الجيش وتطوره في النظام الإسلامي

الجمعة 10 يوليو 2020 11:55 ص بتوقيت القدس المحتلة

الجيش وتطوره في النظام الإسلامي

د. راغب السرجاني

الجيش لفظ يُطْلَقُ على الجند، كما يُطْلَق على جماعة الناس في الحرب، ‏وقيل: الجيش جند يسيرون لحرب أَو غيرها [1]، ومثل غيره من أجهزة ‏الدولة الإسلامية بدأ الجيش بداية متواضعة، ثم سرعان ما نما حتى وصل ‏إلى مرحلة متقدِّمَة، وصار له نظامه الخاص.‏

الجيش قبل الإسلام

والحقيقة أن العرب قبل الإسلام لم يكن لهم نظام خاصٌّ للجند لبداوتهم، ‏وإنما كان كل رَجُلٍ يَقْدِر على حمل السلاح يخرج للقتال إذا ما دَعَا ‏الداعي؛ دفاعًا عن العشيرة والقبيلة، وكانت أسلحتهم السيف، والرمح، ‏والقوس، وكان يقودهم زعيم من زعمائهم أَلِفَ القتال، وعُرِفَ بالشجاعة، ‏وكثيرًا ما يكون رئيس القبيلة [2].‏

الجيش في النظام الإسلامي

ولما جاء الإسلام، وأُذِنَ للمسلمين في القتال والجهاد في سبيل الله، كان كل ‏مسلم جنديًّا، وله من حُبِّهِ لدينه ما يدفعه إلى المبادرة إلى الجهاد، ‏والاستشهاد في سبيل الله [3].‏

وكان الرسول هو القائد الأعلى لجيش المسلمين، وبعد وفاته كانت الأحوال ‏قد تطوَّرَتْ، وميادين القتال قد كثرت، وتعدَّدت الجيوش في الأماكن ‏المختلفة؛ فأصبح من العسير على الخليفة أن يقوم بمهمَّة القيادة بنفسه، ‏فأسندها إلى مَنْ يَصْلُح لها ممَّن عُرِفَ بالشجاعة، والنجدة، والإقدام، ‏والحزم، وحُسن التدبير، وقد كانت الطاعة واجبة لهؤلاء القوَّاد، وكان ‏القوَّاد يعرضون الجند[4] قبل لقاء العدُوِّ؛ حتى يطمئنُّوا عليهم وعلى عُدَّتهم، ‏كما كان يفعل النبي ، ومتى انتهى القتال أصبحت مهمَّة القائد النظر في أمر ‏الجند وتدريبهم، وتحسين معداتهم، والاستزادة منها[5].‏

وقد عني عمر بن الخطاب بأمر الجند، وأنشأ لهم ديوانًا خاصًّا للإشراف ‏على شئونهم - ذكرناه من قبل - ومختَلَف أمورهم؛ من بيان أسمائهم، ‏وأوصافهم، وأعمالهم، وأرزاقهم، وحينما اتَّسَعَتِ الفتوح الإسلامية، وكثرت ‏الغنائم، وأقبلت الدنيا على المسلمين، واستقرَّ الكثير منهم في المدن؛ خشي ‏عمر أن يَخْلُدَ بعضهم إلى الراحة والتقاعد عن الحرب، وأن ينصرفوا إلى ‏الثروة، فتَقَدَّم إليهم بالانصراف إلى الجهاد، ورتَّب لهم ولأسرهم الأرزاق، ‏وكان مَنْ يتأَخَّر منهم عن الجهاد بغير عذر يُعَيَّر، ويُلام لومًا يردعه، ‏ويردع غيره.‏

وإلى عمر أيضًا يرجع الفضل في إقامة الحصون والمعسكرات الدائمة ‏لإراحة الجنود في أثناء سيرهم إلى عَدُوِّهم؛ فبُنِيَتِ الأمصار؛ كالبصرة ‏والكوفة والفسطاط؛ لإراحة الجند، وصدِّ هجمات الأعداء.‏

وقد أتمَّ الأمويون ما بدأه عمر من العناية بالجيش؛ فنظَّمُوا ديوان الجند، ‏واعتنَوْا بالجيش، ولما استقرَّ لهم الأمر نهائيًّا حين تقاعد كثير من المسلمين ‏عن الحرب والجهاد، أدخل عبد الملك بن مروان نظام التجنيد الإجباري ‏‏[6].‏

دور المسلمين في تطوير الجيش

أرسى المسلمون تقاليد عسكرية، وابتكروا الكثير من فنون القتال، فلم يكن ‏العرب في جاهليتهم يعرفون نظامًا في الحرب، وكانوا يعتمدون طريقة ‏الكَرِّ والفَرِّ، ولما جاء الإسلام ونزل قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ ‏فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4]، رتَّبَ المسلمون ‏الجيوش ونَظَّمُوها، وخاصَّة حين اتَّسَعَتْ حركة الفتوح، والتقت جيوش ‏المسلمين بجيوشٍ لها تاريخ في التخطيط والتنظيم؛ مثل: الفرس، والروم.‏

فعَرَفَ المسلمون في تنظيم صفوفهم القتالية طريقة تُعْرَفُ بالكراديس، ‏وتعني: الكتائب، أو الوحدات، وتقوم على تقسيم الجيش إلى خمس ‏مجموعات رئيسية؛ هي: المقدِّمَة، ثم الميمنة، والميسرة، وقلب في الوسط، ‏ثم كتيبة في الخلف تُعْرَفُ بالساقة أي المؤخِّرَة[7].‏

‏ وتُعْتَبَرُ اليرموك، والقادسية، وأجنادين من المواقع الحربية التي تُعَدُّ مثالاً ‏لغيرها في تعبئة الجيوش وحُسْنِ قيادتها، وقد تأسَّى الحلفاء الأوربيون في ‏الحرب العالمية الأولى بما صنعه خالد بن الوليد في موقعة اليرموك من ‏توحيد القيادة، واختيار الموقع المناسب للمعركة [8].‏

‏ وكانت الدولة تتعهَّد الجند بكل ما يحتاجون إليه من سلاح ومؤن، وكان ‏الجيش يتأَلَّف من الفرسان والرَّجَّالة، وكانت هناك أنواع عِدَّة من الأسلحة؛ ‏فكان منها الأسلحة الفردية الخفيفة، مثل: السيوف، والرماح، والأقواس، ‏والسهام بأنواعها. والأسلحة الجماعية الثقيلة؛ مثل: المجانيق [9] والدبابات ‏التي كان يحتمي المحاربون بداخلها. وأسلحة وقاية الجسم من ضربات ‏العدُوِّ المختلفة؛ مثل: الخوذات، والدروع، والتروس. وكانت هناك كذلك ‏الأسلحة الكيميائية؛ حيث برع المسلمون في استخدام النار الإغريقية ‏وطوَّروها، واكتشفوا في ذلك موادَّ حارقة ومتفجِّرة، ولما كان الخيل سلاحًا ‏مهمًّا من أسلحة الجيش الإسلامي؛ فقد اهتمَّ المسلمون بتربيتها وتدريبها، ‏كما اهتمُّوا بوقاية خيولهم أثناء الحروب، فألبسوها دروعًا تسمَّى تجافيف ‏تُغَطِّي أبدانها، وتصدُّ عنها إصابات الأعداء [10].‏

وقد استخدم المسلمون منذ النبي ما يُعرف بآلة "الدبابة" وهي آلة تُستخدم ‏في ثقب حوائط الأماكن المحصَّنَة وتدميرها؛ فقد ذكر ابن كثير في (البداية ‏والنهاية) أن "نفرًا من الصحابة دخلوا تحت دبابة، ثم زحفوا ليحرقوا جدار ‏أهل الطائف.." [11].‏

واهتم الأمويون بصناعة المجانيق، حتى استطاع الحجاج بن يوسف الثقفي ‏صُنْعَ منجنيق أسماه (العروس)، يحتاج إلى خمسمائة رجل لخدمته والعمل ‏عليه، وقد سلَّم عددًا من هذه المنجنيقات إلى ابن عمه المجاهد القائد محمد ‏بن القاسم الثقفي[12]، ففتح بها مدينة الدَّيبُل (كراتشي) عام 89هـ، وعدة ‏مدن أخرى في وادي السند[13].‏

وقد استحدث الجيش الإسلامي فرقة تُسمى بالنفَّاطة، وهم الذين يستخدمون ‏النفط في الحرب من على أظهر الخيل، أو تعبئته ورميه في قارورات على ‏العدوِّ، وانتشرت هذه الفرقة منذ العصر العباسي، وكثر الاعتماد عليها في ‏وقت الحروب الصليبية، وقد ذكر ابن كثير في حوادث عام 586هـ أن ‏الخليفة العباسي الناصر لدين الله (ت 622هـ) أرسل للقائد صلاح الدين ‏الأيوبي رحمه الله "أحمالاً من النفط والرماح ونفَّاطة ونقَّابين، كل منهم ‏متقن في صنعته غاية الإتقان" [14].‏

والعجيب أن الجيش الإسلامي أول من استخدم البارود، وقد عرفه ‏المسلمون قبل الغربيين، وليس كما يزعم بعض المستشرقين، أن الأوربيين ‏قد استخدموه في حروبهم وعرفوه قبل المسلمين، فقد تمَّ استعماله لأول مرة ‏في مصر، وذلك لتوافر مادة النطرون بكثرة فيها، وقد ذكر المقريزي في ‏حوادث عام 727هـ أن البارود قد استُعْمِل بجوار النفط في حفل زفاف ابنة ‏سلطان مصر الناصر محمد بن قلاوون، فقال: "وعمل قجليس في القلعة ‏برجًا من بارود ونفط"[15]. ‏

