القدس بين الأمس والحاضر

الأربعاء 22 يوليو 2020 07:00 ص بتوقيت القدس المحتلة

القدس بين الأمس والحاضر

مصطفى مصطفى

ما أشبهَ اليومَ بالبارحة! وكأنَّ التاريخ يُعِيد نفسَه، وكأن الدموع تُعِيد ما سُلِب من الأوطان، وهمٌّ قديم حديث.

في الماضي غدت القدس أسيرةً، ومرَّت الأمَّة بحالة من الضعف والهوان، واليوم هي أسيرة وفي رحاب الكفر تقع وتخضع.

بالأمس استُبِيحت دماء، وانتُهِكت أعراض، واليوم الكثير من ذلك ممَّا لا يخفى على عاقل، سواء في فلسطين، أو في العراق، أو في الشيشان، أو في بلاد الأفغان، كلُّ هذه المواقع لماذا تستباح؟!

أم أن الغَرْبَ أضحى مُتَيَّمًا بصحراء العراق مُولَعًا بصحراء الأفغان، بلاد الفقر والحاجة، لا شكَّ أنَّه العداء، فَهِم ذلك أُدَباء الزمن الماضي، وفَهِم ذلك وخبره أدباء اليوم، حقوق ضائعة وحِمى سَلِيبة، ومساجد حُوِّلت إلى أدْيرة وكنائس، واليوم تُحَوَّل إلى كنس ومعابد وزرائب، حُرِّقت المصاحف قديمًا، وعلى الشاشات رأينا ما يُفعَل بالمصاحف في الفلوجة وفي أفغانستان.

وحالنا تُصَوِّره الفضائيَّات، وتنقله الشاشات، في أبي غريب وغيره، وحالنا صوَّره الشُّعَراء المحدَثون، ومن أحسن مَن صور ذلك حديثًا الشاعر بدوي الجبل في قصيدة له:

   نَحْنُ مَوْتَى يُسِرُّ جَارٌ لِجَارِهْ        مُسْتَرِيبًا مَتَى يَكُونُ النُّشُورُ

لاَ تُشَقُّ الجُيُوبُ فِي مِحْنَةِ القُدْ      سِ وَلَكِنَّها تُشَقُّ الصُّدُورُ

شَدَّني للبحث في الزمن القديم عن قصائد تتعلَّق بالقدس ما يفعله الصهاينة اليوم من محاولة لبناء كَنِيس الخراب في القدس الشرقية، فأين نحن ممَّا يحدث؟!

قديمًا يومَ استولى عليها الفرنج، وجدت قصيدةً لأبي مظفر الأبيوردي لا تحتاج إلى تقديم، إنها صرخة في وجه الطغيان، وإليك القصيدةَ:

مَزَجْنَا دِمَاءً بِالدُّمُوعِ السَّوَاجِمِ 
فَلَمْ يَبْقَ مِنَّا عُرْضَةً لِلْمَرَاجِمِ 
وَشَرُّ سِلاَحِ الْمَرْءِ دَمْعٌ يُفِيضُهُ 
إِذَا الْحَرْبُ شَبَّتْ نَارُهَا بِالصَّوَارِمِ 
فَإِيهًا بَنِي الإِسْلاَمِ إِنَّ وَرَاءَكُمْ 
وَقَائِعَ يَلْحَقْنَ الذُّرَى بِالْمَنَاسِمِ 
أَتَهْوِيمَةً فِي ظِلِّ أَمْنٍ وَغِبْطَةً 
وَعَيْشٍ كَنَوَّارِ الْخَمِيلَةِ نَاعِمِ 
وَكَيْفَ تَنَامُ الْعَيْنُ مِلْءَ جُفُونِهَا 
عَلَى هَبَوَاتٍ أَيْقَظَتْ كُلَّ نَائِمِ 
وَإِخْوَانُكُمْ بِالشَّامِ يُضْحِي مَقِيلُهُمْ 
ظُهُورَ المَذَاكِي أَوْ بُطُونَ القَشَاعِمِ 
يَسُومُهُمُ الرُّومُ الْهَوَانَ وَأَنْتُمُ 
تَجُرُّونَ ذَيْلَ الْخَفْضِ فِعْلَ المُسَالِمِ 
وَكَمْ مِنْ دِمَاءٍ قَدْ أُبِيحَتْ، وَمِنْ دُمًى 
تُوَارِي حَيَاءً حُسْنَهَا بِالْمَعَاصِمِ 
بِحَيْثُ السُّيُوفُ البِيضُ مُحْمَرَّةُ الظُّبَى 
وَسُمْرُ العَوَالِي دَامِيَاتُ اللَّهَاذِمِ 
وَبَيْنَ اخْتِلاَسِ الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ وَقْفَةٌ 
تَظَلُّ لَهَا الوِلْدَانُ شِيبَ القَوَادِمِ 
وَتِلْكَ حُرُوبٌ مَنْ يَغِبْ عَنْ غِمَارِهَا 
لِيَسْلَمَ يَقْرَعْ بَعْدَهَا سِنَّ نادِمِ 
سَلَلْنَ بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ قَوَاضِبًا 
سَتُغْمَدُ مِنْهُم فِي الطُّلَى وَالْجَمَاجِمِ 
يَكَادُ بِهِنَّ المُسْتَجِنُّ بِطَيْبَةٍ 
يُنَادِي بِأَعْلَى الصَّوْتِ يَا آلَ هَاشِمِ 
أَرَى أُمَّتِي لاَ يُشرِعُونَ إِلَى الْعِدَا 
رِمَاحَهُمُ وَالدِّينُ وَاهِي الدَّعَائِمِ 
وَيَجْتَنِبُونَ النَّارَ خَوْفًا مِنَ العِدَا 
وَلاَ يَحْسَبُونَ العَارَ ضَرْبَةَ لاَزِمِ 
أَتَرْضَى صَنَادِيدُ الأَعَارِيبِ بِالْأَذَى 
وَيُغْضِي عَلَى ذُلٍّ كُمَاةُ الأَعَاجِمِ 
فَلَيْتَهُمُ إِنْ لَمْ يَذُودُوا حَمِيَّةً 
عَنِ الدِّينِ ضَنُّوا غَيْرَةً بِالْمَحَارِمِ 
وَإِنْ زَهِدُوا فِي الأَجْرِ إِذْ حَمِيَ الوَغَى 
فَهَلاَّ أَتَوْهُ رَغْبَةً فِي الغَنَائِمِ 
لَئِنْ أَذْعَنَتْ تِلْكَ الْخَيَاشِيمُ لِلْبُرَى 
فَلاَ عَطَسُوا إِلاَّ بِأَجْدَعَ رَاغِمِ 
دَعَوْنَاكُمُ وَالْحَرْبُ تَرْنُو مُلِحَّةً 
إِلَيْنَا بِأَلْحَاظِ النُّسُورِ القَشَاعِمِ 
تُرَاقِبُ فِينَا غَارَةً عَرَبِيَّةً 
تُطِيلُ عَلَيْهَا الرُّومُ عَضَّ الأَبَاهِمِ 
فَإِنْ أَنْتُمُ لَمْ تَغْضَبُوا بَعْدَ هَذِهِ 
رَمَتْنَا إِلَى أَعْدَائِنَا بِالْجَرَائِمِ 

ووجدت في "موسوعة الشعر الإسلامي" قصيدةً أخرى لم أعرف قائلها، ولكنها قصيدة غنية بالصور، وكأن القصيدتين قدَّمهما لنا شاعران عاشا معنا في هذا الزمن وشهِدَا محنةَ الأمَّة في القدس وغيرها:

أَحَلَّ الْكُفْرُ بِالإِسْلاَمِ ضَيْمًا 
يَطُولُ بِهِ عَلَى الدِّينِ النَّحِيبُ 
فَحَقٌّ ضَائِعٌ وَحِمًى مُبَاحٌ 
وَسَيْفٌ قَاطِعٌ وَدَمٌ صَبِيبُ 
وَكَمْ مِنْ مُسْلِمٍ أَضْحَى سَلِيبًا 
وَمُسْلِمَةٍ لَهَا حَرَمٌ سَلِيبُ 
وَكَمْ مِنْ مَسْجِدٍ جَعَلُوهُ دَيْرًا 
عَلَى مِحْرَابِهِ نُصِبَ الصَّلِيبُ 
دَمُ الْخِنْزِيرِ فِيهِ لَهُمْ خُلُوفٌ 
وَتَحْرِيقُ الْمَصَاحِفِ فِيهِ طِيبُ 
أُمُورٌ لَوْ تَأَمَّلَهُنَّ طِفْلٌ 
لَطَفَّلَ فِي عَوَارِضِهِ الْمَشِيبُ 
أَتُسْبَى الْمُسْلِمَاتُ بِكُلِّ ثَغْرٍ 
وَعَيْشُ الْمُسْلِمِينَ إِذًا يَطِيبُ 
أَمَا للهِ وَالإِسْلاَمِ حَقٌّ 
يُدَافِعُ عَنْهُ شُبَّانٌ وَشِيبُ 
فَقُلْ لِذَوِي الْكَرَامَةِ حَيْثُ كَانُوا 
أَجِيبُوا اللهَ وَيْحَكُمُ أَجِيبُوا 

طُوبَى للقلوب المؤمنة التي سعَتْ إلى الخلاص وإلى تحرير بيت المقدس، صلاح الدين وصحبه الكرام، بدأت محنة القدس بقَتْلِ رجالها جميعًا، وسبحت الخيول في دماء المسلمين، وعلَت الجثث أسوار المدينة، وانتهَتْ بأن يُباع جنود الفرنجة كل جندي بشِراك نعل.

واليوم تعيش القدس محنةَ الاحتلال والقهر، وتنتظر الأمَّة فرج المحنة، وعسى أن يكون ذلك قريبًا.


 

 نقلاً عن موقع الألوكة

https://www.alukah.net/culture/0/20647/

 

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة