الرسول الحاكم ورجل الدولة

الأربعاء 24 يونيو 2020 10:25 ص بتوقيت القدس المحتلة

الرسول الحاكم ورجل الدولة

د. حافظ الكرمي، رئيس اللجنة الإعلامية

إن الدارس للتاريخ الإسلامي يجد لزاماً عليه أن يرجع إلى بدايات النشوء الأولى لهذا التاريخ، وهي فترة النبوة وعهد الخلفاء الراشدين ( 610 -662 م )  والتي تُعتبر فترة التأسيس الأولى، إذ لا يمكن لأي باحث في تاريخ العصور الإسلامية  المختلفة  فهم هذا التاريخ إلا إذا فهم الأسس والنظم التي بُني عليها، حيث شكلت هذه النظم أسس هذا التاريخ في مراحله المختلفة.

إنني أبحث في مرحلة النشوء والتكوين، أو بمعنى آخر مرحلة المخاض والولادة للدولة  الجديدة لأمة كانت لا تعرف في حياتها إلا حياة البداوة التي لا تلتزم معايير الدول وقوانينها ونظمها، فكانت الدولة فيها تجربة جديدة لم تستقر بعد، حيث  واجهت حروبا ضخمة مع أكبر دولتين في ذلك الوقت، الدولة الفارسية والدولة الرومانية، كانت الدولة الوليدة تحاول خلالها  أن  تُرسيَ نظماً جديدة في واقع الحياة، كما أن الحروب الداخلية التي تعرضت لها الدولة في آخر فترة  الدراسة منذ سنة (35 - 40 هـ/ 657 -622 م ) .

لقد استطاعت هذه الدولة أن تبني دولة حضارية بمفهومها الدقيق من ناحية التعامل مع الإنسان والمحافظة على حقوقه المادية والمعنوية، واستطاعت هذه الدولة أن تتفوق على دول الجوار العريقة في أنظمتها الإدارية والسياسية، وان تنتصر عليها بل وتستولي على تراثها وتصهره في بوتقة الأنظمة الإدارية للدولة الحديثة.   

1- بعض النماذج  الإدارية المطبقة في  الدولة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم:

نموذج رقم 1: كيفية قيادة الدولة واتخاذ القرارات:

إن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بإرساء مجموعة من الأنظمة الإدارية الجديدة بعد الإسلام ، من خلال إيجاد "نظام النقباء" في بيعة العقبة الثانية، حيث تجاوز النبي صلى الله عليه وسلم الأعراف القبلية، وقسم المسؤولية على اثني عشر شخصاً، كما عين مسؤولاً عن النقباء سُمي "نقيب النقباء"، مما يدل على وجود نوع من التسلسل الهرمي في المسؤولية، وإقرار مبدأ التفويض والإنابة، وقد تطور هذا النظام بعد الهجرة، فأوجد النبي صلى الله عليه وسلم مجموعة من الأنظمة التي ستقوم عليها الدولة الجديدة، فكان "نظام المؤاخاة" يهدف إلى تنظيم  الأمة اجتماعياً وفق أسس بعيدة عن العصبية والدم، ومرتبطة بالدين الجديد، وكان قرار إنشاء سوق مستقلة قراراً إدارياً مهماً في تنظيم شؤون الدولة، وتحقيق استقلالها اقتصادياً، كما تم صياغة وثيقة غير مسبوقة سُميت "الصحيفة" لتنظيم العلاقة بين سكان المدينة من المسلمين وغيرهم، فكانت هذه الأنظمة تهدف إلى صياغة مجتمع جديد تصبح فيه الدولة الجديدة دولة لكل مواطنيها بغض النظر عن أصولهم القبلية ودياناتهم أو أماكن سكناهم السابقة.

كان النبي صلى الله عليه وسلم هو القائد الإداري للدولة في شؤون المسلمين الدينية والدنيوية, وسلطاته الإدارية تشمل الدولة كلها فيما يتعلق بتحديد الأهداف ورسم السياسات العامة, وشارك في الإدارة مجموعة من الصحابة حيث اعتمد النبي صلى الله عليه وسلم سبعة من المهاجرين وسبعة من الأنصار أطلقت عليهم بعض المصادر اسم <النقباء>، وأطلق عليهم بعض المؤرخين اسم: [مجلس الشورى] أو [مجلس النقباء]، وقد أطلق عليهم الحاكم "توفي405هـ" اسم <الوزراء> حيث قال عبارته الدقيقة: (كان أبو بكر ... مكان الوزير فكان يشاركه في جميع أموره).

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُعيّن رجال إدارته عن طريق كتاب يكتبه لهم يُقرأ على الناس فيه تعليمات واضحة (بأن يسمعوا له ويطيعوا)، ويلاحظ من خلال هذه الكتب التي يمكن أن نطلق عليها <كتب التعيين> أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوجه تعليماته الإدارية للوالي يرشده فيه إلى كيفية التصرف وطرق الإدارة, كما كان يوجه تعليماته إلى الناس بالسمع وحسن الطاعة، ومن خلال قراءة سير هؤلاء الأفراد نلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختار رجالاً لإدارته من الذين اشتهروا بالعلم والكفاية والجاه والإدارة, ولم يكن يخضع لتأثير الضغوط العائلية والقرابة وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من تولية غير الكفء في إدارة العمل فقال : (ما من عبد يسترعيه الله رعية ثم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة).

وتشير المصادر إلى أن صيغة التعيين كانت تتم بصورة <شفوية> يضمنها مهمات الوالي واختصاصاته أو تكون بصورة مكتوبة كما في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم "توفي51هـ" حين ولاه نجران.

ويلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يهمل أمور ولايته, فقد مارس نوعاً من الرقابة الإدارية على سلوك الولاة حيث ذكر البخاري: (استعمل النبي صلى الله عليه وسلم ابن اللتيبية على صدقات بني سليم فلما قدم، قال هذا لكم وهذا أُهدي إلي، فقال: فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له)، مما يدل على دقة المحاسبة وبخاصة  في الأمور المالية،  وقد ضمنت الدولة لهؤلاء الولاة حقوقاً مادية فكان يصرف لكل واحد منهم راتب يكفيه, فكان أول راتب محدد لعتاب بن أسيد والي مكة, فقد منحه النبي صلى الله عليه وسلم درهمين عن كل يوم /راتب يومي/ مقابل إدارته, وكان هناك بعض رجال الإدارة يأخذون رواتبهم <عينية> وليست نقدية, وقد يكون ذلك بشكل جزئي كحالة عتاب بن أسيد الذي كان يتقاضى إلى جانب النقود شيئاً عينياً <بردين معقدين>  أو بشكل كامل كما في حالة قيس بن مالك الذي كان راتبه عينياً حيث خُصصت له قطعة من الأرض يأخذ نتاجها من الذرة والزبيب, وجاء في كتاب التعيين: [ .... لك ولعقبك من بعدك أبداً أبداً أبداً...]، وهذه إشارة أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض راتباً لورثة الموظف وهو نوع من الضمان الاجتماعي في هذه الفترة المبكرة من تاريخ الدولة.

وعند تحديد الرواتب كانت تراعى حالة الموظف الاجتماعية, فكان المتزوج يأخذ ضعفي العزب، وهذا يبين وجود علاوات في الراتب في حالة وجود الزوجة والأولاد.

وانطلاقاً من تعيين الرواتب الكافية للولاة وتوفير كافة الاحتياجات منعهم النبي صلى الله عليه وسلم من تلقي الهدايا وقال: (من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً فما أُخذ بعد ذلك فهو غلول)، وبذلك ضمنت الدولة في رجال إدارتها أن يؤدوا خدماتهم بأمانة وإخلاص.

نموذج رقم 2:  إدارة العلاقات العامة ( الدبلوماسية الإسلامية ):

استخدمت كلمات معينة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لتعبر عن الدبلوماسية، وهي <السفارة> و<الرسول> و <البريد> وكانت العلاقات التي أقامها النبي صلى الله عليه وسلم قاصرة ابتداءً على المحادثات الشخصية, وإرسال الرسائل وإيفاد البعثات، ومن هنا فإن وظيفة <البريد> كانت من الوظائف الإدارية الهامة التي لاقت اهتماماً كبيراً من جانب الدولة, وكان ما وصلنا من كتب ومواثيق ومعاهدات قام النبي صلى الله عليه وسلم بإبرامها تتجاوز المائتين والخمسين كتاباً.

كان النبي صلى الله عليه وسلم في اختياره للسفراء لا يخرج عن المألوف والعرف الجاري لدى الدبلوماسية الحديثة بمراعاة الأناقة وجمال الخلقة والكفاءات المختارة بصفتهم ممثلين لأمتهم, ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعث دُحية بن خليفة إلى قيصر وكان دُحية من أجمل أهل زمانه وأحسنهم وصفاً, كما يشير إلى ذلك ابن قتيبة, وهذا يصدق على بقية رسله فقد كانوا من (أعقل الصحابة وأجملهم صورة, وأحسنهم حديثاً, وأطلقهم لساناً, وقوة حجة)، ويلاحظ أن معظم السفراء هؤلاء كانوا من الذين نبهوا في العلم أو الكتابة أو الإدارة.

وقد بلغ من حرص النبي صلى الله عليه وسلم على قواعد الدبلوماسية أن قال: (إن أبردتم إليّ بريداً فاجعلوه حسن الوجه حسن الاسم)، وقد ضمنت الأعراف الدبلوماسية للسفراء بعض الحقوق فهو يملك حقاً يسمى <الأمان> وهو يشبه في بعض الأوجه ما يسمى اليوم <الحصانة الدبلوماسية> وبموجب هذا الحق يكون آمناً هو وزوجه وأولاده وأتباعه الدبلوماسيون, ولهذا قال لرسل مسيلمة الذين جاءوا إليه وقد ارتدوا عن الإسلام : (لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما).

أما عن حفظ نسخ من الرسائل التي كان يرسلها النبي صلى الله عليه وسلم أو يستقبلها فلا تذكر المصادر أن الدولة كانت تحتفظ بنسخة منا <كأرشيف> إلا أننا عرفنا أن صلح الحديبية كان قد كتب منه نسختين أخذ النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما والأخرى سهيل بن عمرو .

وراعى النبي صلى الله عليه وسلم كون الرسائل الرسمية لا تقبل إلا إذا كانت مختومة, فاتخذ خاتما ثم أمر أن لا ينقش <يصنع> على نقشه أحد حتى تتميز المراسلات الرسمية ولا تخضع لعمليات التلاعب والغش والتزوير, ويتضح هذا مما رواه البخاري عن أنس بن مالك "ت9هـ": (لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم  أن يكتب إلى الروم قالوا إنهم لا يقرؤون كتاباً إلا إذا كان مختوماً فاتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتماً من فضة ... ونقشه محمد رسول الله).

ونجد أن حفظ الخاتم أصبح وظيفة إدارية يقوم بها أحد الصحابة, فقد كان معيقيب بن أبي فاطمة على خاتم النبي صلى الله عليه وسلم يحفظه كما ذكر ابن عبد البر, وهذا يدل على حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الإفادة من الوسائل والرسوم المعاصرة ما دامت لا تتعارض وأحكام الشريعة وروحها العامة.

ونستخلص من الروايات التي بين أيدينا أن الرسول أرسل بعض الرسائل مغلقة, وختم على ظهر الرسالة بحيث تصبح مغلقة فلا يفتحها إلا صاحبها, وذكر ابن سعد "ت230هـ" أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن العاص إلى جيفر وعبد ابني الجلندي, قال عمرو: (فدخلت عليه فدفعت إليه الكتاب مختوماً ففض خاتمه وقرأه), والظاهر أنهم كانوا يطوون الكتاب  ويجعلون عليه شيئا رطباً كالعجين وغيره فيختمون به فلا يُقرأ إلا بعد فض الخاتم وذلك لئلا يطلع على ما في الكتاب أحد آخر.

3 - ان شبكة  العلاقات بين الدولة ومواطنيها قد تطورت، من حيث زيادة مسؤولية الدولة تجاه الرعية، وزيادة واجبات المواطنين تجاه الدولة، فقامت الدولة بتنظيم جباية الضرائب، وفرضت العطاء للمستحقين، وهو أشبه ما يكون بخدمات الضمان الاجتماعي في أيامنا المعاصرة، كما فرضت الدولة راتباً خاصاً بالأطفال منذ ولادتهم وحتى سن البلوغ، وجعلت نفقة الأطفال اللقطاء على الدولة، وكانت هذه المساعدات تهدف إلى تقديم الإعانة  للأسر ذات الأطفال لبناء أسر قوية ومجتمع متماسك، كما تبين أن الدولة كانت تقوم بتوزيع  المواد الغذائية ـ ولأول مرة ـ من خلال "صِكاك" أو أوراق ثبوتية، وهو إجراء إداري مهم  يدل على تطور في مفهوم الدولة وعلاقاتها مع المجتمع، والقيام بتوثيق الحقوق والواجبات، مما يؤكد أنها دولة حضارية تحترم الإنسان وتحافظ على حقوقه، كما بدأت الدولة كمؤسسة  تترسخ في حياة الناس بعيداً عن مفهوم البداوة السابق.

إن هذه الأنظمة التي وضعتها الدولة العربية الإسلامية كانت تتلاءم مع طبيعة المرحلة، فهي أنظمة عربية النشأة استفادت من الأنظمة الإدارية المطبقة في البلاد المفتوحة، وصهرتها في بوتقة تتناسب مع قيمها ورسالتها الحضارية، واعتمدت في تطبيقها على عناصر مشهود لها بالكفاءة والتقوى والعلم، وكانت تتطور حسبما تقتضيه المصلحة العامة فهي أنظمة ثابتة تستفيد من التجربة، وتنظر بعقل مفتوح لكل التجارب السابقة أو المطبقة مما أدى إلى تطورها بشكل سليم ومتدرج  بعيداً عن العفوية والارتجال.

خاص موقع هيئة علماء فلسطين في الخارج