والظاهر أن المسلمين قد عرفوه قبل ذلك التاريخ بمدة كافية، فقد ذكر ابن ‏خلدون أن المرينيين في المغرب استخدموه في حروبهم، خاصة في فتحهم ‏لمدينة سجلماسة، فذكر أن سلطانهم يعقوب بن عبد الحق قد نصب على ‏المدينةِ "هندام النفط القاذف بحصى الحديد، ينبعث من خزانة أمام النار ‏الموقدة في البارود بطبيعة غريبة ترد الأفعال إلى قدرة بارئها!"[16]. ‏وكانت هذه الحادثة عام 672هـ، ومما يبدو أن المسلمين قد عرفوا "المدفع" ‏في حروبهم-كما يذكر ابن خلدون هنا- منذ القرن السابع الهجري، ‏فاستخدموا حصى الحديد (القنابل الصغيرة)، التي كانت تنطلق بقوة البارود ‏المفزعة؛ ولذلك تعجَّب ابن خلدون من هذه القوة، وهو ما يبدو في وصفه ‏السابق. ‏

واستخدم المماليك المدافع بكثرة في حروبهم، وجعلوا منها أنواعًا متعددة؛ ‏فمنها المدفع أو المكحل الكبير، ومنها المدفع الصغير، وقد وصف لنا ‏القلقشندي في "صبح الأعشى" مكاحل البارود، فقال: "وهي المدافع التي ‏يُرْمَى عنها بالنفط، وحالها مختلف، فبعضها يُرْمَى عنه بأسهم عظام، تكاد ‏تخرق الحجر ببندق، وبعضها يَرْمِي عنه من حديد من زنة عشرة أرطال ‏بالمصري إلى ما يزيد على مائة رطل، وقد رأيتُ بالإسكندرية في الدولة ‏الأشرفية شعبان بن حسين في نيابة الأمير صلاح الدين بن عرام رحمه ‏الله، بها مدفعًا قد صُنِعَ من نحاس ورصاص، وقُيِّد بأطراف الحديد، رمي ‏عنه من الميدان ببندقة من حديد عظيمة محماة، فوقعت في بحر السلسلة ‏خارج باب البحر وهي مسافة بعيدة"[17]. ‏

وبناء على قول القلقشندي السابق، نرى أن هناك نوعين من المدافع؛ نوع ‏تخرج منه السهام الكثيفة، غاية في السرعة والقوة، ونوع آخر تخرج منه ‏البنادق، أو ما يُسمى بكريات الحديد الملتهبة، وكلا النوعين يُلقي قذيفته ‏بسرعة بالغة، وعلى مسافات بعيدة، ومشاهدة القلقشندي هذه تمت في حدود ‏عام 775هـ؛ مما يُدلل على أسبقية ابتكار المسلمين لآلات الحرب منذ فترة ‏مبكرة جدًّا. ‏

هذا، ولا يمكن لأحد أن يُنْكِر تاريخ انتصارات المسلمين في حضارتهم ‏على قوى تَفُوقُهم عددًا وعُدَّة، في مواقع متعدِّدَة وفاصلة، وهو ما يعكس ‏مكانة وطبيعة الجيش في الحضارة الإسلامية؛ من حيث التنظيم العلمي ‏المدروس، والتخطيط الذكي، والاستعداد الدائم، والعُدَّة العسكرية المبتكرة ‏والمتواكبة مع العصور المختلفة.‏

د. راغب السرجاني

‏---------------------------------------------------------------------‏‏-----------‏

‏[1] ابن منظور: لسان العرب، مادة جيش 6/277.‏

‏[2] أبو زيد شلبي: تاريخ الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي ص150.‏

‏[3] المصدر السابق، الصفحة نفسها.‏

‏[4] عَرْض الجُنْد: هو إِظهارهم واختبار أَحوالهم. انظر: ابن منظور: لسان ‏العرب، مادة عرض 7/165.‏

‏[5] أبو زيد شلبي: تاريخ الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي ص153.‏

‏[6] المصدر السابق ص150، 151.‏

‏[7] كمال عناني إسماعيل: دراسات في تاريخ النظم الإسلامية ص167.‏

‏[8] أبو زيد شلبي: تاريخ الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي ص159.‏

‏[9] آلات تستخدم في قذف كتل الحجارة على أسوار المدن.‏

‏[10] انظر: كمال عناني إسماعيل: دراسات في تاريخ النظم الإسلامية ‏ص172-177.‏

‏[11] ابن كثير: البداية والنهاية 4/399.‏

‏[12] محمد بن القاسم: محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل ‏الثقفي، (62 - 98هـ/681 - 717 م)، فاتح السند وناشر الإسلام هناك. ‏انظر: الزركلي: الأعلام 6/334.‏

‏[13] شوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية ص362.‏

‏[14] ابن كثير: البداية والنهاية 12/409.‏

‏[15] المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك 3/101.‏

‏[16] ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر 7/188.‏

‏[17] القلقشندي: صبح الأعشى 2/153.‏

نقلاً عن موقع د. راغب السرجاني

https://islamstory.com/ar/artical/23509/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4-%D9%88%D8%AA%D8%B7%D9%88%D8%B1%D9%87-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة