استراتيجيات الوصول إلى الحقيقة

الخميس 06 أغسطس 2020 02:28 م بتوقيت القدس المحتلة

استراتيجيات الوصول إلى الحقيقة

د. محمد سعيد بكر

محاور الخطبة:

- الحقيقة هي الشيء الثابت يقيناً وبلا أدنى شك .. سواء أوافق ذلك ما نحب ونشتهي ونرغب، أم لا .. ومن مترادفاتها في اللغة: الحَقّ، الصَوَاب، السَلامَة، الصَحِيح، الصِدْق، الوَاقِع .. وعكس الحقيقة: الباطِلٌ، البُطْلٌ، البُهْتانٌ، الخَطَأٌ، الزُورٌ، الإِفْكٌ، الخِداعٌ، الغِشٌّ، الكَذِبٌ، المُخاتَلَةٌ.

- الحقيقة طعمها حلو لمن وافقت رغبته وطابقت ما يحب .. وهي مُرة وعلقم لمن خالفت رغبته وهواه .. لأجل ذلك يحرص أصحاب الأهواء والشهوات على إخفائها وتزويرها والتدليس والكذب في بيانها وعرضها .. بل ويقلبونها بحيث يصبح الحق باطلاً والباطل حقاً .. وهذا ما يمتهنه ويحترفه بعض الإعلاميين والمنافقين ممن باعوا ضمائرهم بثمن بخس.

- من صور تزوير الحقائق والتدليس فيها سواء أكانت أخباراً أم آثاراً ما يأتي:

1️⃣ تعظيمها أو تصغيرها.

2️⃣ الزيادة أو الانقاص فيها.

3️⃣ نسبتها إلى غير أصحابها.

4️⃣ الاجتزاء وفصلها عن سياقها.

5️⃣ دبلجتها والعبث بالصوت والصورة.

6️⃣ تركيب المشاهد بصورة توحي للناظر أن ثمة علاقة بينها وبين حادثة ما في المشهد النهائي.

7️⃣ إظهار صغائر المظلوم وإهمال كبائر الظالم.

- الذين لم يتورعوا عن الدس والتدليس في الأحاديث الشريفة ونسبة الكلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث موضوعة؛ لأجل غايات سياسية أو شخصية مصلحية، لن يتورعوا عن الدس والتدليس على أي أحد آخر .. قال تعالى: "كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا" (الكهف: 5)، لأجل ذلك لا داعي للمفاجأة إن سمعت أو رأيت تلفيقاً أو دساً وتشويهاً على شخصك أو حتى على أحد نبلاء وأعيان زمانك.

- لم تتوقف حملات التشويه والتزوير عند حدود شخصيات نبيلة بل تعدى ذلك إلى تشويه أفكار طاهرة والدس والطعن في قيم سامية وتاريخ مشرق وحضارات ترك بصمات .. فيا ويل من ساهم بطمس الحقيقة .. قال تعالى: "فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ" (البقرة: 79).

- بعد أن أتم يهود كل ما يتعلق بإفساد وتخريب وتزوير دينهم .. قاموا بمثل تلك الأعمال الدنيئة على دين النصارى، فغضب الله على يهود، وضل النصارى وتاهوا .. ولولا أن رب العزة تعهد بحفظ الدين الخاتم؛ دين النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لصرنا إلى حال أسوأ من تلك التي وصل إليها النصارى .. فالحمد لله أولاً ثم الشكر والثناء على كل قائم لله بحجة، مدافع عن ديننا، محافظ على أصالته، محقق مدقق في كل شبهة تدليس أو خلط وتزوير .. ورضي الله عنهم إلى يوم الدين.

- يتذرع ويتعذر بعض العوام وأشباه المتعلمين عن ترك لزوم الحق واتباع الحقيقة بذرائع منها:

1️⃣ الجهل وقصور الفهم عن بلوغ الحقيقة بين ركام المزاعم التي تنسب الحقيقة للجميع .. وهذه الذريعة لا تكفي بين يدي رب العزة .. والواجب على الجاهل أن لا يقصر في السؤال والبحث الأخذ بأسباب معرفة الصواب .. لاسيما وقد أصبحت أدوات وقنوات ومنابر المعرفة كثيرة ومتعددة .. ولن يُعذر عند الله جاهل مقصر في طلب الحقيقة.

2️⃣ الضعف وقلة الحيلة والعجز عن متابعة الحق والحقيقة .. وهؤلاء رد عليهم القرآن سلفاً وبيَّن خطيئتهم الكبرى .. قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا" (النساء: 97).

- للحقيقة أثمان لا يأبه العقلاء لو دفعوا أعمارهم وأموالهم كلها بقصد تحصيلها .. فقد أفنى غلام الأخدود عمره شهيداً ثمناً لحقيقة التوحيد التي كتب حروفها بدمه فآمن الناس بها وافتدوها بأرواحهم .. وقد أطلق كُتاب السيَر على سلمان الفارسي رضي الله عنه صفة (الباحث عن الحقيقة)، ولك أن تتابع قصته يرويها بنفسه كما جاء في حديث رواه الإمام أحمد بإسناد حسن عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ حَدِيثَهُ مِنْ فِيهِ قَالَ: "كُنْتُ رَجُلا فَارِسِيًّا مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ، مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ مِنْهَا يُقَالُ لَهَا جَيٌّ، وَكَانَ أَبِي دِهْقَانَ قَرْيَتِهِ (أي رئيسها)، وَكُنْتُ أَحَبَّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حُبُّهُ إِيَّايَ حَتَّى حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ، أَيْ مُلازِمَ النَّارِ، كَمَا تُحْبَسُ الْجَارِيَةُ، وَأَجْهَدْتُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ حَتَّى كُنْتُ قَطَنَ النَّارِ (أي خادمها) الَّذِي يُوقِدُهَا لا يَتْرُكُهَا تَخْبُو سَاعَةً .. ثم يذكر كيف تحول إلى النصرانية .. وتنقل بين رهبانها .. وكيف صار عبداً عند يهودي .. وكيف أسلم .. ثم ختم قصته بقوله: فَشَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْخَنْدَقَ، ثُمَّ لَمْ يَفُتْنِي مَعَهُ مَشْهَدٌ".

- من استراتيجيات الوصول إلى الحقيقة ما يأتي:

خاص موقع هيئة علماء فلسطين في الخارج