همسات وداع رمضان

الجمعة 22 مايو 2020 02:00 م بتوقيت القدس المحتلة

همسات وداع رمضان

سامي الحمود

معاشر الصائمين! ها هو شهركم، قد قرب رحيله، وأزف تحويله، شهر كثيرٌ خيره، عظيم بره، جزيلةُ بركته، ‏فنسأل الله الذي يسر صيامه وقيامه لنا، أن يتقبله منا، وأن يجعله شاهداً لنا لا علينا.‏
معاشر الصائمين! ونحن نودع شهرنا الكريم، هذه همسات الوداع تقول: أحسنوا وداع شهركم، ضاعفوا الاجتهاد ‏في هذه الليالي، أكثروا من الذكر، أكثروا من تلاوة القرآن، أكثروا من الصلاة، أكثروا من الصدقات، أكثروا من ‏تفطير الصائمين، ففي صحيح مسلم أن رسول الله كان يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها
هذه بساتين الجنان قد تزينت، هذه نفحات الرحمن قد تنزَّلت، فحريٌ بالغافل أن يعاجل، وجدير بالمقصر أن ‏يشمر، وإن الجياد الأصيلة إذا قاربت الوصول جدت المسير.‏
همسات الوداع تقول: ‏
همسات الوداع تقول: لا تتركوني من دون القيام، اتركوا لذيذ النوم، وجحيم الكسل، وانصبوا أقدامكم، وارفعوا ‏هممكم، وادفِنوا فتوركم، وكونوا ممن قال الله فيهم: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا) (السجدة: ‏‏16).‏
يا أيها الراقد كم ترقد *** قم يا حبيبي قد دنا الموعدُ
وخذ من الليل وساعاته *** حظاً إذا ما هجع الرقَّدُ
همسات الوداع تقول: ارفعوا عنكم التنازع والخصام؛ فإنه سببٌ في منع الخير وخفائه، ففي صحيح البخاري عن ‏عبادة بن الصامت قال: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليخبرنا ليلة القدر فتلاحى - أي تخاصم وتنازع - ‏رجلان من المسلمين، فقال: ((خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرُفعت)) (رواه البخاري).‏
همسات الوداع تقول: لا تفسدوا صفو الليالي ببعض المعكرات التي تفسد الجنان، وتجلبُ الأحزان، وتؤنبُ ‏الضمائر، وتقلقُ الخواطر، فلقد اعتكف بعض الناس في هذه الليالي في الأسواق ومحلاتها، وتهافتوا على المراكزِ ‏التجارية ومسابقاتِها، وتسمروا أمام القنوات وشاشاتها.‏
فيا لله.. ماذا قدموا للآخرة؟ ماذا قدموا للقبور وظلماتها، والقيامة وعرصاتها، والنار ودركاتها، والجنة ودرجاتها.‏
همسات الوداع تقول: القبول القبول، فقد كان السلف - رحمهم الله - يجتهدون في إتمام العمل وإكماله، فإذا ‏عملوا كانت قلوبهم وجلة خائفة من أن يرد عليهم عملهم، كانوا كما قال الله: (يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ ‏إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (المؤمنون: 60).‏
ومن هم أهل القبول؟ إنهم الذين وصفهم الله (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة: 27) جعلنا الله وإياكم منهم.‏
ويا ليت شعري من المقبول منا فنهنيه، ومن المطرود منا فنعزيه.‏
فيا أيها المقبول، هنيئاً لك بقبول الله وإحسانه، ورحمته وغفرانه، وثوابه ورضوانه، ويا أيها المطرود بعصيانه، ‏وغفلته وخسرانه، لقد عظمت مصيبتك بغضب الله وهوانه.‏
يا هذا، متى يُغفَر لمن لا يُغفَر له في هذا الشهر؟ ومتى يقبل من رُد في ليلة القدر؟
متى يتوب من لم يتب في رمضان؟ ومتى يصلح من فيه من الجهل والغفلة مرضان؟ فتب إلى ربك، واستدرك ما ‏بقي من شهرك، وابكِ على خطيئتك، لعلك تلحق بركب المقبولين.‏
همسات الوداع تقول: إذا مد الله في أعماركم، وأدركتم يوم عيدكم، فاشكروا الله بإكمال عدة شهركم.‏
كبروا ربكم، وأدوا زكاة فطركم، واخرجوا يوم عيدكم فرحين بفضل الله ورحمته، شاكرين لنعمته، ومجتنبين ما ‏يسخطه، واعلموا أن للعيد سنناً وآداباً يحسن ذكرها والعمل بها‏
فمن سنن العيد:‏
‏1- التكبير، ابتداء من دخول ليلة العيد وانتهاءً بصلاة العيد، قال الله: (وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ‏وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة: 185).‏
وصيغة التكبير أن يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد.‏
يجهر به الرجال في المجامع والأسواق والبيوت، وتسر به النساء؛ لأنهن مأمورات بالستر والحشمة.‏
ومن سنن العيد:‏
‏2- الاغتسال لصلاة العيد ولبس أحسن الثياب والتطيب.‏
‏3- الأكل قبل الخروج من المنزل على تمرات أو غيرها قبل الذهاب لصلاة العيد، ويسن أن يأكلهن وتراً.‏
‏4- الجهر بالتكبير في الذهاب إلى صلاة العيد.‏
‏5- الذهاب من طريق إلى المصلى والعودة من طريق آخر.‏
‏6- صلاة العيد في المصلى؛ إذ هي سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والصلاة في المسجد جائزة.‏
‏7- اصطحاب النساء والأطفال والصبيان دون استثناء كما كانت سنته - صلى الله عليه وسلم -.‏
‏8- الاستماع إلى خطبة العيد.‏
‏9- التهنئة بالعيد فعن جبير بن نفير قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا التقوا يوم العيد، ‏يقول بعضهم لبعض: تقبل منا ومنك، قال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن.‏
فاتقوا الله ربكم.. وسلوه من فضله في ختام شهركم، و(سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء ‏وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الحديد: 21).‏
وإياكم أن تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً.‏
بئس القوم قوم لا يعرفون الله إلا في رمضان، فإذا انسلخ رمضان كان عيدهم إضاعة للواجبات، ونوم عن ‏الصلوات، ومقارفة للمعاصي والمنكرات.‏
يا هؤلاء، إن كان الله تقبل منكم فليس هذا بفعل الشاكرين! وإن كان الله لم يتقبل منكم فليس هذا بفعل الخائفين.‏
يا هؤلاء، ليس العيد لمن لبس الجديد، إنما العيد لمن خاف يوم الوعيد.‏
عباد الله، كم هي المعاصي والمنكرات التي يقع فيها المسلمون في العيد؟ فمنها: إضاعة الصلوات، وشرب ‏المسكرات والمخدرات، والعكوف على القنوات الفضائحيات، ومنها: تزين بعض الرجال بحلق اللحى إذ الواجب ‏إعفاؤها في كل وقت، ومنها: الإسراف في بذل الأموال الطائلة في المفرقعات والألعاب النارية دون جدوى، وحري ‏أن تصرف هذه المبالغ على الفقراء والمساكين والمحتاجين، وما أكثرهم، وما أحوجهم.‏
ومنها: خروج بعض النساء متبرجات بزينة، متنقبات أو سافرات، ومن المعلوم أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج إلى ‏الرجال متبرجة متزينة متعطرة، حتى لا تحصل الفتنة منها وبها، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((أيما امرأة ‏استعطرت، فمرت على القوم، ليجدوا ريحها فهي زانية)) (أخرجه أحمد والثلاثة وقال الترمذي: حسن صحيح). ‏وعلى الرجل المسلم أن يحذر من الاختلاط المحرم بين الرجال والنساء، ومصافحة المرأة الأجنبية، فعن معقل بن ‏يسار - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من ‏حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له)) (أخرجه الطبراني والبيهقي وصححه الألباني).‏
عباد الله، هذه همسة الوداع الأخيرة تقول: جبر الله قلوبكم بفراق رمضان، وتجاوز عن ما سلف وكان، من ‏الذنوب والعصيان.‏
ترحلت يا شهر الصيام بصومنا *** وقد كنت أنواراً بكل مكان
لئن فنيت أيامك الزهر بغتة *** فما الحزن من قلبي عليك بفان
عليك سلام الله كن شاهداً لنا *** بخير رعاك الله من رمضان
إن القلب ليحزن، والعين لتدمع، ونحن نودع هذا الشهر الكريم، الذي فيه المساجد تعمر، والآيات تذكر، والقلوب ‏تجبر، والذنوب تغفر.‏
فيا شهرنا، أتراك تعود بعدها إلينا؟ أو يدركنا الموت فلا تؤول إلينا؟
مساجدنا فيك معمورة، ومصابيحنا فيك مشهورة، فالآن تنطفئ المصابيح، وتنقطع التراويح، ونرجع إلى العادة، ‏ونفارق شهر العبادة.‏
شهرَ رمضان ترفق، دموع المحبين تدفق، قلوبهم من ألم الفراق تشقق، عسى وقفةٌ للوداع تطفئ من نار الشوق ما ‏أحرق، عسى ساعةُ توبة وإقلاع ترفو من الصيام ما تخرق، عسى منقطعٌ عن ركب المقبولين يَلحق، عسى أسيرُ ‏الأوزار يُطلق، عسى من استوجب النار يُعتق.‏
عسى وعسى من قبل يوم التفرق *** إلى كل ما نرجو من الخير نلتقي
فيُجبَر مكسور ويُقبَل تائب *** ويُعتَق خطاء ويُسعَد من شقي
اللهم اجعل هذا الشهر شاهداً لنا، وحجة لنا لا حجة علينا، اللهم إن كان في سابق علمك أن تجمعنا في مثله ‏فأحسن عملنا فيه، وإن قضيت بقطع آجالنا فأحسن الخلافة على باقينا، وأوسع الرحمة على ماضينا، وعمنا ‏برحمتك وغفرانك، واجعل الموعد بحبوح جنتك ورضوانك.‏

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة