الوزارة في الإسلام.. مفهومها وأهميتها

الثلاثاء 07 يوليو 2020 10:00 ص بتوقيت القدس المحتلة

الوزارة في الإسلام.. مفهومها وأهميتها

د. راغب السرجاني

التعريف اللغوي للوزارة

إن الوزارة لفظة عربية أصيلة، قد اشتقت من الفعل وزر وآزر، قال ابن منظور في لسان العرب: "الوَزِيرُ ‏حَبَأُ[1] المَلِكِ الَّذِي يَحْمِلُ ثِقْلَهُ وَيُعِينُهُ بِرَأْيِهِ، وَقَدِ اسْتَوْزَرَهُ وَحَالَتُهُ الْوَزَارَةُ وَالْوِزَارَةُ... وَوَازَرَهُ عَلَى الأَمرِ أَعَانَهُ ‏وَقَوَّاهُ وَالأَصْلُ آزَرَهُ"[2].‏

وقد اخْتُلِفَ في اشتقاق اسم الوزارة على ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه مأخوذ من الوِزْر وهو الثقل؛ لأنه يحمل عن ‏الملك أثقاله. والثاني: أنه مأخوذ من الوَزَر، وهو الملجأ، ومنه قوله تعالى: {كَلاَّ لاَ وَزَرَ} [القيامة: 11] أي: لا ‏ملجأ، فسُمِّيَ بذلك؛ لأن المَلِكُ يلجأ إلى رأيه ومعونته. والثالث: أنه مأخوذ من الأَزْر وهو الظهر؛ لأن الملك ‏يُقَوَّى بوزيره، كقوَّة البدن بالظهر[3]. وقد جاء في ذلك قوله تعالى حكاية عن نبيِّه مُوسى ‏u‏: {وَاجْعَلْ لِي ‏وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي*وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} [طه: 29-32]. فقد قرن الوزارة بِشَدِّ ‏أزره، وإشراكه في أمره، وظهر ذلك أيضًا في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ ‏وَزِيرًا *فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا} [الفرقان: 35، 36].‏

وقد كان الرسول ‏ يستعين في تصريف أمور الدولة وقضاء مصالح الناس بأصحابه، وكان أكثر ما يستعين ‏بأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وقد روى أبو سعيد الخدري  قال: قال رسول الله ‏ ‏: ‏‏"وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ فَجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ"[4]. وفي حديث ‏سقيفة بني ساعدة قال أبو بكر الصديق  للأنصار: "نحن الأمراء وأنتم الوزراء"[5]. ‏

وهذا الحديث الشريف -الذي تُدلل فيه كلمة الوزير على معنى المعونة، وحمل أثقال الحكم[6]- لهو أكبر دليل ‏يدحض ما حاول البعض نشره من أن الوزارة بمبناها ومعناها لم تُعرف إلا في العصر العباسي[7]. ‏

أهمية الوزارة في النظام الإسلامي

لقد تحدث كثير من فقهاء ومؤرخي الإسلام عن أهمية هذا المنصب، فيذكر الماوردي أن "كل ما وُكل إلى الإمام ‏من تدبير شئون الأمة لا يقدر على مباشرته جميعه وحده، إلا بالاستنابة والاستعانة، فكانت نيابة الوزير ‏المشارك له في التدبير أصح في تنفيذ الأمور من تفرده بها؛ ليستظهر بها على نفسه، ويكون في ذلك أبعد من ‏الزلل، وأمنع من الخلل، والاستعانة بالغير يضمن العمل"[8]. وذكر ابن خلدون تعريفه لهذا المنصب المهم ‏بقوله: "هي أم الخطط السلطانية، والرتب الملوكية؛ لأن اسمها يدل على مطلق الإعانة"[9]. ‏

وقد كان عمر بن الخطاب  (ت 23هـ) بمنزلة وزير أبي بكر ، يستشيره في كل أموره، ويُعينه في تصريف ‏حكمه، ومن أبرز الأمور التي أشار فيها عمر على أبي بكر  أن يجمع القرآن الكريم، خوفًا من ضياعه؛ إذ قُتل ‏معظم حفظته وقُرَّائه في موقعة اليمامة، وهذا الأمر يرويه زيد بن ثابت ، وهو الذي أنيط به جمع القرآن الكريم، ‏حيث قال: "أرسل إليَّ أبو بكر  -مقتل أهل اليمامة- فإذا عمر بن الخطاب  عنده، قال أبو بكر : إن عمر  أتاني ‏فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقُرَّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير ‏من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ؟ قال عمر : هذا ‏والله خير. فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر . قال زيد : قال ‏أبو بكر : إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنتَ تكتب الوحي لرسول الله ‏ فتتبع القرآن فاجمعه..."[10].‏

إذن لم تكن الوزارة كلمة مستحدثة في العصر العباسي، أو أدخلها الفرس إلى الثقافة العربية؛ فقد رأينا من سيرة ‏الرسول وأقواله، وحياة الخلفاء الراشدين ما يقف أمام تلك الآراء التي تنسب الوزارة إلى العصر العباسي.‏

الوزارة في العصر الأموي

ومهما يكن من أمر؛ فقد تطور منصب الوزارة في العصر الأموي؛ فاتساع الدولة، وكثرة أفرادها، ومستجداتها، ‏كان من شأنه أن يستعين الخليفة بمن يثق في صلاحيتهم لتسيير شئون الحكم، فنجد معاوية بن أبي سفيان ‏يستوزر عمرو بن العاص ، وإن لم يكن يطلق ذلك صراحة؛ فقد كان عَمرو  يقول لمعاوية : "يا أمير المؤمنين، ‏ألست أنصح الناس لك؟! قال: بذلك نلت ما نلت"[11]. ‏

وقد ذكر الطبري منصب الوزراء صراحة في عهد الخلافة الأموية في حادثة شكاية أهل مصر على أحد ‏أمرائهم، وكان ذلك في خلافة هشام بن عبد الملك (ت125هـ) الذين أتوا إليه، بيد أنهم لم يتمكَّنُوا من مقابلته، ‏‏"فلما طال عليهم، ونفدت نفقاتهم، كتبوا أسماءهم في رقاع، ورفعوها إلى الوزراء، وقالوا: هذه أسماؤنا وأنسابنا، ‏فإن سألكم أمير المؤمنين عنا فأخبروه..."[12]. ولا شكَّ أن هؤلاء الوزراء الذين ذُكروا في النصِّ السابق هم ‏المقربون من هشام بن عبد الملك، والنافذون في شئون دولته.‏

بل وجدنا في حوادث عام 85هـ عند الطبري، نصًّا يُفيد بأن مهام قَبِيصة بن ذُؤَيب، بمثابة مهام وزير في ‏عصرنا الحالي؛ فقد كان عبد الملك بن مروان يقول: "لا يُحجب عني قَبِيصة أي ساعة جاء من ليل أو نهار، إذا ‏كنتُ خاليًا أو عندي رجل واحد، وإن كنت عند النساء أُدْخِل المجلسَ، وأُعْلِمت بمكانه، فدخل، وكان الخاتم إليه، ‏وكانت السَّكة إليه، تأتيه الأخبار قبل عبد الملك، ويقرأ الكتاب قبله، ويأتي بالكتاب إلى عبد الملك ‏منشورًا..."[13].‏

وهذه النصوص السابقة التي ألمحتْ إلى وجود منصب الوزارة في العصر الأموي، تُدلل على أن طبيعة هذا ‏المنصب في ذلك العصر كانت تشاورية فقط، فلم يكن الوزير أو المستشار بالأحرى يمتلك سُلطة تنفيذية فعلية، ‏اللهُمَّ إلا ما وجدناه عند عبد الحميد الكاتب الذي كان وزيرًا لمروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية.‏

نقلاً عن موقع د. راغب السرجاني

انقر هنا

________________________________________

‏[1] حبأ الملك: جليسه وخاصَّته. ‏

‏[2] ابن منظور: لسان العرب، مادة وزر 5/282.‏

‏[3] الماوردي:الأحكام السلطانية ص 24.‏

‏[4] الترمذي: كتاب المناقب، باب في مناقب أبي بكر وعمر (3680) وقال: هذا حديث حسن غريب. ‏والحاكم(3046)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.‏

‏[5] الطبري:تاريخ الأمم والملوك 2/243.‏

‏[6] المناوي:فيض القدير 2/656.‏

‏[7] انظر: عبد العزيز الدوري: النظم الإسلامية ص184.‏

‏[8] الماوردي:الأحكام السلطانية ص32.‏

‏[9] ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر 1/236.‏

‏[10] البخاري:كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن (4701).‏

‏[11] الطبري:تاريخ الأمم والملوك 4/247.‏

‏[12] المصدر السابق 3/313.‏

‏[13] السابق نفسه 5/207.‏

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة