العمل التطوعي سبيل الرقي والحرية

الأربعاء 08 يوليو 2020 05:48 م بتوقيت القدس المحتلة

العمل التطوعي سبيل الرقي والحرية

خباب الحمد

عندما نخرج من بيوتنا قاصدين الذهاب إلى المساجد أو الأسواق، أو الجامعات ، نجد كثيراً من ‏الشباب المتكدس بالأكوام، جالسين هنا وهنالك، دونما فائدة مرجوَّة، من علم أو صناعة نهضة، ‏أو تنمية ذاتية وجسدية...‏ ها هم يشغِّلون المذياع أو المسجل الإلكتروني في الجوال، ويسمعون لأصوات الفنانين والفنانات ‏من الكلام السخيف أو الهابط!‏ لربما شاهدوا أحداً يحتاج مساعدة أو معاونة، أو تكافلاً اجتماعياً، أو عملاً جماعياً مهماً، خدمة ‏لشعبهم أو طنهم وأمَّتهم، لكنَّهم يديرون وجوههم وينشغلون بتوافه الأمور.‏ إثر ذلك كلِّه كان من الضروري التأكيد على أهمية دور العمل التطوعي والخيري وسبيله لنهضة ‏الأمم ورقيها، خصوصاً إن كان ذلك على أساس من تقوى الله عزَّ وجل، مع التعاون الاجتماعي، ‏والتكافل الشعبي، وعليه فإذا أردنا أن يتحقق لشعبنا الفلسطيني نهضة وحريَّة، وتقدماً ورقياً في ‏مجتمعنا المدني المعاصر، فعلينا أن ندرك ضرورة التعاون الاجتماعي الذي تقوم أسُسُه على ‏الدين والعلم والأخلاق والاقتصاد كما يقول الإمام المفكر الجزائري محمد البشير الإبراهيمي.‏ إنَّ المجتمع الشعبوي الفلسطيني حينما يدرك قيمة الوقت وضرورة اغتنام ساعة الزمن ‏بالصالحات والأعمال الزكيات، فإنَّه في الحقيقة يساعد هذه الأمَّة الفلسطينية المسلمة على ‏تحقيق سبل الحضارة والتقدم نحو الحرية والتحرر من ربقة المحتل الصهيوني.‏ ليس من شك أنَّ العمل التطوعي الفعَّال يكمن في تحقيق الجهد الذي يقوم به الأفراد ذاتياً وتلقائياً ‏لتقديم خدمة لمجتمعهم أو للأفراد دون أجر مادي مقابل هذا الجهد، ومن نتائجه الجميلة أنَّه ‏يجعل في نفس الشخص رضا نفسي عمّا قدمه لأن هذا ينبع من حاجة الشخص إلى القيام به ‏من تلقاء نفسه لا من أجل حاجة مادية فحسب.‏ فمن كان لديه قدرة على تعليم العلوم الشرعية لطلابه فليتقدم ويحتسب الأجر عند ربه.‏ ومن كان متقناً لصنعة يدوية ورأى رجلاً عاطلاً عن العمل فليخبره أنَّه يريده لكي يعمل عنده مدَّة ‏من الزمن ويتعلم على يديه ثمَّ ينطلق ليبني مستقبله بيده بعد الاستعانة بربه أولاً وأخيراً.‏ ومن كان قاعداً على جنبات الطرق، تجده لا يغض بصره عن حرام، ولا يفلت لسانه إلاَّ بالحديث ‏عن فلان وفلان، فأولى به أن ينظر في الناس، فمن كان كبير سن أعانه، ومن كان ضريراً قام ‏معه لكي يخدمه في شؤونه، ومن كان قد أثقلته شراء بعض الحاجيات للبيت... الخ، فليتقدم ‏هؤلاء الشباب الجالسين على قارعة الطريق لخدمة المحتاجين، علَّهم ينالون دعوة من رجل ‏مستجاب الدعوة، وثناء حسناً.‏ إنَّ الشباب هم أمل فلسطين، وعليهم واجب التطوع خدمة لبلادهم، فالله تعالى يقول: {وَتَعَاوَنُوا ‏عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]شرط انضباطهم بالضوابط الشرعية ‏لرضا الله عنهم ورضا الناس.‏ جميل أن يتعلموا أدوات التأثير على المجتمع ، من قبيل: تعلم وسائل الإسعاف، طرق إنقاذ ‏الغريق، وسائل الدفاع المدني، وإغاثة المنكوبين، وصيانة السيارات، والاعتناء بالمساجد ترتيباً ‏وتنظيفاً وحفظاً لحقوقه.‏ كان أحد زملائي يقول لي: لقد منَّ الله علي بسيارة فارهة، وزكاتها، أن أُوصِلَ كل من أراه على ‏قارعة الطريق ممن يريد الذهاب إلى السوق أو مكان قريب ، ويمكنني أن أؤدي هذه المهمة له، ‏فأكبرت هذا الموقف له، وقد رأيته مراراً يُقل بعض العمال والمحتاجين لبعض الأماكن ، حسبة ‏لوجه الله تعالى.‏ إنَّ وقتنا يجب ألاَّ يضيع هباء كما يهرب الماء من ساقية خربة، وهنالك تجربة مهمَّة، فألمانيا ‏بعد عشر سنوات من الحرب العالمية الثانية، قامت فكرتها على ضرورة تنمية وتشجيع العمل ‏التطوعي الشعبي لخدمة البلاد، ولأجل ذلك نهضت هذه الدولة من جديد، فلقد كان أفراد الشعب ‏الألماني يقومون بالعمل التطوعي لمدة ساعتين يومياً.‏ وفي اليابان كان كل شخص من المجتمع الياباني يقوم بعد الانتهاء من دوامهم بعمل خيري ‏تطوعي لوجه (بوذا) أو لخدمة شعبهم.. بل يقوم أطفالهم بتنظيف المدرسة والصفوف بالكامل قبل ‏خروجهم من المدرسة تنظيفاً كاملاً، لكي يأتوا الصباح فيروا نتائج ما نظَّفوه مِمَّا يبعث لنفسية ‏الطالب في صباحه بروح ٍ هادئة ونفسية متألِّقة، تحب الدراسة والمذاكرة.‏ وفي أمريكا بلغ عدد المتطوعين مِمَّن جاوزت أعمارهم فوق 21 سنة في عام 2001م قرابة 3.9 ‏ملايين متطوع أنجزوا 15.5 بليون ساعة عمل، تقدر قيمة الساعة الواحدة بـ16.54$، أي ما ‏يعادل 256.37 بليون دولار.‏ هؤلاء غير المسلمين يقومون بهذا كله، فما بالنا نحن المسلمين في فلسطين تحديداً، حيث يجب ‏علينا أن نطبق ما أصَّله ديننا الإسلامي الحنيف في العمل الخيري التطوعي، والذي جعلته ‏الشريعة الإسلامية مروبطاً بعبادة الله تعالى حيث قال: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ ‏وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ‏ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ ‏وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ‏وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].‏ في بلادنا فلسطين الكثير من الأيتام والأرامل والمرضى والمعوزين، والذين لا يسألون الناس ‏إلحافاً، قليل منهم من يستطيع توفير وجبات للطعام، هؤلاء القوم أليسوا بشراً مثلنا؟ ألا يحتاجون لمن يقوم على أمرهم ويكفلهم؟ والرسول عليه السلام يبشر من يكفل يتيماً فيقول  في الحديث الصحيح:(أنا وكافل اليتيم في ‏الجنة هكذا . وأشار بالسبابة والوسطى ، وفرج بينهما شيئا) أخرجه البخاري في صحيحه. ‏ بل تبشرنا شريعتنا الإسلاميَّة الغرَّاء التي جاءت بكل عدالة ومعرفة لحقوق الإنسان قبل أن ‏تتحدث عنها أمم الشرق أو الغرب، وتأتينا البشرى على لسان رسول الله محمد عليه الصلاة ‏والسلام كما يقول في الحديث الصحيح:(الساعي على الأرملة والمسكين ، كالمجاهد في سبيل ‏الله، أو القائم الليل والصائم النهار) أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة، وبنحوه ‏أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة.‏ وقد جاء في الحديث عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه ‏وسلم - قال: «على كُلِّ مسلمٍ صدقةٌ»، قيل: أرأيت إنْ لم يَجِدْ؟ قال: «يَعْتَمِلُ بِيَديْه، فينفعُ نفسَهُ ‏ويتصدَّقُ» قال: أرأيتَ إنْ لم يستَطِعْ؟ قال: «يُعينُ ذا الحاجة الملْهُوفَ»، قال: قيل له: أرأيتَ إن لم ‏يستطع؟ قال: «يأمُرُ بالمعروف أو الخير»، قال: أرأيت إنْ لم يفْعَل؟ قال: «يُمسِكُ عن الشَّرِّ ، ‏فإنَّها صدقة». أخرجه البخاري ومسلم.‏ إنَّ الإحصائيات تقول بأنَّ عشرات الآلاف من الطلبة حُرموا إكمال دراستهم الجامعيَّة بسبب عدم ‏تسديد رسوم الجامعة، وأكثر من 50 ألف يتيم ينتظرون الكفالة، ومئات الآلاف من الأسر ‏والأرامل والمرضى انقطعت بهم سبل العيش الكريم ، وتضررت مساكنهم ومعاناتهم تفاقمت .... ‏فمن لهم بعد الله تعالى إلاَّ المتطوعين الباذلين لأموالهم في سبيل الخير ولوجه الله رب العالمين.‏ وللعلم فإنَّ في دولة الكيان الصهيوني المغتصب لأراضينا: (إسرائيل) يوجد فيها أكثر من 35 ألف ‏منظمة خيرية غير ربحية وتطوعية، تفوق الكثير من منظمات العالم العربي والإسلامي، ‏وخدماتها التي تقدمها لأبناء شعبها، وفي المُقابل يُضَيِّق الصهاينة الخناق على الجمعيات ‏الخيرية ، لمعرفتهم بأنَّ هذه الجمعيات سبيل ومورد من سبل التكافل والتضامن الاجتماعي في ‏بيئته بل سبيل لمقاومته في حق الحياة والعمل والإنتاج في فلسطين، وعليه فمن اللازم المكافحة ‏ضدَّ الصهاينة لإبقاء الجمعيات الخيرية التطوعية في فلسطين، فمن جوانب الصراع بين ‏المسلمين في فلسطين مع اليهود الصهاينة المغتصبين لأراضيهم، صراع وجود هذه الجمعيات ‏التي تقوم على رعاية الأيتام والفقراء والمساكين.‏ يقول القائل: إنَّ الناس كالذرَّات لا تظهر قيمتها إلاَّ في علاقتها بغيرها، وهي مقولة صحيحة، فلا ‏تظهر قيمة التاجر الصالح المسلم، إلاَّ بقيمته في تفاعله مع الآخرين، في سبيل نشر المنفعة ‏العامة لأمَّته الإسلامية ووطنه الذي يعيش فيه، ولقد قال الكاتب النفسي جون ديوي في يوم من ‏الأيام: (أعمق دوافع الإنسان إلى العمل هو الرغبة في أن يكون شيئا مذكورا)، وغير المسلمين ‏يعملون لثناء الناس، وأمَّا المسلم فإنَّه يعمل لوجه الله كما قال سبحانه : {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ ‏لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ‏الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} [الإنسان: 9 -11].‏ فلم لا نكون نحن المسلمين من أهل فلسطين أكثر فاعليَّة في مجتمعنا وواقعنا، وتكون أجيالنا ‏متبنية لفكرة :(جيل يبادر لا جيل ينتظر)، وهي في حقيقتها فكرة وشعار يُنُمُّ عن ضرورة وجود ‏الجيل المعتمد على الله تعالى أولاً والواثق من نفسه ثانياً والمبادرة الذاتية ثالثاً بعدم انتظار ‏الآخرين لكي يقوموا بفعل شيء فيقلدهم، لعلَّ ما يريد أن يقوم به من عمل طوعي خيري يخدم ‏من خلاله دينه ووطنه وأمَّته وبالذات في فلسطين، وتكون أفكاره مشجعة للبذل والإحسان، كي ‏يخدم بعضنا بعضنا، فإنَّ هذا جسر من جسور المحبة مع الآخرين، بل طريق الأخوة الدينية.‏ كان مجتمعنا في وقت الانتفاضتين الأولى والثانية، أقوى منه الآن تكافلاً اجتماعياً فيما بينهم، ‏ولربما دمَّر اليهود بعض البيوت فيقوم المجتمع الفلسطيني ويتبرعون لأهل ذلك البيت حتَّى يعود ‏حياً كما كان بل أفضل مما كان، قائلين للعدو الصهيوني: هذه آثارنا لن تطمسوها ولو امتدت ‏الأيام.‏ ولكنَّ المجتمع الآن يعاني وللأسف من نوع أنانية ومادية ومحبة كل منا لنفسه، لسان كثيرين ‏منَّا: (هَمِّي نفسي نفسي، وأكل عيالي، وحفظ مالي، ولست مبالي).‏ لكني على قناعة أنَّ معدن الخير، وسبل الأصالة، ومعقل الفخار كامن في أمَّتنا المسلمة في ‏فلسطين، فهي قادرة بإذن الله على إعادة اللحمة والمحبة بينها على أساس من التقوى ومحبة ‏الخلق للخلق،  والله لن يضيع أجر من أحسن عملا.‏ • ومضة:‏ يقول الأديب مصطفى صادق الرافعي: (إنَّ من الناس من يختارهم الله فيكونون قمح هذه ‏الإنسانية ينبتون ويحصدون ويعجنون ويخبزون ليكونوا غداء الإنسانية في بعض فضائلها).‏ ـــــــــــــــــــــــ د. خباب مروان الحمد  باحث وداعية فلسطيني.‏

خاص موقع هيئة علماء فلسطين في الخارج