمِنًا أَوْ مُؤْمِنَةً سَلَّمُوا عَلَيْهِ مِنْ ‏رَبِّهِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ.‏
وقال السعدي : [ سَلَامٌ هِيَ } أي: سالمة من كل آفة وشر، وذلك لكثرة ‏خيرها، ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أي: مبتداها من غروب الشمس ومنتهاها ‏طلوع الفجر.‏

وبعد بيان وتفسير سورة القدر ، نقف مع بعض المسائل المتعلقة بليلة القدر ‏المباركة : ‏

‏- سميت ليلة القدر بهذا الاسم ، لعظيم قدرها وشرفها وفضلها في ذاتها ،  ‏وأن فعل الطاعات فيها له قدر ومكانة ومنزلة، ولأن الله تعالى أنزل فيها ‏كتابا ذا قدر على رسول ذي قدر ، واختص بها أمة ذات قدر على باقي ‏الأمم .‏
والله جل وعلا يقدر في ليلة القدر ما شاء من أمره إلى السنة القابلة كما قال ‏الله تعالى : (فيها يفرق كل أمر حكيم) .‏
‏- ومن فضائل ليلة القدر المباركة :‏
أنها ليلة أنزل الله تعالى فيها القرآن، قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}.‏
وأنها ليلة مباركة كما وصفها ربنا جل وعلا في قوله : {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ ‏مُبَارَكَةٍ}.‏
وهي ليلة يقدر فيها ما يكون في العام من الأجل والأرزاق والمقادير ‏القدرية ، لقوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}.‏
وأنها فضلت العبادة فيها عن غيرها من الليالي، كما
‏ قال تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}.‏
وأن الملائكة تنزّل فيها إلى الأرض بالخير والبركة والرحمة والمغفرة، ‏لقوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ}.‏
وهي ليلة خالية من الشر والأذى ، وتكثر فيها العبادة والطاعة وأعمال ‏الخير والبر، وتكثر فيها السلامة من العذاب ولا يخلص الشيطان فيها إلى ‏ما كان يخلص في غيرها فهي سلام كلها، قال تعالى: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى ‏مَطْلَعِ الْفَجْرِ}.‏
‏- لقد تواترت الأحاديث في فضلها، وأنها في رمضان، في العشر الأواخر ‏منه، وخصوصًا في أوتارها .‏
‏- ‏وليلة القدر ليلة باقية في كل سنة إلى قيام الساعة.‏
ولهذا كان النبي ﷺ يعتكف، ويكثر من التعبد في العشر الأواخر من ‏رمضان، رجاء ليلة القدر .‏
‏- إن الأقرب إلى الدليل، أن ليلة القدر تنتقل، وليست ثابتة في ليلة محدّدة ‏من كل عام، بل مرةً تكون ليلة إحدى وعشرين، ومرة تكون في ثلاث ‏وعشرين، ومرة تكون في خمس وعشرين، ومرة تكون في سبع ‏وعشرين، ومرة تكون في تسع وعشرين، فهي بهذا مجهولة لا معلومة، ‏وأرجى الأقوال أنها في ليلة سبع وعشرين .‏
‏- ‏لقد أخفى الشارع الحكيم وقتها، لئلا يتكل العباد على هذه الليلة، ويَدَعوا ‏العمل والعبادة في سائر ليالي شهر رمضان، وبذلك يحصل الاجتهاد في ‏ليالي الشهر ، وخاصة في العشر الأواخر منها ، حتى يدركها الإنسان.‏
‏- ‏قل ابن تيمية: "وقد يكشفها الله لبعض الناس في المنام أو اليقظة، فيرى ‏أنوارها، أو يرى من يقول له هذه ليلة القدر، وقد يفتح على قلبه من ‏المشاهدة ما يتبين به الأمر"ّ
‏- وقال النووي: "فإنها تُرى وقد حققها من شاء الله تعالى من بني آدم كل ‏سنة في رمضان، كما تظاهرت عليه هذه الأحاديث، وأخبار الصالحين بها، ‏ورؤيتهم لها أكثر من أن تحصر، وأما قول القاضي عياض عن المهلب بن ‏أبي صفرة: "لا يمكن رؤيتها حقيقة، فغلط فاحش،، نبّهتُ عليه، لئلا يُغتر ‏به"ا.هـ.‏
‏- ونقل الحافظ ابن حجر، أن من رأى ليلة القدر، استُحبّ له كتمان ذلك، ‏وألا يخبر بذلك أحداً، والحكمة في ذلك أنها كرامة، والكرامة ينبغي كتمانها ‏بلا خلاف .‏
‏- ومن العلامات التي تُعرف بها ليلة القدر، ما جاء في حديث أبي بن كعب ‏رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تطلع الشمس في ‏صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها" أخرجه مسلم.‏
والمقصود أنه لكثرة اختلاف الملائكة في ليلتها ونزولها إلى الأرض ‏وصعودها بما تنزل به، سترت بأجنحتها وأجسامها اللطيفة ضوء الشمس ‏وشعاعها"ا.هـ.‏
وأما غير ذلك من العلامات، فلا يثبت فيها حديث، ككونها ليلة ساكنة، لا ‏حارة ولا باردة، ولا يُرى فيها بنجم، ولا يحل للشيطان أن يخرج مع ‏الشمس يومئذ.‏
‏- ما الأفضل ليلة القدر أم ليلة الإسراء؟.‏
يقول ابن تيمية: « ليلة الإسراء أفضل في حق النبي صلى الله عليه وسلم ، ‏وليلة القدر أفضل بالنسبة إلى الأمة ».‏
‏- ليلة القدر هي أفضل ليالي السنة على الإطلاق .‏
‏- ‏ونقل عن الإمام الشافعي قوله: أستحبّ أن يكون اجتهادُه في يومها ‏كاجتهاده في ليلتها .‏
‏- ‏ان الحكمة من إخفائها ؛ ليجتهد العبد في العبادة والطاعة في جميع ليالي ‏العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك.‏
هذا ما تيسر الوقوف عنده من مسائل وأحكام وفوائد تتعلق بسورة القدر ، ‏وليلة القدر .‏
وفي الختام نسأل الله العلي القدير أن يعيننا على قيام ليالي رمضان وليلة ‏القدر بحق وصدق ، وأن يرينا إياها ، وأن يتقبلها منا جل وعلا .‏
والحمد لله رب العالمين
كتبه / د. كامل صبحي صلاح
أستاذ الفقه وأصوله
‏18/رمضان / 1440هـ .‏

‏ ‏
‏                « شفاعة الصيام والقرآن»‏
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله ‏وصحبه أجمعين، وبعد: ‏
إن للصيام والقرآن فضائل عظيمة، ومنازل جليلة، ومن هذه ‏الفضائل وتلك المنازل، شفاعتهما للعبد يوم القيامة، حيث يقول ‏الصيام منعته الطعام والشراب والشهوات في النهار، فشَفِّعْنِي فيه، ‏ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشَفِّعْنِي فيه، فيقبل الله جل وعلا ‏شفاعتهما للعبد، وما ذاك إلا لعظيم قدرهما ومكانتهما عند الله ‏سبحانه وتعالى، ومما يدل على ذلك ما ورد صحيحاً صريحاً في ‏حديث عبدالله بن عمرو رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله ‏عليه وسلم قال:«الصيامُ والقرآنُ يَشْفَعانِ للعبدِ، يقولُ الصيامُ: أَيْ ‏رَبِّ ! إني مَنَعْتُهُ الطعامَ والشهواتِ بالنهارِ، فشَفِّعْنِي فيه، ويقولُ ‏القرآنُ: مَنَعْتُهُ النومَ بالليلِ، فشَفِّعْنِي فيه؛ فيَشْفَعانِ»أخرجه أحمد ‏‏(٦٦٢٦)، وحسنه الألباني. ‏

ويدلّ هذا الحديث على أن الأعمال الصّالحة تَنفَعُ صاحبَها عندَ اللهِ ‏سُبحانه وتعالى، وهذا من عظيم فَضْلِ اللهِ تعالى وكرمه ومنّته على ‏خلقه وعباده، ومِن ذلك تلاوة القرآن وقيام الليل به، والوقوف ‏والتذلل بين يدي الله جل وعلا، وكذلك صيام النهار، والبعد عن ‏ملذات الطعام والشراب وما أبيح من الشهوات، وحبس النفس عن ‏كل ذلك قربة وعبادة وطلباً للأجر والثواب من الخالق الوهاب جل ‏وعلا.‏

والشفاعة لغة: مأخوذة من الشفع، وهو ضد الوتر، وهو جعل الوتر ‏شفعاً مثل أن تجعل الواحد اثنين، والثلاثة أربعة.‏
‏«لسان العرب، لابن منظور، 8/183»‏

والشفاعة اصطلاحاً: هي السؤال في التجاوز عن الذنوب من الذي ‏وقع الجناية في حقه. « التعريفات، للجرجاني، ص74»‏
وقيل: « هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة"، يعني أن ‏يكون الشافع بين المشفوع إليه، والمشفوع له واسطة لجلب منفعة ‏إلى المشفوع له، أو يدفع عنه مضرة».‏
وقوله عليه الصلاة والسلام:«الصِّيامُ»، أيْ: صِيامُ رمضانَ، أو ‏مُطلَقُ الصِّيامِ: وهو ما يشمل صيام الفرض وصيام التَّطوُّعِ.‏
وقوله:«والقرآنُ»، أي: قِراءةُ القُرآنِ، والقُرآنُ هنا عِبارةٌ عنِ التَّهَجُّدِ ‏والقِيامِ به باللَّيلِ، كما عُبِّرَ به عنِ الصَّلاةِ في قولِه تَعالى: {وَقُرْآنَ ‏الْفَجْرِ} [الإسراء: 78].‏
‏ وقوله:«يَشْفعانِ للعبْدِ يومَ القيامةِ» شفاعةً ثابتة وحقيقيَّةً، كما دلَّ ‏عليه قولُه: «يقولُ الصِّيامُ: أيْ ربِّ إنِّي مَنعَتُه الطَّعامَ والشَّهواتِ ‏بالنَّهارِ»؛ وذلك أنَّ الصّائمَ يَمتنِعُ عن الطَّعامِ والشَّرابِ والجِماع ‏وسائر المفطرات مِن طلوع الفجرِ إلى غروب الشمس، قربة وعبادة ‏لله جل وعلا.‏
وقوله:«فشَفِّعْني فيه»، أي: اقْبَلْ شَفاعتِي ووَساطَتي فيه.‏

وقوله:«يقولُ القرآنُ: ربِّ مَنعَتُه النَّومَ باللَّيلِ»؛ وذلك أنَّ قائمَ اللَّيلِ ‏يَمنَعُ نفْسَه من النوم إقبالًا على اللهِ جل وعلا، ووقوفاً بين يديه ‏سبحانه، بصلاتِه بالليل وطولِ قيامهِ، ‏

وقرَنَ بيْن الصِّيامِ والقيامِ في هذا الحديث؛ لأنَّ الصِّيامَ غالبًا يُلازِمُه ‏القيامُ فيه، وخاصة في شهر رمضان المبارك.‏
وقوله:«فشَفِّعْني فيه»، أي: اقْبَلْ شَفاعتِي فيه، ووَساطَتي في حَقِّهِ.‏
وقوله:«فيَشفعانِ»، أي: يَقْبَلُ اللهُ عزَّ وجلَّ شَفاعتَهما للعبد، وهذا ‏دليلٌ على عظمتهما ومنزلتهما ومكانتهما.‏
ومن المعاني العظيمة والمهمة التي أشار إليها هذا الحديث
فضل ومكانة قراءة القرآن في الليل والقيام به، والناس نيام، لذا فإن ‏العبد إذا وفّق لقيام الليل وقراءة القرآن فيه، وكذلك الحرص على ‏صيام الفرض والنافلة، فهو على خير عظيم، ينبغي له التمسك به، ‏وعدم التفريط والزهد فيه، وهذا من فضل الله جل وعلا وكرمه على ‏عباده.‏

هذا ما تيسر ايراده، ونسأل الله جل وعلا أن يوفقنا لطاعته، وأن ‏يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه ‏سبحانه.‏
والحمد لله رب العالمين

د/كامل صبحي صلاح
أستاذ الفقه وأصوله
‏15/رمضان/1441هـ

‏ ‏
‏                   « فضل السّحور وبركته »‏
‏                                  الدكتور/ كامل صبحي صلاح
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله ‏وصحبه أجمعين، أما بعد:‏

لقد حثّ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أمته على السحور، وتناول شيء ‏من المأكولات والمطعومات قبل الشروع في عبادة الصوم، وما ذاك إلا ‏تقوية لأبدانهم، واعانة على عباداتهم، مما يؤكد ويدل على أهمية وبركة ‏السحور للصائم في شهر رمضان، وفي غير من الأيام والشهور، فعن أنس ‏بن مالك رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏قال:«تَسَحَّرُوا فإنَّ في السَّحُورِ بَرَكَةً».«أخرجه البخاري (١٩٢٣)، ومسلم ‏‏(١٠٩٥)» ‏

ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام: «تَسَحَّرُوا» أي: تناولوا الطعام قبل وقت ‏السحر، وهو قبيل طلوع الفجر الصادق.‏

وقوله عليه الصلاة والسلام: «فإِنَّ في السَّحُورِ بَرَكَةً»، أي: ‏
زيادة في النماء والخير والاستقواء على صيام نهار رمضان، وفيه مزيد ‏من الأجر والثواب، نظراً لاتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فالسحور ‏يجمع بين البركة المادية والبركة العنوية.‏

‏# مفهوم السُّحور:‏
والسُّحُور (بضَمِّ السِّينِ): هو الفعل نفسه من تناول أكل وطَعامِ السَّحَرِ. ‏
والسَّحورُ (بِفَتحِ السِّينِ): هو اسمُ لما يُتَسَحَّرُ به، من طعام السَّحَرِ وشرابه.‏

‏# حكم السّحور:‏
يستحب السحور للصائم، سواء كان الصوم صوم فرض أو صوم تطوع، ‏لحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏قال:«تَسَحَّرُوا فإنَّ في السَّحُورِ بَرَكَةً» أخرجه البخاري (١٩٢٣)، ومسلم ‏‏(١٠٩٥).‏
وعن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه:«أنَّهُمْ تَسَحَّرُوا مع النبيِّ ﷺ، ثُمَّ ‏قامُوا إلى الصَّلاةِ، قُلتُ: كَمْ بيْنَهُما؟ قالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ أوْ سِتِّينَ، يَعْنِي آيَةً»‏
‏ «صحيح البخاري/ ٥٧٥»‏
أي: بمعنى بقَدْرُ ما يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً، مما يدل على القرب الزمني ‏بين تناول السحور، وصلاة الفجر، ومما يؤكد هذا المعنى كذلك حديث أنس ‏بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وزَيْدَ بنَ ثابِتٍ: تَسَحَّرا ‏فَلَمّا فَرَغا مِن سَحُورِهِما، قامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إلى الصَّلاةِ، فَصَلّى، قُلْنا لأنَسٍ: ‏كَمْ كانَ بيْنَ فَراغِهِما مِن سَحُورِهِما ودُخُولِهِما في الصَّلاةِ؟ قالَ: قَدْرُ ما ‏يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً».‏
‏«أخرجه البخاري/ ٥٧٥»‏

وفي الحديث اشارة إلى حسن عشرة النبيِّ ﷺ لأصحابِه رضي الله تعالى ‏عنهم جميعاً، وتواضعه لهم حيثُ كان يأكُل ويتسحّر معهم صلى الله تعالى ‏عليه وسلم.‏

‏# ومشروعية السّحور محلّ اجماع بين العلماء، ولا خلاف بينهم فيه، ونقل ‏الإجماع غير واحد من أهل العلم، ومنهم ابن المنذر، وابن قدامة، والنووي، ‏وغيرهم.  ‏

‏# وقت السحور: ‏
يستحب تأخير السحور إلى آخر الليل وقريب الفجر
لحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وزَيْدَ بنَ ‏ثابِتٍ: تَسَحَّرا فَلَمّا فَرَغا مِن سَحُورِهِما، قامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إلى الصَّلاةِ، فَصَلّى، ‏قُلْنا لأنَسٍ: كَمْ كانَ بيْنَ فَراغِهِما مِن سَحُورِهِما ودُخُولِهِما في الصَّلاةِ؟ قالَ: ‏قَدْرُ ما يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً».‏
‏« أخرجه البخاري/ ٥٧٥»‏
وكان الفَرقُ بين الصَّلاةِ والسُّحورِ قدْرَ خَمسينَ آيةً، أي: بقَدْرِ قِراءةِ خَمسينَ ‏آيةً على قِراءتِهم المعتادَةِ.‏

‏# ويستحب التسحّر على تمر، لحديث أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبيَّ ‏صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «نِعم سَحورُ المؤمنِ التَّمرُ» ‏
رواه ابن حبان بإسناد صحيح

‏# الحكمة والغاية من السحور:‏
إن للسحور حكماً كثيرة، ومقاصد جليلة، وغايات عظيمة، ومنها:‏
‏1. الاقتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وسنته القولية والفعلية.‏
‏2. في السحور مخالفة لأهل الكتاب، بكونهم لا يتسحّرون‏
والدليل على ذلك حديث عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ‏صلى الله عليه وسلم قال:«فَصْلُ ما بيْنَ صِيامِنا وَصِيامِ أَهْلِ الكِتابِ، أَكْلَةُ ‏السَّحَر»ِ « رواه مسلم/ ١٠٩٦»‏
‏3. في السحور النماء والخير والبركة بأنواعها المادية منها والمعنوية، ‏وتحصيل الأجر والثواب عند القيام به.‏
‏4. ‏في السحور تقوية للبدن على صيام النهار، لا سيما في الأوقات الحارة ‏من الأيام.‏
‏5. السحور سبب في اعانة العبد المؤمن على أداء الطاعات والعبادات لله ‏عز وجل في نهار رمضان.‏
‏6. في السحور فوائد صحية عظيمة يعود نفعها على الصائم، وهي كثيرة، ‏ومنها: تنشيط الجهاز الهضمي، والمحافظة على مستوى السكر في الدم ‏فترة الصيام، والحماية للجسد من الجفاف في نهار رمضان، وغيرها من ‏الفوائد الصحية الكثيرة التي يذكرها أهل الاختصاص.‏

‏# ويحصل ويتحقق السحور بقليل الطعام والشراب وكثيره، ولو بجرعة ‏من ماء، لحديث عبدالله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى ‏الله تعالى عليه وسلم قال:« تَسَحَّروا، ولو بجُرْعةِ ماءٍ»‏
‏«الأرنؤوط/تخريج المسند ١٧/١٥١ إسناده حسن»‏
ولحديث أبي سعيد الخدري: أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏قال:« السُّحورُ كلُّه بركةٌ فلا تَدَعُوه، ولَو أن يَجرَعَ أحدُكُم جَرعةً مِن ماءٍ، ‏فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ وملائكتَه يُصلُّونَ على المتسحِّرينَ»‏
‏«الألباني/ صحيح الترغيب ١٠٧٠ حسن لغيره»‏
ومعنى «صلاة الله عز وجل على عباده»، أي: الثناء عليهم.‏
وصلاة «الملائكة على العباد»، أي الدعاء والاستغفار لهم.‏

هذا ما تيسر ايراده، نسأل الله تعالى أن يجعله من العلم النافع والعمل ‏الصالح ، وأن يجعله لوجهه الكريم خالصاً،
ونسأل الله العلي الأعلى من فضله العظيم.‏
والحمد لله رب العالمين
‏8/رمضان/1441هـ
الدكتور/ كامل صبحي صلاح
أستاذ الفقه وأصوله

خاص موقع هيئة علماء فلسطين في الخارج