الحميد والخبيث في مفهوم الاستقرار السياسي

الخميس 09 يوليو 2020 02:05 م بتوقيت القدس المحتلة

الحميد والخبيث في مفهوم الاستقرار السياسي

د. طه العلواني

منذ فترة طويلة قد تمدد إلى خلافة معاوية بن أبي سفيان، ثم ولده يزيد، ‏والأمّة يُرفع في وجهها دائما سيف ذو حدين، حد يسمى "الاستقرار"، ‏وآخر يسمى "الجماعة". أما الحدّ المختص بالاستقرار فخلفاء بني أميّة عدا ‏عمر بن عبد العزيز -رضي الله تعالى عنه- كانوا دائما بحجاجهم وبزياد ‏ابن أبيه وبابن أمه وغيرهم يرفعون فوق رقاب الأمّة سيف الاستقرار ‏وثبات حال الأمّة على مَا يكونوا عليه وفقًا لصياغات الخليفة ومن حوله من ‏حاشية يقل فيها ويضعف جانب المصارحة والأمر بالمعروف والنهي عن ‏المنكر.‏
فإن جاء رجل يقول للخليفة: السلام عليكم أيها الأجير؛ ويذكّره بأنه أجير ‏لدى الأمة، سارعت الحاشية المتملقة إلى ذلك الجريء المجترئ على ‏الخلافة لتقل له بل قل: أيها الأمير. ويصرّ ذلك الرجل الَّذِي أدركته نفحة ‏من نفحات النبوة على تسمية ابن أبي سفيان بالأجير وتصرّ الحاشية على ‏وجوب مناداة بالأمير حتى يتدخل الأمير الأجير بما عهد عنه من دهاء ‏ليقول: دعوا فلانًا ليخاطبنا بما يراه فقد صدق
رفع الخلفاء وحاشياتهم فوق رقاب الأمّة سيف الاستقرار وفقًا لصياغات ‏الخليفة ومن حوله.‏
تحول القدوة.. من القرآن للنموذج البيزنطي
لكن أولئك الخلفاء كانوا ينظرون إلى الدول من حولهم البيزنطية وغيرها ‏باعتبارها النموذج ولا ينظرون إلى مجتمع المدينة التوافقي الذي أسسه ‏الرسول -صلى الله عليه وآله وسلّم- على أنه الأسوة والمثال. ويرون أن ‏أخذهم بالمظاهر التي تأخذ بها تلك الدول أمر تستكمل به شكليّات الدولة ‏ومواصفاتها المدنيّة فيصوّغون لأنفسهم اتخاذ القصور والحجّاب والحرّاس ‏والتصرّف المطلق بالمال وما إلى ذلك. وتحت عصا الاستقرار والمحافظة ‏على وحدة الجماعة جرت عمليّات مصادرة وقمع الأصوات الحرة التي لم ‏تعد تجد لها متنفسًا إلا في قصور بعض الخلفاء؛ بل تحت ذلك السيف ‏قطعت رقبة الحسين وقمعت ثورات الأشعت والقراء والنفس الذكية وما ‏إليها. وعلى أن يكون الأمر بين ذلك العالم الناصح وبين ذلك الأمير أو ‏الخليفة نفسه، ثم الخليفة والأمير بالخيار إن شاء قبل، وإن شاء رفض ‏وزجر ذلك الناصح، وإن شاء رشاه وملئ فمه ذهبًا وسخر منه وجفاه، ‏حتى نأى علماء الأمّة المخلصون بأنفسهم عن غشيان بلاطات أولئك ‏الخلفاء وتركوها وتركوهم نهبًا للمتملقين والدجالين والمداحين والندماء ‏والمضحكين ومن إليهم.‏
وفجأة وجدت الأمّة نفسها دون نظام سياسي، ودون فقه سياسي يبث الوعي ‏ويعلم كيف تكون التنشئة السياسيّة ويساعد على حماية وحدة الأمّة وحسن ‏تدبّر شئونها، وكم من عالم عاملا ورع تقي تُرد بل اتهم في دينه وربما ‏ألقي في السجن أو شرد به أو حمل على الهجرة إلى أقاصي الأرض، ‏لمنعه من قول كلمة حق أمام أولئك الذين رفعوا في وجه الجميع سيف ‏الفتنة وعدم الاستقرار وتفريق الجماعة وما إلى ذلك، بل فبركوا أحاديث ‏موضوعة لا أصل لها، وقووا مأثورات ضعيفة لا سند لها، وصححوا ‏وحسّنوا بسرٍ ناقص كثيرًا من تلك الأخبار؛ ليجعلوا منها سندا لمقولتهم ‏تلك، وسياساتهم المستبدة، فتم التأصيل للاستبداد والحكم المطلق وصُدرت ‏الشورى وحرية التعبير التي أمر الله تعالى بأن تتاح، وجعلها من صفات ‏عباده المؤمنين "ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ ‏رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ ‏أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى ‏شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ ‏يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (النحل:75-76) فالأبكم المحروم ‏من حريّة التعبير لا يتصف بالعبوديّة الصادقة لله تعالى.‏
قمع ثقافة الحرية بثقافة الاستقرار
إن حجب هذه الحريّة عن الإنسان يرده إلى العبوديّة إلى إنسان مثله وهو ‏الَّذِي أعطى لنفسه حق حجب الحريّة عن الناس أو منحهم إياها، ومن ‏المؤسف أنّ المسلمين إلى يومنا هذا تهيمن على عقول كثير منهم تلك ‏الثقافة المريضة ثقافة الاستقرار أيًّا كان نوعه حتى وإن كان استقرار ‏الأموات، والجماعة أيًّا كان نوعها حتى ولو كانت مثل تجمعات الغثاء ‏عندما يجرفه السيل، وما أراد الله سبحانه ذلك بما أمر به من الالتزام ‏بالجماعة، فالجماعة في نظر القرآن هِيَ تلك الأمّة التي أعدت على عين ‏الله -جلّ شأنه- وصنعت بعنايته وبنيت لبناتها بوحيه فصارت خير أمّة ‏أخرجت للناس وخير جماعة عرفتها البشريّة تأمر بالمعروف وتنهى عن ‏المنكر وتؤمن بالله، وهذه الجماعة لا استقرار لها إلا والحق منتصر وكلمة ‏الله هِيَ العليا وكلمة الكفر هِيَ السفلى، ولا يمكن لأمّة كهذه أن تعرف ‏الاستقرار والناس يفتك بها الظلم والاستبداد والديكتاتوريّة والجهل ‏والمرض والفقر وسوء التوزيع واستباحة المال العام وما إلى ذلك.‏
نفس المنطق السابق ينطبق على مفهوم الاستقرار؛ فالاستقرار من القرار ‏ألا وهو الثبات (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا ‏لَهَا مِنْ قَرَار) (إبراهيم:26) أي: مَا لها من ثبات.‏
والاستقرار لا يمكن أن يتحقق دون الحق والعدل والتزكية والعمران؛ ‏ولذلك فإنّ ملاحظة هذا الأمر قد تخرج المسلمين من تلك الثقافة الهجين ‏الغريبة عن روح الوحي وأهداف الرسالة والدين القيم، وقيم الدين، نريد ‏استقرار؛ نعم. ولكنه استقرار الأحرار الأخيار الذين ينتمون إلى خير أمّة، ‏استقرار الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، يقول تعالى: "الَّذِينَ ‏إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا ‏عَنِ الْمُنْكَر" (الحج:41).‏
بين الحفاظ على الجماعة والاستبداد
إن القاتل وهو يَقتل يتمنى أن لا يقاومه القتيل، وأن يستسلم القتيل له، لكي ‏يقتله وهو مستريح دون مقاومة ودون أن يعكر صفوه باهتزاز جسد القتيل ‏أو تناثر دمه على ثياب القاتل، فذلك مزعج للقاتل مخلا باستقراره ويتمنى ‏لو ثبت هذا المقتول واستقر كي يسهل عليه مهمته.‏
والالتزام بالجماعة وعدم التفرق يصبح كذلك من أهداف ذلك الَّذِي تغلّب ‏على الجماعة واستبد بها وتصرف بها كيف يشاء، وزعم أنّ المحافظة على ‏الجماعة هُوَ ألا يُقاوم فسقه وفجورة مقاوم، ولا ينكر عليه منكر، هذه ثقافة ‏بعيدة عن الإسلام والمسلمين أصّل لها أئمة الجور من طاغة بني أميّة وبني ‏العباس ومن جاء بعدهم من الذين أخرجوا رسالة الإسلام من طريقها الَّذِي ‏رسمه الله ونفذه رسوله، وهو طريق الدعوة إلى طريق الفتح وإقامة الدول ‏والسلطنات والحكومات ومشابهة دول الجور فيما قامت عليه ناسين أو ‏متناسين أنّ هذه الأمّة هِيَ أمّة دعوة ورسالة، لا أمّة فتح وقهر.‏
كم نتمنى على تلك الأصوات التي ترتفع كلّما قام مصلح يدعو إلى ‏الإصلاح، فأزعج حاكم من الحكام بدعوة تلك الحاكم إلى الإصلاح، ‏فيسارع المتملقون إلى رمي الداعي بكل مَا في قواميسيهم من بلايا ورفع ‏سيف الجماعة والفرقة وتهديد الاستقرار وضمان الأمن.‏
إنّ الموت استقرار وثبات ولا شك ولكنه موت، أمّا الحياة فهي بطبيعتها ‏متحركة دائمة التحرك سائرة إلى الأمام، والإنسان كادح إلى ربه فملاقيه، ‏وسائر إلى الأمام للقاء ربه، فهل بعض هؤلاء يربعون على أنفسهم ‏ويتوقفون عن إطلاق هذين السهمين في وجوه المصلحين والدعاة إلى ‏الخير ويكونوا إلى جانب الأمّة وقضاياها لا إلى جانب السلطان عدل أو ‏فجر؟!‏

نقلًا عن موقع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
‏ ‏

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة