الدعوة والإصلاح والسياسة

الثلاثاء 07 يوليو 2020 02:08 م بتوقيت القدس المحتلة

الدعوة والإصلاح والسياسة

أنور الخضري

يعرف كل من له أدنى إدراك لمفهوم الدّين الربّاني بأنّ علاقة الدّين بحياة النّاس هي علاقة هيمنة ‏وسلطان، ومن ثمَّ فهي علاّقة تتعلق بالمقام الأوّل في المجتمعات بالسّياسة بمفهومها العام، وُجدت ‏الدّولة أم لم توجد. فالنّبيّ أو الرّسول هو المرشد والموجّه والمطاع الأول في قومه. وهي مسألة أكد ‏عليها كافة الأنبياء لأقوامهم: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} ‏‏[آل عمران:50-51].‏

وفي مقابل هذه الطاعة طالب الأنبياء قومهم بالخروج عن طاعة كل من خالف النهج الإلهي: ‏‏{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ} ‏‏[الشعراء:150-152].‏

فهما قضيّتان متلازمتان، لا يمكن الفصل بينهما. كما أنّهما من الوضوح في كلّ الرّسالات بمكان، ‏بحيث لا ينكرها إلاّ جاحد.‏

غير أنّ تقرير هذه المسألة نظريًّا يختلف عن تطبيقها في الواقع، نظرًا؛ لأنّ التّطبيق لأيّ نظريّة -‏مهما كان سموّها- تحكمه السّنن الإلهيّة الكونيّة والاجتماعيّة.‏

فرغم هذا الوضوح في كافّة الرّسالات لعلاقة الدّين بالسّياسة إلاّ أنّ القليل من الأنبياء هم الذين ‏استُجيب لدعوتهم، ودخل النّاس تحت طاعتهم، باتّباع شريعتهم وتنفيذ أمرهم ونهيهم. وهذا ما أشار ‏إليه حديث الرّسول صلّى الله عليه وسلم في شأن مجيء النّبيّ ومعه الرجل، والنّبيّ ومعه ‏الرّجلان، والنّبيّ ومعه الرّهط، والنّبيّ وليس معه أحد.‏

ذلك أنّ دعوة الأنبياء -عليهم الصّلاة والسّلام- كانت تُهدِّدُ بالمقام الأول عِليةَ القوم وأصحاب ‏النفوذ والسّلطة والثروة، المترفين في معاشهم، والمستضعفين للنّاس استعلاء، والكارهين للحقّ ‏استكبارًا؛ فيجيّشون كل إمكاناتهم وقدراتهم في مواجهة الحقّ تشويهًا وصدًّا، وتعويقًا وردًّا، وقتالًا ‏وحقدًا. وحين كانت علاقة عِلية القوم بالأنبياء وأتباعهم تصل إلى حدِّ السّعي في القضاء عليهم ‏كان الإذن الإلهيّ يأتي للأنبياء ومن معهم بالهجرة ومفارقة قومهم وترك مصيرهم للقوّة الإلهيّة ‏تتولاّه.‏

وجرت سنّة المجتمع الإنسانيّ بأنّ النّاس تبع لكبرائهم وساداتهم رغم كلّ ما يعانونه منهم. وهذه ‏حقيقة تاريخيّة تلخّصها ملاحظة الأوّلين في الحكمة القائلة: "النّاس على دين ملوكهم"، وتؤسّس ‏لصحّتها الآيات المحكمات من القرآن الكريم والأحاديث النبويّة الشريفة.‏

يقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ‏‏* يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا ‏سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} [الأحزاب:64-‏‏68]؛ وهي صورة واضحة وشهادة من لسان القوم حقّ.‏

بل يسجّل القرآن الكريم هذه المحاورة العجيبة بين الطّائفتين: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا ‏الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ ‏يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ‏أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ ‏اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا ‏الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سبأ:31-33]. ‏

وهؤلاء الذين استكبروا صفتهم كما جاء في الآيات التّالية: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ ‏مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سبأ:34-‏‏35].‏

إذن فهم المترفون الذين تمكّنهم أموالهم وأولادهم من تحقيق واجهة اجتماعيّة يصلون معها إلى ‏صنع القرار والتّوجيه. كما ربط القرآن الكريم بين هذين المعنيين بقوله: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً ‏أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء:16]. إنّهم الملأ على مرِّ ‏التّاريخ يقفون أمام رسالة الإصلاح ومشاريع التّغيير التي يتصدّر لها الأنبياء: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ ‏قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا ‏تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} [المؤمنون:33-34].‏

وحيث إن قريشًا كانت تتصدّر المكانة الدّينية والاقتصاديّة للعرب؛ فقد كانت هي المهيمنة عليهم، ‏قال صلّى الله عليه وسلم: «النّاس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع ‏لكافرهم»(1)، لذلك فقد كان رسول الله عليه الصّلاة والسّلام حريصًا على إسلامها، وإسلام زعمائها ‏وسادتها، فغُشي مجالسهم، ودخل عليهم نواديهم، وبلغ به ذلك حتى عاتبه الله تعالى في شأن ‏الراغبين في سماع الدّعوة من البسطاء كما في سورة (عبس).‏

وقال عليه الصّلاة والسّلام وهو يرجو إسلام أحد سادات قريش: «اللهمّ أعزّ الإسلام بأحبّ الرّجلين ‏إليك أبي جهل بن هشام أو عمر بن الخطاب»(2)، فلمَّا أسلم عمر كان إسلامه فتحًا.‏

بل إنّ معرفة النّبيّ صلّى الله عليه وسلم بهذه السّنة الاجتماعيّة، وأنّ النّاس تبع لكبرائهم ‏وساداتهم، جعلته يتلطّف بهؤلاء الزّعماء والكبراء طمعًا في تحييدهم عن مواجهة الدّعوة. فعن أبي ‏ذر رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال له: «كيف ترى جعيلاً؟ قال قلت: كَشكْله ‏من النّاس، يعني المهاجرين. قال: فكيف ترى فلانًا؟ قال قلت: سيّد من سادات النّاس. قال: ‏فجعيل خيرٌ من ملء الأرض من فلان. قال قلت: ففلان هكذا وأنت تصنع به ما تصنع، قال: إنه ‏رأس قومه، فأنا أتألّفهم به»(3).‏

وقد صبر رسول الله عليه الصّلاة والسّلام على شأن عبد الله بن أبي بن سلول وأتباعه، ممن كانوا ‏على الشّرك، قبل أن يسلم، وهو يؤذيه نظرًا لعدم تمكُّن الإسلام في عموم المدينة، وقلّة أتباعه ‏قياسًا إلى يهود ومشركي المدينة. فقد جاء عن أسامة بن زيد في صحيح البخاري أنّ رسول الله ‏صلّى الله عليه وسلم ركب على حمار عليه قطيفة فدكيّة، وأسامة وراءه، يعود سعد بن عبادة في ‏بني حارث بن الخزرج، قبل وقعة بدر. فسارا حتى مرّا بمجلس فيه عبد الله بن أبي ابن سلول، ‏وذلك قبل أن يسلم، فإذا المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي ‏المسلمين عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدّابة، خمر ابن أبي أنفه بردائه وقال: ‏لا تغبّروا علينا، فسلم رسول الله صلّى الله عليه وسلم عليهم ثم وقف، فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ ‏عليهم القرآن، فقال له ابن سلول: أيّها المرء، لا أحسن مما تقول إن كان حقًّا، فلا تؤذنا به في ‏مجالسنا، فمن جاءك فاقصصْ عليه. فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله فاغْشَنا في ‏مجالسنا فإنا نحبّ ذلك. فاستبّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل رسول ‏الله صلّى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب رسول الله صلّى الله عليه وسلم دابّته، ‏فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال رسول الله: «أي سعد.. ألم تسمع ما قال أبو حباب -‏يريد عبدالله بن أبي- قال كذا وكذا. فقال سعد بن عبادة: أي رسول الله بأبي أنت اعفُ عنه ‏واصفحْ، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحقّ الذي أنزل عليك ولقد اصطلح أهل هذه ‏البحرة على أن يتوّجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما ردّ الله ذلك بالحقّ الذي أعطاك شرق بذلك، فذلك ‏فعل به ما رأيت. فعفا عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلم»(4).‏

وقد ظلّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم يتحمّل أذى ابن أُبي حتى بعد ظهور الإسلام في المدينة ‏واتساع قاعدته الاجتماعيّة، كي لا تقع فتنة في المدينة، حيث وأن ابن أُبي وأصحابه من أهلها ‏بالأساس. بل كان عليه الصّلاة والسّلام ينهى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن تبني موقف ‏يهدّد الاستقرار بالمدينة. وقد جاء في بعض تعليله لهذا الموقف في السيرة قوله لعمر: «أما والله ‏لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له أنوف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته»(5)، وفي بعض الرّوايات: ‏‏«والله لو قتلته يومئذ لأرغمت أنوف رجال.. فيتحدث النّاس أني قد وقعت على أصحابي فأقتلهم ‏صبرًا»(6).‏

وهذه السّنة الاجتماعيّة عرفها أصحاب محمد عليه الصّلاة والسّلام وهم يبشّرون بدعوته، كونها ‏ملحوظة لا تخطئها عين المعتبر ونظر المتأمّل. ففي قصّة بعث مصعب بن عمير رضي الله عنه ‏إلى المدينة، أنّ أسعد بن زرارة لمَّا رأى سعد بن معاذ مقبلاً عليهما قال لمصعب: "جاءك والله مَنْ ‏وَرَاءُه قومُه، إن يتبعك لم يتخلّف عنك منهم أحد"، وبالفعل فإنّه ما إن أسلم حتى مضى لقومه فقال ‏لهم: "يا بني عبد الأشهل.. كيف تعلمون أمري فيكم؟"، فقالوا: سيّدنا وأفضلنا رأيًا وأيمنُنا نقيبة، ‏قال: "فإنّ كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله"، فما أمسى فيهم رجل ولا امرأة ‏إلاّ مسلمًا ومسلمة.‏

لذلك فإنّ المصلح لا يستهين بهذه الحقيقة في تعامله مع السّاسة ولا في سعيه للتغيير. فإنّ الدّعوة ‏الحقّة التي تحمل الدّين بكل شموليّته، والتي لا تتوقّف عند الإخبار بالمغيّبات، والوعظ بقصص ‏الماضين، وتربية الأفراد على الأخلاق الحسنة، وإبلاغ النّاس بالشّعائر التّعبديّة التي تقرّبهم إلى ‏الله، بل تتّسع لإخراج النّاس من سطوة الظّلم وخرافة الجهل والاستعباد للخلق إلى سلطان العدل ‏ونور العلم وحريّة الإسلام، لابدّ لها أن تمتلك المشروع القادر على التّغيير وفق سنن الله تعالى ‏دون أن تقفز عليها تنكّرًا لحقيقتها، أو أن تصطدم معها استنادًا للأمر الشّرعيّ وإغفالًا للسّنن ‏القدريّة.‏

الدّين والسّياسة والأمن:‏

إنّ الدّاعين إلى الله لا يمكنهم تعبيد النّاس حقّ العبادة في ظلّ هيمنة الخوف والطّغيان عليهم، ‏فإنّ من شأن هذا الوضع أن يُزهِّد النّاس في الاستجابة للدّين وهم يرون تبعاته أمامهم صورًا من ‏العذاب وألوانًا من التّنكيل، مهما كان مقام المصلح وبلاغة حجّته وبيان معجزته وما يعدهم به من ‏النّعيم الغيبيّ. فإنّه لم يؤمن لموسى عليه الصّلاة والسّلام من قومه في مصر إلا القلة القليلة. ‏‏{فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ‏الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ * وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ‏‏* فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} ‏‏[يونس:83-86].‏

وهذه سنّة جارية أخرى لا يتخلّف عنها أحد. حتى سيرة الدّعوة الإسلاميّة بمكة زمن البعثة تؤكّدها، ‏فمن آمن بمكة أقلّ ممن آمن بعد الهجرة؛ ومن آمن قبل صلح الحديبيّة أقلّ ممّن آمن بعدها، لذلك ‏وصفه الله بالفتح المبين؛ ومن آمن قبل فتح مكة أقلّ ممّن آمن بعدها. فكلّما تحطّمت أغلال ‏الخوف وتكسّر جبروت الطّغيان اختار النّاس هذا الدّين طواعية أمّا قبل ذلك فنادرًا من يضحي ‏من أجل دينه.‏

وإذا كان الأمن ضروريًّا للتديّن فإنّه لا عذر لأولئك الذين يستطيعون الوصول إليه ثم يتخلّفون ‏عنه، تعايشًا مع الخوف والطّغيان ودون أيّ مقاومة، فهم يعينون الظالمين على ظلمهم أنفسهم.. ‏كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ‏الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا ‏الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ ‏أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء:97-99].‏

إنّ الأمن مهم لإقامة الدّين والعيش في الحياة، وهما أمران لا ينفصلان، فلا حياة بلا دين ولا دين ‏بلا حياة؛ لأنّ الإنسان مدنيّ بطبعه، لا تقوم له مصلحة إلاّ بالاجتماع، فإذا لم يحقّق له الاجتماع ‏غاية العيش وغاية الدّين كان الخروج عنه أولى.‏

وقد هاجر الخليل إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام إلى فلسطين مخلّفًا قومه ووطنه بالعراق، متلمّسًا ‏بلدًا آمنًا يقيم فيها، حتى قدم مصر وهي يومئذ على الكفر مجتمعًا وسلطة، لكن ذلك لم يثن ‏إبراهيم عن قصده إليها. وقد كان له ولزوجته شأن مع ملكها الجبّار ما اضطّره إلى مغادرتها ‏مجدّدًا(7).‏

ودعا يوسف عليه الصّلاة والسّلام أهله إلى مصر لما رأى فيها من الأمن، رغم أنَّ قومها وملكها ‏على الشّرك. وحفزهم لسكنها: {وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف:99].‏

وأثنى أصحاب محمد عليه الصّلاة والسّلام على جوار النجاشي بأنه كان جوارًا آمنًا، بل أثنى ‏عليه الرّسول قبل ذلك، واعترف له بالعدل. حتى وصفت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها ‏جوارهم للنجاشي في الحبشة لمّا نزلوا بأرضه: جاورنا فيها "خير جار"، و"أمنًا على ديننا"، و"عبدنا ‏الله بدون إيذاء أو سماع شيء نكرهه"!‏

إن أول ما تحتاجه الدّعوة لتصل إلى النّاس واضحة دون أيّ لبس أو غموض هو الأمن. وأنى ‏لخائف أو مرعوب أو مكره أن يفقه أو أن يتلمّس الإيمان وهو في حالته تلك. يقول تعالى: {وَإِنْ ‏أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ} ‏‏[التوبة:6].‏

والأمن لا يتأتّى بدون سياسة عادلة وراشدة وصالحة، مسلمة كانت أم غير مسلمة. لذلك فإنّ الله ‏تعالى يطلب من أنبيائه ورسله ومن آمن لهم بالخروج عن أوطانهم ومفارقة قومهم عندما يهدّدون ‏في وجودهم، ويصبح الخوف هو المسيطر على علاقتهم بمجتمعهم، فلا يستطيعون القيام بمصالح ‏دنياهم ولا بفرائض دينهم. وهذا أمر معلوم باستقراء نصوص القرآن في هذا الباب. أمَّا قبل ذلك ‏وهم آمنون مطمئنون يبلغهم من أذى اللّسان واليد ما يمكنهم الصّبر عليه وتحمّله، ومن الخوف ‏والقتل ما لا يأتي على وجودهم بالقضاء، فلا.‏

لذلك لما ترك يونس عليه الصّلاة والسّلام قومه وفارقهم لمجرد كفرهم عاتبه الله على ذلك، وعاقبه ‏عقابًا يحققّ العظة؛ فإنه لما لم يصبر على طبائع النّاس وهو المعلّم والمرشد والمربّي قيل له إنّ ‏مَثَلك مَثَلُ من يريد أن يقيم في مكان ليس فيه أحد يعصي الله.. فوضع في بطن الحوت: {وَذَا ‏النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي ‏كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:87]؛ وأيّ ظلم قام به هذا النّبيّ الكريم وقد قام بالدّعوة وبلّغ الرّسالة ‏وتأوّل مفارقته قومه إنكارًا عليهم وهجرة لباطلهم سوى أنه طلب الكمال في من حاله النقص ‏والتّقصير، فعلم أنّه بذلك كان ظالمًا متجاوزًا لسنن الله؛ لذلك أعاده الله تعالى إلى قومه بعد أن ‏أخرجه من اليمّ وقد أظهروا من الصّلاح ما لم يكن يتوقّعه(8).‏

المصلحون والأمن:‏

إذن على المصلحين اليوم أن يساهموا في استقرار الأمن والسّكينة العامّة، وألاّ يشاركوا في هدم ‏أسسه وقواعده بأيّ حال من الأحوال، فضلًا أن يعطوا مبرّرًا لذلك. خاصّة، وأن أوضاع ‏المجتمعات الإسلاميّة باتت هشّة، تتناوشها الخلافات والنّزاعات والصّراعات تحت مظلاّت مختلفة: ‏دينيّة، وطائفيّة ومذهبيّة، وسياسيّة وعرقيّة وقوميّة، ومناطقيّة وفئويّة ومصالحيّة؛ وكلّ ذلك يمثل ‏مادّة مناسبة للانفجار في حال سعى البعض في إشعال فتيل الفتنة أيًّا كان.‏

وإذا كان مقصد الشّريعة الإسلاميّة هي حفظ الكلّيّات الخمس، فإنّ أعظم مناخات حفظ هذه ‏الكلّيّات على الإطلاق هو الأمن والسّكينة في المجتمعات. لذلك فإنّ تحقيق الأمن مقدّمة ضروريّة ‏لحفظ الكلّيّات ورعايتها شيئًا فشيئًا وفق سنن الله تعالى في النشوء والنموّ والتّطوّر. وقد تأمّلت في ‏قول يوسف عليه الصّلاة والسّلام: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف:99]، فوجدته باستقراء ‏معاني السورة ودلالاتها يشهد لبيئة مصر ومجتمعها ونظامها الحاكم بالأمن الذي يستقطب يعقوب ‏وأبناءه من (البدو)، فإنّ أعظم ما يتطلّع له الأنبياء هو أمن العقيدة والنّفس والعرض والعقل ‏والمال، لا أمن التّرف والدّعة. ولذلك استمرّ بنو إسرائيل مقيمين في مصر، متعايشون مع أهلها ‏ومندمجون في مجتمعها يحملون دعوتهم ويزرعون بذورها حتى جاء عهد الفراعنة فحوربوا وحوربت ‏دعوتهم، فلمّا لم يتحقّق لهم أمن عيش ولا دين أذن الله لموسى عليه الصّلاة والسّلام بأن يخرجهم ‏من الأرض التي دخلوها آمنين قبل قرون من الزّمن!‏

والأمن يحتاج من الدّعاة المصلحين إلى رؤية إستراتيجيّة تصل من خلاله إلى الأمن الأكمل. ‏لذلك فإن سنّة الله تعالى لأنبيائه ورسله جميعًا أن يمسكوا هم وأتباعهم أيديهم عن قتال قومهم، أو ‏استفزازهم بصورة تؤلّب عليهم، سواء بسب آلهتهم أو التعرّض لها، أو بزعزعة مصالح ذلك ‏المجتمع في حالته الجاهليّة دون امتلاك البديل الآمن والرّؤية المصلحيّة.‏

بل إن الله تعالى فضَّل لهم الهجرة بحثًا عن الأمان واختيارًا للبيئة الأنسب. فإذا لم يمكن هذا ولا ‏ذاك فالصبر وتحمل الأذى والتّغيير شيئًا فشيئًا ومن خلال كسب مواقع متقدمة، وأشخاص قادرين ‏على الدفاع عن المؤمنين آمنوا أم لم يؤمنوا، وجولات تعطي الحق والعدل والخير مزيد هيمنة ‏وظهور.‏

وما مفارقة الرّسول الكريم عليه الصّلاة والسّلام هو وأصحابه لمكة وهم القادرون على حسم ‏المعركة كما كان عمر بن الخطاب يردّد: "والله لو كنا ثلاثمائة لتركناها لكم أو لتركتموها لنا"، إلاّ ‏دليلًا على حرص هذا الدّين على الأمن والسكينة. فقد قضى الله تعالى بحكمته أن لا ينقض ‏الأنصار على قريش في أشهر الحج، فتُستباح الحرمة ويكون الغدر قانونًا والعنف حيلة. بل آثر ‏عليه الصّلاة والسّلام الهجرة، وهو يقول: «والله إنك لأحب البقاع إلى الله، أو إليّ، ولولا أن أهلك ‏أخرجوني منك ما خرجت». وهو الذي تأنّى في شأنهم حتى يخرج الله من أصلابهم من يقول: لا ‏إله إلا الله! وكم كان ذلك سيأخذ من السنين لكي يتحقق. فليست القضية سباقًا مع الزّمن، بل مع ‏الإنسان بكل ما يعتريه من ظلم وجهل ونقص وشك ومطامع ونزوات.‏

ومن أمثلة كسب المواقع المتقدمة طلب يوسف -عليه الصّلاة والسّلام- من ملك مصر أن يعينه ‏وزيرًا على أموال مصر، رغم علمه بكفر السلطة التي يتقلد لها هذه المهمة، وكفر المجتمع الذي ‏يقوم له بهذه الخدمة. فهو إنما أراد بذلك تمكين الحق شيئًا فشيئًا في أهل مصر، اتباعًا لسنة ‏التدرّج التي تحكم الكون كله. يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فالواجب إنما هو الأرضى من ‏الموجود، والغالب أنه لا يوجد كامل، فيفعل خير الخيرين ويدفع شر الشرين، ولهذا كان عمر بن ‏الخطاب يقول: أَشكُو إلَيك جَلَدَ الفَاجِرِ وَعَجزَ الثِّقَةِ. وقد كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلم وأصحابه ‏يفرحون بانتصار الروم والنصارى على المجوس وكلاهما كافر؛ لأنّ أحد الصنفين أقرب إلى ‏الإسلام؛ وأنزل الله في ذلك سورة الروم لمَّا اقتَتَلَت الرُّومُ وفارس؛ والقصة مشهورة. وكذلك يوسف ‏كان نائبًا لفرعونَ مصر وهو وقومه مشركون وفعل من العدل والخير ما قدر عليه، ودعاهم إلى ‏الإِيمان بحسب الإِمكان"(9). ومن أمثلة كسب الأشخاص ما أشرنا إليه من التلطّف بسادة النّاس ‏وزعمائهم تألّفًا لمن خلفهم وتحييدًا لعداوتهم من ميدان الصراع.‏

أما كسب الجولات فلا أدل عليها من فعل موسى عليه الصّلاة والسّلام مع سحرة فرعون بتحدّيه ‏إيّاهم وقبوله بمنازلتهم رغم ما يقتضيه ذلك من ممارستهم للسّحر!، فلو أنّه راعى المفسدة الصّغرى ‏‏-وهي هنا ارتكاب السّحر- على المفسدة الكبرى (تشويه الرّسالة وإبطال دعوة التّوحيد) لما أجاب ‏دعوتهم، ولكنّه علم بأنّ دفع الثّانية لا يتمّ إلاّ بارتكاب الأولى في معركة متكافئة يعطى فيها لكلّ ‏طرف نفس الفرصة لإظهار ما لديه من آية أو قدرة!‏

إنّ الحديث عن إصلاح المجتمع يعني بالضرورة الوصول إلى موقع الصدارة في سياسة المجتمع، ‏وهذا لا يكون إلاّ بإصلاح النخبة السياسيّة عبر وصول الدّعوة إليها وقبولهم بها إيمانًا وتسليمًا، أو ‏بمزاحمة هذه النّخب لإحلال الصّالحين شيئًا فشيئًا في مواقع التّوجيه وصنع القرار. وكلّما فسد ‏الزّمان وانطمست معالم الدّين وشوّهت صورة الدّعوة الحق كان إصلاح النخب السياسيّة شاقًّا، ‏وكان مزاحمتها ضاريًا، وتكلف ذلك من العلم والحكمة والفقه والخلق أعظم من أي وقت آخر.‏

كما أن السّياسة اليوم باتت محرك الحياة العامّة لأي مجتمع، فهي مصدر القوانين، والمناهج ‏التربويّة، والرسالة الإعلاميّة، التي يتحاكم النّاس إليها، ويتربون عليها، ويتلقفونها؛ وهي صائغة ‏الواعي والثقافة، ومالكة الموارد والثروات، والمسئولة عن إدارة البنى الخدميّة والأجهزة الضروريّة ‏لعيش النّاس وتنقلهم وتواصلهم. ولم تعد مرتهنة بإرادة فرد أو عائلة أو حزب، كوْن أنّ هؤلاء مهما ‏بلغ بهم الأمر سيكونون بقدراتهم الذاتية عاجزين عن مواكبة تطور ونمو المجتمعات المذهل، وثورة ‏المعرفة والمعلومات التي تجتاح العالم. وهذا ما أثبتته الثورات العربية التي أسقطت في عام واحد ‏ما لم تسقطه أكبر قوة عسكريّة منذ عام 2011م. وهي اليوم بيئة موبوءة، وشبكة من مافيات ‏الفساد، وتراكم من الأخطاء والفشل والأجهزة المترهلة.‏

فإصلاحها رغم كوْنه ضرورة ملحّة، وواجب شرعي، وغاية دعوية، إلاّ أنه يحمل العديد من ‏التحديات والعقبات والشراك (الفخاخ)، وما لم يتغافر الإسلاميون لبعضهم البعض اجتهادهم في ‏العمل السياسي، ويتجاوزون مرحلة النقد والتقييم إلى مرحلة النصح والمشاركة والتصحيح ‏والإصلاح تعاونًا على البر والتقوى، وإلاّ فإنهم بمحاولتهم تطبيق النظرية على أرض الواقع بتجاوز ‏للسنن الكونية والاجتماعيّة والضرورات والشروط المحيطة بعملية الإصلاح السياسي من استيعاب ‏لقدرات الأمة وانفتاح على كل القوى الخيرة وتفعيل للاجتهاد الفقهي المستند إلى تأصيل علمي ‏ومنهج شرعي، سيكونون سببا في إشعال معارك جديدة في داخل الصف الإسلامي بل والمجتمع ‏الذين يريدون الوصول به إلى بر الأمان.‏

لذلك فإن اختلاف وجهات نظرهم -مع سلامة المقاصد والغايات- في تقديم وتأخير الأولويات، ‏واعتبار المقدمات والنتائج، وتقدير الظروف والمآلات، كمن يقول بضرورة توفير المناخ المناسب ‏للدعوة والعملية الإصلاحيّة سياسيًّا قبل المطالبة بتطبيق الشّريعة، ومن يدعو إلى التدرّج في ‏التطبيق مع التزام التطبيق الكلي إذا ما توفرت الشروط وانتفت الموانع، ومن يرى إنشاء أحزاب ‏سياسيّة منفصلة عن مهام الدّعوة تقوم بالنفع العام.. وهكذا، أمر يجب احتماله بين العاملين، ‏وتوسيع دائرة الاعتذار للآخر، طالما أنه يتأوّل للحق وإن بتلبّسه بشيء من الباطل.‏

وما أعظم قول ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وهكذا السّنة في مقارنة(10) الظالمين والزناة وأهل البدع ‏والفجور وسائر المعاصي، لا ينبغي لأحد أن يقارنهم ولا يخالطهم إلاّ على وجه يسلم به من عذاب ‏الله عز وجل، وأقل ذلك أن يكون منكرًا لظلمهم، ماقتًا لهم، شانئًا ما هُم فيه بحسب الإمكان، كما ‏في الحديث: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، ‏وذلك أضعف الإيمان».‏

وقال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ} [التحريم:11] الآية، وكذلك ما ذكره عن ‏يوسف الصديق وعمله على خزائن الأرض لصاحب مصر لقوم كفار، وذلك أن مقارنة الفجار إنما ‏يفعلها المؤمن في موضعين، أحدهما أن يكون مكرهًا عليها، والثاني أن يكون في ذلك مصلحة ‏دينيّة راجحة على مفسدة المقارنة أو أن يكون في تركها مفسدة راجحة في دينه، فيدفع أعظم ‏المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصل المصلحة الراجحة باحتمال المفسدة المرجوحة، وفى الحقيقة ‏فالمكره هو من يدفع الفساد الحاصل باحتمال أدناهما، وهو الأمر الذي أكره عليه. قال تعالى: {إِلَّا ‏مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل:106]، وقال تعالى: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} ‏‏[النور:33]، ثم قال: {وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:33]، وهذا فصل ‏الخطاب في هذا الباب، فالمجتهد المستدلّ من إمام وحاكم وعلام وناظر ومفتٍ وغير ذلك إذا ‏اجتهد واستدل فاتقى الله ما استطاع كان هذا هو الذي كلفه الله إياه وهو مطيع لله مستحق للثواب ‏إذا اتقاه ما استطاع، ولا يعاقبه الله البتّة، خلافًا للجهمية المجبرة، وهو مصيب بمعنى أنه مطيع ‏لله، لكن قد يعلم الحق في نفس الأمر وقد لا يعلمه، خلافا للقدريّة والمعتزلة في قولهم كل من ‏استفرغ وسعه علم الحق، فإن هذا باطل كما تقدم، بل كل من استفرغ وسعه استحق الثواب، وكذلك ‏الكفار من بلغه دعوة النّبيّ في دار الكفر وعلم أنه رسول الله فآمن به وآمن بما أنزل عليه واتّقى ‏الله ما استطاع كما فعل النّجاشي وغيره ولم تمكنه الهجرة إلى دار الإسلام ولا التزام جميع شرائع ‏الإسلام لكونه ممنوعًا من الهجرة وممنوعًا من إظهار دينه وليس عنده من يعلمه جميع شرائع ‏الإسلام فهذا مؤمن من أهل الجنة، كما كان مؤمن آل فرعون مع قوم فرعون، وكما كانت امرأة ‏فرعون، بل وكما كان يوسف الصديق عليه السّلام مع أهل مصر فإنهم كانوا كفارًا ولم يمكنه أن ‏يفعل معهم كل ما يعرفه من دين الإسلام، فإنه دعاهم إلى التوحيد والإيمان فلم يجيبوه، قال تعالى ‏عن مؤمن آل فرعون: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى ‏إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا} [غافر:34]، وكذلك النّجاشي، فهو وإن كان ملك ‏النصارى لم يطعه قومه في الدّخول في الإسلام، بل إنما دخل معه نفر منهم، ولهذا لمّا مات لم ‏يكن هناك أحد يصلّي عليه فصلّى عليه النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام بالمدينة وخرج بالمسلمين إلى ‏المصلّى فصفهم صفوفًا وصلّى عليه وأخبرهم بموته يوم مات وقال: «إن أخًا لكم صالحًا من أهل ‏الحبشة مات»، وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر ‏ولم يجاهد ولا حج البيت، بل قد روي أنه لم يصل الصلوات الخمس ولا صام شهر رمضان ولم ‏يؤدّ الزكاة الشرعيّة؛ لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه وهو لا يمكنه مخالفتهم، ونحن ‏نعلم قطعًا أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن، والله قد فرض على نبيّه بالمدينة أنه إذا ‏جاءه أهل الكتاب أن لا يحكم بينهم إلاّ بما أنزل الله إليه، وحذّره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله ‏إليه، وهذا مثل الحكم في الزنا للمحصن بحد الرجم وفى الديات بالعدل والتسوية في الدماء بين ‏الشريف والوضيع: «النّفس بالنّفس والعين بالعين» وغير ذلك، والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم ‏بحكم القرآن فإن قومه لا يقرونه على ذلك، وكثيرا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيًا بل ‏وإمامًا وفى نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ذلك بل هناك من يمنعه من ذلك، ‏ولا يكلف الله نفسا إلاّ وسعها؛ وعمر بن عبد العزيز عودي وأوذي على بعض ما أقامه من العدل، ‏وقيل إنه سمّ على ذلك. فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة، وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع ‏الإسلام ما لا يقدرون على التزامه، بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها، ولهذا جعل ‏الله هؤلاء من أهل الكتاب، قال الله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا ‏أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ ‏الْحِسَابِ} [آل عمران:199]، وهذه الآية قد قال طائفة من السلف إنها نزلت في النجاشي، ويروى ‏هذا عن جابر وابن عباس وأنس، ومنهم من قال فيه وفي أصحابه كما قال الحسن وقتادة، وهذا ‏مراد الصحابة، ولكن هو المطاع فإن لفظ الآية لفظ الجمع لم يرد بها واحد، وعن عطاء قال: نزلت ‏في أربعين من أهل نجران وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم وكانوا على دين عيسى فآمنوا ‏بمحمد، ولم يذكر هؤلاء من آمن بالنّبيّ صلّى الله عليه وسلم بالمدينة مثل عبد الله بن سلام وغيره ‏ممن كان يهوديًّا وسلمان الفارسي وغيره ممن كان نصرانيًّا، لأنّ هؤلاء صاروا من المؤمنين، فلا ‏يُقال فيهم: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ} [آل عمران:199]، ‏ولا يقول أحد إن اليهود والنصارى بعد أسلامهم وهجرتهم ودخولهم في جملة المسلمين المهاجرين ‏المجاهدين يُقال إنهم من أهل الكتاب أي من جملتهم، وقد آمنوا بالرّسول كما قال تعالى في ‏المقتول خطأ: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [النساء:92]، إلى قوله: {عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ‏فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء:92]، فهو من العدو ولكن هو كان قد آمن وما أمكنه الهجرة وإظهار ‏الإيمان والتزام شرائعه فسمّاه مؤمنًا؛ لأنه فعل من الإيمان ما يقدر عليه، وهذا كما أنه قد كان ‏بمكة جماعة من المؤمنين يستخفون بإيمانهم وهم عاجزون عن الهجرة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ‏تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ‏اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ ‏وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ ‏عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء:97-99]، فعذر سبحانه المستضعف العاجز عن الهجرة، وقال تعالى: {وَمَا لَكُمْ ‏لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ ‏هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء:75]، فأولئك ‏كانوا عاجزين عن إقامة دينهم؛ فقد سقط عنهم ما عجزوا عنه، فإذا كان هذا فيمن كان مشركًا ‏وآمن فما الظن بمن كان من أهل الكتاب وآمن"(11).‏

ومن المعلوم أن قول ابن تيمية -رحمه الله- فيه معنى ملتبس، فهو تارة ينسب الأمر إلى العجز، ‏وتارة إلى النظرة المصلحيّة، ومعلوم أن العجز هو اعتبار للحال والقدرة، بينما المصلحة اعتبار ‏لأمور خارجة عن ذلك. ومقصوده في ظني أن القدرة المعتبرة في شأن الدّعوة والإصلاح هي ‏القدرة المصحوبة بالمصلحة، فإن القدرة التي تؤول بصاحبها إلى ارتكاب مفسدة ساقطة وغير ‏معتبرة شرعًا. وقد نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن أمور من المعروف ونهي عن المنكر ‏رغم قدرتهم لما رأى من المفسدة المترتّبة على ذلك.‏

فحقيقة ما قام به يوسف عليه الصّلاة والسّلام، ومؤمن آل فرعون، والنجاشي، يتماشى مع سنن ‏الإصلاح والتّغيير في التدرّج بالدّعوة إلى الحق وتطبيقه وإلزام المخالف به، استنادًا للمعاني التي ‏ذكرها، من: القدرة التي يقابلها العجز، ومن المصلحة التي يقابلها المفسدة، وحداثة العهد التي ‏يقابلها طول المكث، كما اعتبر ذلك الرّسول صلّى الله عليه وسلم في شأن بناء الكعبة على قواعد ‏إبراهيم. فإن هؤلاء جميعًا، وهذا الظن الحسن بهم لما ثبت من تزكيتهم، إنما فعلوا ذلك بحسب ما ‏تهيّأ لهم من القدرة والتمكن التي تتحقق معها المصلحة العامة، وتركوا ما تركوا لعدم المصلحة من ‏ورائه. فلو قيل أنهم كانوا قادرين على مفارقة قومهم والخروج من حالة التلبُّس بالباطل والظّلم ‏والقيام بما أمروا به ديانة في أنفسهم لقلنا هذا صحيح، ولكانوا بذلك صالحين وليسوا مصلحين، ‏ولعدنا مجددًا للسؤال ما علاقة الدّيني بالسياسي في الحياة؟!‏

إن أولئك الذين يرفعون شعار هذا الورع صادقين ومخلصين، إنما يوقعون الدّين والأمة فريسة ‏للسياسة: و"لهذا كان المقصرون عن علم الحجج والدلالات وعلم السّياسة والإمارات مقهورين مع ‏هذين الصنفين، تارة بالاحتياج إليهم إذا هجم عدو يفسد الدّين بالجدل أو الدنيا بالظّلم، وتارة ‏بالاحتياج إليهم إذا هجم على أنفسهم من أنفسهم ذلك، وتارة بالاحتياج إليهم لتخليص بعضهم من ‏شر بعض في الدّين والدنيا، وتارة يعيشون في ظنهم في مكان ليس فيه مبتدع يستطيل عليهم ولا ‏والٍ يظلمهم، وما ذاك إلا لوجود علماء الحجج الدامغة لأهل البدع والسّياسة الدافعة للظلم، ولهذا ‏قيل صنفان إذا صلحوا صلح النّاس: العلماء والأمراء، وكما أن المنفعة فيهما فالمضرة منهما، فإن ‏البدع والظّلم لا تكون إلاّ فيهما: أهل الرّياسة العلميّة وأهل الرياسة القدريّة، ولهذا قال طائفة من ‏السلف كالثوري وابن عيينة وغيرهما ما معناه أن من نجا من فتنة البدع وفتنة السلطان فقد نجا ‏من الشرِّ كله"(12).‏

تشاور المصلحين:‏

إن المصلحين اليوم توزعوا على مذاهب ومدارس وجماعات وأحزاب، وإنهم جميعًا مخاطبون ‏بإصلاح حال أمتهم، وليس أحد منهم أولى بالخطاب من أحد. وشأن أمتهم يسعهم جميعًا، ‏ويشملهم، ولا يخصّ طائفة دون أخرى. لذلك كان أفضل ما أمر به أتباع هذا الدّين للقيام بشؤون ‏سياستهم ورعاية مصالحهم التي لا قيام لهم إلاّ بها الشورى.‏

يقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله، في كتابه (القواعد الحسان في تفسير ‏القرآن): "القاعدة التاسعة والثلاثون.. في طريقة القرآن في أحوال السّياسة الداخليّة والخارجيّة، ‏طريقة القرآن في هذا أعلى طريقة، وأقرب إلى حصول جميع المصالح الكلية، وإلى دفع المفاسد، ‏ولو لم يكن في القرآن من هذا النوع إلاّ قوله تعالى في سورة آل عمران: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل ‏عمران:159]، وإخباره عن المؤمنين في سورة الشورى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى:38]، فالأمر ‏مفرد ومضاف إلى المؤمنين، وفي الآية الأولى: قد دخلت عليه (ال) المفيدة للعموم والاستغراق، ‏يعني أن جميع أمور المؤمنين وشؤونهم واستجلاب مصالحهم واستدفاع مضارهم معلقٌ بالشورى ‏والتعاون على الاهتداء إلى الأمر الذي يجرون عليه في حل مشكلاتهم، وتدعيم سلطانهم ‏وتجنيبهم الخلاف المفضي إلى تفكّك قواهم وانحلال عراهم. وقد اتفق العقلاء أن الطريق الوحيد ‏للصلاح الدّيني والدنيوي هو طريق الشورى. فالمسلمون قد أرشدهم الله أن يهتدوا إلى مصالحهم ‏وكيفية الوصول إليها بإعمال أفكارهم مجتمعة، فإذا تعينت المصلحة في طريق سلكوه، وإذا تعينت ‏المضرة في طريق تركوه، وإذا كان في ذلك مصلحة ومضرة نظروا: أيها أقوى وأولى وأحسن ‏عاقبة، وإذا رأوا أمرًا من الأمور هو المصلحة ولكن ليست أسبابه عتيدة عندهم ولا لهم قدرة عليها ‏نظروا بأي شيء تدرك الأسباب وبأي حالة تنال على وجه لا يضر؛ وإذا رأوا مصالحهم تتوقف ‏على الاستعداد بالفنون الحديثة والاختراعات الباهرة سعوا لذلك بحسب اقتدارهم، ولم يملكهم اليأس ‏والاتكال على غيرهم الملقي إلى التهلكة، وإذا عرفوا -وقد عرفوا- أن السعي لاتفاق الكلمة وتوحيد ‏الأمة هو الطريق الأقوم للقوة المعنويّة جدوا في هذا واجتهدوا، وإذا رأوا المصلحة في المقاومة ‏والمهاجمة أو في المسالمة والمدافعة بحسب الإمكان سلكوا ما تعينت مصلحته، فيقدمون في ‏موضع الإقدام ويحجمون في موضع الإحجام، وبالجملة لا يدعون مصلحة داخليّة ولا خارجيّة، ‏دقيقة ولا جليلة، إلاّ تشاوروا فيها وفي طريق تحصيلها وتنميتها، ودفع ما يضادّها وينقصها. فهذا ‏النظام العجيب الذي أرشدهم إليه القرآن هو النظام الذي يصلح لكل زمان ومكان، ولكل أمة".‏

‏_______________________‏

‏(1) رواه أبو هريرة، صحيح البخاري، رقم: 3495.‏

‏(2) رواه عبد الله بن عمر، بألفاظ مختلفة، وقد حكم المحدث أحمد شاكر على سنده بالصحة (انظر: مسند ‏أحمد: 8/60)، وذهب الألباني إلى تحسينه لشواهده (انظر: السلسلة الصحيحة: 7/683)؛ كما صححه ابن ‏حبان في (المقاصد الحسنة: 113)، والزرقاني في (مختصر المقاصد: 154)، وقال عنه الترمذي في سننه ‏‏(برقم: 3681): حسن صحيح غريب؛ وحسنه أيضًا ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري: 7/59)، وكذلك ‏الزركشي في (اللآلئ المنثورة، برقم: 175).‏

وقد روي عن عبد الله بن عباس، كما في مشكاة المصابيح؛ وعن عبد الله بن مسعود، كما في مجمع الزوائد، ‏وعن عائشة كما في سنن ابن ماجة، وصحّحه الألباني (انظر: صحيح ابن ماجة: 85).‏

‏(3) فتح الباري، لابن حجر: 1/101؛ وقد وصفه بأنه صحيح الإسناد.‏

‏(4) أنظره برقم: 6207.‏

‏(5) السيرة النبوية، لابن هشام: ج3/305.‏

‏(6) ذكره ابن كثير في تفسيره لسورة المنافقين.‏

‏(7) باختصار، صحيح البخاري، حديث رقم 2217، دار ابن الهيثم- القاهرة، ط1/ 2004م، ص248.‏

‏(8) البعض قد يستشهد بحال أهل الكهف الذين فارقوا قومهم، وربما نسي الآيات التي وصفوا فيها ما قد يجدوه ‏من قومهم إن ظفروا بهم: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ ‏وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} ‏‏[الكهف:19-20]، فإنهم لم يفارقوا قومهم إيثارا للوحدة والانقطاع، بل كانوا من الرشد أنهم ظلوا يدعون إلى ‏منهج الأنبياء إلى أن رأوا من قومهم دلائل الإجرام وآيات الطّغيان ففارقوهم، وحملوا تخوفّهم من عدوان قومهم ‏حتى استيقظوا، فأراهم الله آياته في الظّالمين!‏

‏(9) مجموع الفتاوى: ج28/65- 68.‏

‏(10) مقارنتهم أي معايشتهم ومصاحبتهم في الحياة الاجتماعية أو مواقع العمل.‏

‏(11) منهاج السنة النبوية، لابن تيمية: ج5/ 116.‏

‏(12) مجموع الفتاوى، لابن تيمية: ج3/ 307.‏

نقلاً عن موقع الإسلام اليوم

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة