الشباب هم المعنيون بالتغيير أولاً

الإثنين 29 يونيو 2020 12:00 م بتوقيت القدس المحتلة

الشباب هم المعنيون بالتغيير أولاً

أحمد برعود

إن الواقع يشهد متغيّرات متلاحقة متسارعة، ومن أبرز هذه المتغيّرات:

أولاً: الإقبال على الدين والتدين والالتزام بمنهج الإسلام من قبل هذا الجيل.

ثانياً: تطلع الشعوب الإسلامية إلى التحرر من عبودية الحكام الظلمة والأنظمة الظالمة لتعيش حرّة لا تذل ولا تخضع إلا لله.

ثالثاً: الوعي المتنامي عند الشباب خاصة لضرورة التغيير، والانقضاض على ما يُمارس ضدهم من سلب حقهم في العيش في ظل حياة حرّة كريمة مستقرّة.

فكل مسلم مطالب بالتغيير والمساهمة وليس هم الشباب فقط، ولكن ذكرت الشباب على وجه الخصوص؛ لأنهم هم المعنيون أولاً، وذلك لعدة أسباب منها:

السبب الأول: عناية الإسلام بالشباب عناية عظيمة:

فإن الإسلام في تشريعاته وتوجيهاته اعتنى بهذا السن عناية عظيمة وخصها بمزايا، وحاسب على تفريطها محاسبة خاصة، ومما يشهد لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع -وفي رواية: عن خمس- عن عمره فيم أبلاه، وعن شبابه فيم أفناه، وعن ماله مم اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه؟!» فذكر الشباب جاء لتخصيص مزيّة وإلا فإنه داخل في عموم السؤال عن العمر.

السبب الثاني: أن الشباب أقرب الناس قبولاً للحق وتطبيقه:

فهم يمتازون برقّة القلب كما في الحديث «فإنهم أرق أفئدة» وصفاء الصدر حيث لم تُكدَّر بعد صدورهم، فصدورهم أوعية مفتوحة للخير والشر بحسب ما يُصبُّ فيها، ولذلك ما من دعوة من الدعوات واتجاه من الاتجاهات، بغض النظر عن استقامته وانحرافه إلا ويهتم بالشباب ويرعاه، ومن الأمثلة الواقعية الأنظمة العلمانية تهتم بالشباب اهتماماً بالغاً، وتوفّر لهم كل الوسائل الجذّابة المحققة لأهدافه الخبيثة؛ فتفتح لهم النوادي المختلفة والمنتزهات الملفتة والملاعب الضخمة، وتنظم لهم الرحلات والزيارات، وتسهل لهم أمورهم، بينما لا تجد ذلك يُقدّم للشيوخ بحسب ما يحتاجون مما يتناسب مع أعمارهم إلا في النادر، وعلى مستوى ضيّق.

فالشباب تتطلع إليهم الأمة، وهم يتطلعون إلى المستقبل، وينفتحون مع ما يعايشون من صلاح أو فساد.

فإذا أردنا إصلاح المجتمع وصلاح الأمة لا بد أن نهتم بالشباب؛ فهم أقرب الناس لقبول الحق؛ لأن عقولهم نقية لم تختلط كثيراً بمؤثرات فاسدة؛ لأن الفطرة غالبة عليهم، بخلاف الكبار -إلا من رحم الله- فإنهم عاشوا مراحل طويلة يصعب تصحيحها.

السبب الثالث: أن الشباب لديهم القدرة على تحمل أعباء الدعوة والتغيير:

فبنية الشباب تختلف عن بنية الكبار في الحركة والتحمل والقوة والحماس. هذا على وجه العموم، وإن كان من الكبار من يمتاز بذلك وأكثر.

فالشباب إذا ربّوا تربية إيمانية متكاملة؛ فإنهم هم الذين سيتحملون نشر دعوة الحق، وسيتصدون لكل عدو ولكل قوة تستهدف هدم الإسلام ونشر الفساد في الأرض وتفتيت قوة المسلمين، ولقد كانت أحداث الغزوات والمعارك التي خاضها الجيل الأول من أقوى الشواهد، حيث قدّم الجيل الأول كوكبة من الشهداء كأمثال مصعب بن عمير، وكوكبة من الدعاة كمعاذ بن جبل وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وبلال وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين، ثم تعاقب ذلك في الأجيال التي جاءت بعدهم وفي واقعنا المعاصر في ظل الصحوة المباركة فهم -أعني: الشباب- ترسانة لما تنتجه عقول العقلاء من كبار الدعاة وأهل العلم والفضل، وهم على الشدائد صبّرُ.

السبب الرابع: أن الشباب هم الأصل في نهضة الأمم ونشاطها ودفاعها، فهم بحق سواعد الأمة:

فالأمة التي لا تعتني بشبابها أمة متخلّفة ضيّقة الأفق، مستهدفة يسهل الانقضاض عليها، فجميع مجالات الحياة الذي ينفّذ حركتها وينشّطها هم الشباب، فالمجال العسكري غالبهم شباب، والمجال الصناعي والإنتاجي غالبهم شباب، والمجال التثقيفي والتعليمي والإعلامي غالبهم شباب، والمجال الرياضي غالبهم شباب، فهم أصل النهضة في كل نشاط من أنشطة الحياة المختلفة، فهم إذن في رأس قائمة التغيير.

السبب الخامس: أن إصلاح الشباب هو بداية التغيير وعموده:

فإن الشباب إذا صلحوا صلح المجتمع، وإذا فسدوا فسد المجتمع؛ لأن ذلك السن يعدُّ قلب العمر ولبّه.

ولما كان ذلك بيّناً واضحاً نجد الأنظمة المنحرفة قد تتسابق في إفساد الشباب ذكوراً وإناثاً من خلال برامج وخطط دولية، وبتنفيذ أياد عربية عميلة.

السبب السادس: ما يشهد له التاريخ والواقع:

أمّا التاريخ فيشهد للانقلاب الهائل الذي أحدثه قيام الدولة الإسلامية في المدينة حيث أسقطت عبودية العباد للعباد إلى عبودية رب العباد، كما قال ربعي بن عامر رضي الله عنه لرستم قائد الفرس: " نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ".

فالدولة الإسلامية لم تتأسس إلا بعد تضحيات وتمحيص، حيث كان في مقدمة وطليعة الملتفّين حول النبي صلى الله عليه وسلم غالبهم من الشباب، كأمثال علي بن أبي طالب، ومصعب بن عمير وغيرهم وهم كثر رضي الله عنهم أجمعين، كما ذكرنا آنفاً في السبب الثالث.

أما الواقع:

ما شهده العالم العربي من انتفاضات عارمة يقودها ووقودها الشباب ضد الظلم والفساد والقهر والاستبداد من قبل الحكام والأنظمة المستبدة الظالمة، فلا يخفى على أحد ما حدث في تونس من قيام الشباب بعمل عظيم جبّار حرّك عواطف الشعب التونسي والعالم الإسلامي، حيث بارك الشعب التونسي حركة الشباب بكل فصائله السياسية وتركيباته الاجتماعية، حتى تم سقوط الطاغيّة (ابن علي) وجعلوه مثالاً للذل والهوان، فكان الفضل بعد الله تعالى للشباب والتضحيات التي قدمها.

لقد باغت الشباب وفئات الشعب المؤيدة لهم والصامدة معهم الحكومات الأمريكية والأوروبية وحكومة مصر والمتواطئين معها وعموماً المجتمع الدولي بما لم يكن في الحسبان، حيث بذلت دول أوروبا وأمريكا جهوداً ماليّة وعسكريّة وإعلاميّة وسياسيّة وتعليميّة وتربويّة من أجل إفساد الشباب وصرفهم عن قضايا مجتمعهم ومعاشهم ومسئولياتهم الأسريّة والاجتماعيّة، وحسبوا أن جيل الشباب المعاصر ما بعد السبعينيات هو نفس الجيل الذي قبل السبعينيات ـ 1970م ـ.

ولكن الحقيقة التي يبرزها الواقع: أن جيل الشباب المعاصر اليوم يختلف عن الجيل السابق، ومما يتميّز به:

الميزة الأولى: الشجاعة والإقدام:

وهذه الميزة ملحوظة وملموسة في الواقع، فالجيل الشبابي المعاصر لا يعرف في غالبه الخوف والتردد والإحجام والضعف، بل عنده من الشجاعة والإقدام مما يبلغ ببعضهم إلى حد الإفراط والعنف المذموم، وإن كان في غالبهم يتصف بالتوسّط والعقلانية، أي: بالشجاعة والإقدام المنضبطتين بما يمنع من التهور والعنف المذموم.

الميزة الثانية: الصبر وتحمل تبعات ما اقتنعوا به:

فلم يثنهم بطش الأنظمة وما كان معهوداً منهم من إجرام، بل تحمّل الشباب الاعتقالات وما رافقها من إيذاء، ومحاولات التضييق عليهم في وصول المعونات والعلاج، وترويع آبائهم وأمهاتهم، ورغم ذلك كله هم صابرون محتسبون.

الميزة الثالثة: الانفتاح على الواقع:

فجيل الشباب المعاصر لم يجعل التقنيات الحديثة خلف ظهره، بل تعامل معها واستطاع أن يستخدمها لنصرة قضاياه وقضايا مجتمعه، على الرغم أن هذه التقنيات استهدفت إفسادهم خلقياً وعقائدياً، وإشغالهم باللهو واللعب.

الميزة الرابعة: الاعتبار بالأحداث:

فهو جيل غير منغلق على نفسه، وبالتالي فهو يتابع الأحداث ومجرياتها وتطوراتها.

الميزة الخامسة: التضحية والبذل:

وهذه الميزة برزت حيث آثروا تحمل الإنفاق على أنفسهم، بل ظهر بينهم الإيثار والبذل، وإظهار مشاعر الإخاء والتعاون فيما بينهم

الميزة السادسة: سلامة فِطَرِهم:

رغم المؤامرات تلو المؤامرات لإفسادهم وبعدهم عن الدين إلا أننا نجد الإقبال على التدين من هذا الجيل ما لم يشهده الجيل الذي سبقه، ومن المشاهد التي تثلج الصدور محافظة الشباب ومن معهم من إقامة شعيرة الجمعة والصلوات الخمس

الميزة السابعة: العزيمة الصادقة والإرادة الحرّة:

جيل الشباب في غالبه يمتلك عزيمة صادقة، وإرادة حرّة، فلا يعرف الخنوع والتململ والتذبذب، بل عنده إصرار وعزم على مكافحة الاضطهاد والاستبداد وكسر شوكة الطغاة والظلمة والعابثين بخيرات الأمّة.

وما ذكرته من مميّزات لجيل الشباب المعاصر لا يعني أن الجيل الذي قبله ليس له مميّزات تخص عصره، أو ليس فيه من تلك المميّزات المذكورة آنفاً، ولكن يتفاوتون في بعضها، ولم تكن بعضها فيهم بشكل لافت، والناظر إلى أطفال هذا الجيل فضلاً عن شبابه يجد ذلك جليّاً ظاهراً، فهذا هو حقاً جيل التغيير إذا ظل متمسّكاً بالعروة الوثقى.. عروة الإسلام.

هذا الذي جعلني أخص بالذكر الشباب بالتغيير دون غيرهم.

نسأل الله أن يحفظ شباب المسلمين، وأن يثبّتهم على الحق وينصرهم على الطغاة والمستبدين في كل مكان، اللهم أبرم لأمة الإسلام أمر رشد يُعزُّ فيه أهل طاعتك، ويُذلُّ أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف ويُنهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء!

وصلى الله عليه وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

نقلا عن موقع صحيفة الرشد مع اختصار ما انتهى زمنه من أمثلة

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة