حكم صلاة الجماعة مع التباعد الاجتماعي زمن كورونا

الثلاثاء 30 يونيو 2020 10:00 ص بتوقيت القدس المحتلة

حكم صلاة الجماعة مع التباعد الاجتماعي زمن كورونا

د. كامل صلاح

‏«حكم أداء صلاة الجماعة مع تباعد المصلين والصفوف احترازاً من ‏العدوى في ظلّ نازلة وباء كورونا»‏
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله ‏وصحبه أجمعين، وبعد:‏
لقد ظهرت عدة مسائل نازلة في ظل انتشار وباء كورونا، ومن هذه ‏المسائل أداء صلاة الجماعة مع وجود التباعد بين المصلين والصفوف، لذا ‏كان لزاماً أن نبين الحكم الشرعي في هذه المسألة النازلة، وبعد النظر ‏والتحقيق، نقول وبالله التوفيق:‏

لا مانع من أداء صلاة الجماعة مع وجود التباعد بين المصلين والصفوف ‏احترازاً من العدوى في ظلّ نازلة وباء كورونا، وإن هذا الأداء لصلاة ‏الجماعة في المساجد مع وجود التباعد بين المصلين إنما هو لعذر وحاجة، ‏والأمر إذا ضاق اتسع، وأن المكروهات تبيحها الحاجات والضروريات، ‏وإن هذه المباعدة بين المصلين حال الأداء جماعةً تقتضيها الحاجة ‏والمصلحة، وهي حاجة عامة لعموم المصلين قد تصل إلى حد الضرورة، ‏وما ذاك إلا احترازاً من نقل العدوى، وهي لا تؤثر على صحة الصلاة.‏

وإن لهذه الصورة من الصلاة أشباه ونظائر أشد منها ومع ذلك أجازها ‏الشرع، مثل جواز الجمع بين الصلاتين، مع كون إخراج الصلاة عن وقتها ‏المحدد لها شرعاً منهيٌّ عنه، ودخول الوقت شرط صحة في الصلاة، ومع ‏ذلك جُوّز للحاجة ورفع الحرج عن المكلفين، فمن باب أولى حكم السنية ‏والوجوب- لمقتضى العذر والحاجة-، وكلاهما أقل درجة من شروط صحة ‏الصلاة اتفاقاً.‏
ففي الحديث عن عبد‎ ‎الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:‏‎ ‎‏«جمع ‏رسولُ اللهِ ﷺ بين الظهرِ والعصرِ، والمغربِ والعشاءِ بالمدينةِ من غيرِ ‏خوفٍ ولا مطرٍ، فقيل له: ما أراد بذلك؟ قال: أراد ألا يُحرِجَ أُمَّتَه» ‏‏«أخرجه مسلم (٧٠٥)»‏
إذاً يشير الحديث إلى أن لهم تأخيرَ الصَّلاة تخفيفًا عنهم وترفُّقًا بهم عند ‏وجود الحاجة الداعية لذلك.‏

قال ابن تيمية:‏‎ ‎‏«وَإِذَا كَانَ الْقِيَامُ وَالْقِرَاءَةُ وَإِتْمَامُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالطَّهَارَةِ ‏بِالْمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ يَسْقُطُ بِالْعَجْزِ فَكَذَلِكَ الِاصْطِفَافُ وَتَرْكُ التَّقَدُّمِ. وَطَرَدَ هَذَا ‏بَقِيَّةَ مَسَائِلِ الصُّفُوفِ كَمَسْأَلَةِ مَنْ صَلَّى وَلَمْ يَرَ الْإِمَامَ وَلَا مَنْ وَرَاءَهُ مَعَ ‏سَمَاعِهِ لِلتَّكْبِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ» «مجموع الفتاوى (23/ 396)»‏

ومن المقرر لدى الفقهاء أنَّ من عجز عن أداء الفعل المأمور به، فإنَّه يأتي ‏بما أمكنَه منه، لقول الله تعالى:(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: 16].‏
وقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: 286].‏
وفي الحديث عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ‏قال: «فإذا أمرتُكم بشيءٍ فأتُوا منه ما استطعْتُم، وإذا نهيتُكم عن شيءٍ ‏فدَعُوه»‏
‏«أخرجه البخاري (7288)، ومسلم (1337) واللفظ له»‏
وقوله على الصلاة والسلام: «فأْتُوا مِنه ما استطعتُم» دلَّ على أنَّ مَن عجزَ ‏عن فِعل المأمورِ به، فإنَّه يأتي بما أمكنَه منه» «جامع العلوم والحكم، لابن ‏رجب (1/256)»‏

ومن المقرر أنه قد تسقط بعض شروط الصلاة وأركانها بالعجز عن أدائها، ‏فمن باب أولى سقوط التراصّ والاصطفاف في الصلاة للحاجة والمصلحة ‏لذلك، وهو أقل وأهون حكماً من الأركان والشروط، ومثال ذلك صلاة العبد ‏جالساً في حال التعذر عن القيام، فإن لم يستطع صلّى وهو واضع جنبه ‏على الأرض، لحديث عمران بن الحصين رضي الله تعالى عنه قال:‏‎ ‎‏«كانَتْ بي بَواسِيرُ، فَسَأَلْتُ النبيَّ ﷺ عَنِ الصَّلاةِ، فَقالَ: صَلِّ قائِمًا، فإنْ لَمْ ‏تَسْتَطِعْ فَقاعِدًا، فإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ» «أخرجه البخاري/ ١١١٧»‏
ويشير هذا الحديث إلى يسر أحكام الشريعة الإسلامية، ومراعاتها لأحوال ‏المكلفين.‏
قال النَّووي:‏‎ ‎‏«أجمعتِ الأمَّةُ على أن من عجز عن القيامِ في الفريضة ‏صلَّاها قاعدًا، ولا إعادةَ عليه» (المجموع، 4/310)‏
وقال ابنُ تَيميَّة:‏‎ ‎‏«وقد اتَّفَق المسلمونَ على أن المصليَ إذا عجز عن بعض ‏واجباتِها- كالقيام، أو القراءة، أو الركوع، أو السجود، أو سَتر العورةِ، أو ‏استقبال القبلة، أو غير ذلك- سقَط عنه ما عجز عنه، وإنما يجب عليه ما إذا ‏أراد فِعْلَه إرادةً جازمةً أمكَنَه فِعْلُه» (مجموع الفتاوى، 8/438).‏
وقال ابنُ المنذِر: «وأجمع أهلُ العلم على أنَّ فرض مَن لا يُطيق القيام أن ‏يصلِّي جالسًا» (الإشراف، 2/212).‏
وقال ابنُ رشد:‏‎ ‎‏«أجمع العلماء على أن المريض مخاطَبٌ بأداءِ الصلاة، ‏وأنَّه يسقط عنه فرضُ القيام إذا لم يستطعه، ويصلي جالسًا، وكذلك يسقط ‏عنه فرضُ الركوعِ والسجود إذا لم يستَطِعْهما أو أحدَهما، ويومئُ مكانَهما»‏
‏(بداية المجتهد، 1/178).‏
ومما ينبغي الإشارة إليه أن الاصطفاف في الصلاة أهم من سد الفرج، وهذا ‏ما اختاره ابن تيمية إذ «لو حضر اثنان وفي الصف فرجة فأيهما أفضل: ‏وقوفهما جميعا أو سد أحدهما الفرجة وينفرد الآخر؟ رجح أبو العباس ‏الاصطفاف مع بقاء الفرجة لأن سد الفرجة مستحب والاصطفاف واجب»‏
‏«الفتاوى الكبرى، لابن تيمية (5/ 348)»‏
فإذا جاز بقاء الفرجة لأجل الاصطفاف، فمن باب أولى جوازها احترازاً ‏من نقل العدوى بين المصلين.‏

ومن النظائر كذلك جواز صلاة المنفرد خلف الصف في حال عدم وجود ‏من يصافه في الصلاة وهذا ما اختاره ورجّحه ابن تيمية بقوله: «فَلَوْ لَمْ يَجِدْ ‏مَنْ يُصَافُّهُ وَلَمْ يَجْذِبْ أَحَدًا يُصَلِّي مَعَهُ صَلَّى وَحْدَهُ خَلْفَ الصَّفِّ وَلَمْ يَدَعْ ‏الْجَمَاعَةَ كَمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا لَمْ تَجِدْ امْرَأَةً تُصَافُّهَا فَإِنَّهَا تَقِفُ وَحْدَهَا خَلْفَ ‏الصَّفِّ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. وَهُوَ إنَّمَا أُمِرَ بِالْمُصَافَّةِ مَعَ الْإِمْكَانِ لَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ ‏الْمُصَافَّةِ»  «مجموع الفتاوى(23/406)»‏

‏#خلاصة الحكم: ومما تقدم بيانه، نخلص إلى أنه لا مانع من أداء صلاة ‏الجماعة مع وجود تباعد المسافات بين المصلين والصفوف، احترازاً من ‏نقل العدوى في ظلّ نازلة وباء كورونا، وإن هذا الأداء لصلاة الجماعة في ‏المساجد مع وجود التباعد بين المصلين والصفوف، إنما هو لعذر وحاجة ‏ومصلحة عامّة، والصلاة تامّة صحيحة - بإذن الله تعالى- ، فإذا زال المانع ‏عادت الصلاة إلى صفتها المعهودة المعروفة، ورجع الحكم الشرعي إلى ‏أصله، ولا شك أن أداءها بهذه الصورة أفضل بكثير من إغلاق المساجد، ‏والامتناع عن الجمعة والجماعات.‏

هذا ما تيسر ايراده، نسأل الله تعالى أن ينفع بها، وأن يجعلها من العلم النافع ‏والعمل الصالح، وأن تكون خالصة لوجهه الكريم، والله أعلى وأعلم وأحكم.‏
والحمد لله رب العالمين

الدكتور/كامل صبحي صلاح
أستاذ الفقه وأصوله
‏20/شوال/1441هـ

خاص موقع هيئة علماء فلسطين في الخارج