لماذا يسارعون في اليهود؟

الإثنين 17 أغسطس 2020 10:05 ص بتوقيت القدس المحتلة

لماذا يسارعون في اليهود؟

د. عادل الحمد

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد،

فقد أعلنت دولة الإمارات العربية تطبيع علاقاتها بكل أشكالها مع اليهود المحتلين لفلسطين، والمتوقع أن تسارع بقية دول الخليج وغيرها من الدول العربية إلى مثل ذلك.

وإن كانت الحقيقة المرة أنه لا جديد في الأمر، إلا أنهم سيخرجون من العمل مع اليهود في الخفاء إلى العلن، فلا جديد في الحقيقة.

ولكن، لماذا هذا التسارع في اليهود؟! وما حكم ذلك؟ وماذا يأملون من هذه المسارعة؟ وما هي النتيجة الحتمية لهذه المسارعة؟

أما لماذا يسارعون إلى أحضان اليهود، فقد بينه الله عز وجل في كتابه، فقال: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ[

[المائدة: 51، 52]

فمسارعتهم إلى الارتماء في أحضان اليهود لها سبب عندهم وهي قولهم: ] نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ[، قال ابن كثير رحمه الله: ((أَيْ يَتَأَوَّلُونَ فِي مَوَدَّتِهِمْ وَمُوَالَاتِهِمْ أَنَّهُمْ يَخْشَوْنَ أَنْ يَقَعَ أمر من ظفر الكافرين بِالْمُسْلِمِينَ، فَتَكُونُ لَهُمْ أَيَادٍ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَيَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ)). (تفسير ابن كثير 3/ 121).

وهذا يعني أن المسارعين إلى أحضان اليهود، لهم حظوظ دنيوية يخافون أن تضيع عليهم، فهم يوالون اليهود، ويعقدون معاهدات الاستسلام معهم، لغرض شخصي لهم، وليس للأمة الإسلامية، ولا لأهل فلسطين، وهذا الغرض يعرف بحسب نوع المسارع إلى أحضان اليهود، فإن كان حاكما، كان غرضه المحافظة على كرسي الحكم، خشية أن يزول عنه.  

وهذا الخوف من زوال ما في أيديهم، مصدره عدم الإيمان بهذا الدين العظيم، قال السعدي رحمه الله: ((يقولون: إن تولينا إياهم للحاجة، فإننا ]نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ[ أي: تكون الدائرة لليهود والنصارى، فإذا كانت الدائرة لهم، فإذا لنا معهم يد يكافؤننا عنها، وهذا سوء ظن منهم بالإسلام)).

(تفسير السعدي 235)

نعم هذا هو السبب الحقيقي؛ أنهم لا يثقون بالله، ولا يصدقون بوعده، ولذلك يخافون على مناصبهم، فيسارعون في اليهود، قال محمد رشيد رضا رحمه الله: ((أَيْ نَخْشَى أَنْ تَقَعَ بِنَا مُصِيبَةٌ كَبِيرَةٌ مِمَّا يَدُورُ بِهِ الزَّمَانُ، أَوْ مِنَ الْمَصَائِبِ وَالدَّوَاهِي الَّتِي تُحِيطُ بِالْمَرْءِ إِحَاطَةَ الدَّائِرَةِ بِمَا فِيهَا. فَنَحْتَاجُ إِلَى نُصْرَتِهِمْ لَنَا، فَنَحْنُ نَتَّخِذُ لَنَا يَدًا عِنْدَهُمْ فِي السَّرَّاءِ؛ نَنْتَفِعُ بِهَا إِذَا مَسَّتِ الضَّرَّاءُ. وَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَخْشَوْنَ أَنْ تَدُولَ الدَّوْلَةُ لِلْيَهُودِ أَوِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ الْيَهُودُ عَوْنًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كَمَا ظَهَرَ فِي وَقْعَةِ بَدْرٍ وَالْأَحْزَابِ، فَيَحِلَّ بِهِمْ مَا يَحِلُّ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنَ النِّقْمَةِ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُوقِنِينَ بِوَعْدِ اللهِ بِنَصْرِ رَسُولِهِ، وَإِظْهَارِ دِينِهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ; لأَنَّهُمْ فِي شَكٍّ مِنْ أَمْرِ نُبُوَّتِهِ، لَمْ يُوقِنُوا بِصِدْقِهَا وَلا بِكَذِبِهَا، فَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَنْتَفِعُوا مِنْهَا بِإِظْهَارِهِمُ الإِيمَانَ بِهَا، وَأَنْ يَتَّخِذُوا لَهُمْ يَدًا عَلَيْهَا لأَعْدَائِهَا ; لِيَكُونُوا مَعَهُمْ إِذَا دَالَتِ الدَّوْلَةُ لَهُمْ، وَهَكَذَا شَأْنُ الْمُنَافِقِينَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ كَثِيرًا مِنْ وُزَرَاءِ بَعْضِ الدُّوَلِ مُنْذُ قَرْنٍ أَوْ قَرْنَيْنِ مَا بَيْنَ رُوسِيٍّ وَإِنْكِلِيزِيٍّ وَأَلْمَانِيٍّ فِي سِيَاسَتِهِ، كُلٌّ مِنْهُمْ يَتَّخِذُ لَهُ يَدًا عِنْدَ دَوْلَةٍ قَوِيَّةٍ يَلْجَأُ إِلَيْهَا إِذَا أَصَابَتْهُ دَائِرَةٌ، حَتَّى تَغَلْغَلَ نُفُوذُ هَذِهِ الدُّوَلِ فِي أَحْشَاءِ هَذِهِ الدَّوْلَةِ، فَأَضْعَفْنَ اسْتِقْلَالَهَا فِي بِلَادِهَا)). (تفسير المنار 6/ 356)

فما ترونه اليوم أيها المسلمون، من إبرام حكام دول الخليج لمعاهدات الاستسلام لليهود، لا يخرج عما قاله علماء المسلمين في تفسير آيات القرآن الحكيم.

ثم إن التعبير القرآني في وصف المسارعة دقيق جدا، قال تعالى: ]فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ[ ، قال الشوكاني رحمه الله: ((وَجَعَلَ الْمُسَارَعَةَ فِي مُوَالَاتِهِمْ مُسَارَعَةً فِيهِمْ لِلْمُبَالَغَةِ فِي بَيَانِ رُغُوبِهِمْ فِي ذَلِكَ حَتَّى كَأَنَّهُمْ مُسْتَقِرُّونَ فِيهِمْ دَاخِلُونَ فِي عِدَادِهِمْ)). (فتح القدير 2/ 58). وقال محمد رشيد رضا رحمه الله: ((فَهُمْ يُسَارِعُونَ فِي أَعْمَالِ مُوَالَاتِهِمْ مُسَارَعَةَ الدَّاخِلِ فِي الشَّيْءِ، الثَّابِتِ عَلَيْهِ، الرَّاغِبِ فِيمَا يُزِيدُهُ تَمَكُّنًا وَثَبَاتًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ]يُسَارِعُونَ فِيهِمْ[ وَلَمْ يَقُلْ يُسَارِعُونَ إِلَيْهِمْ)). (تفسير المنار 6/ 356)، وقال الألوسي رحمه الله: ((قِيلَ: فِيهِمْ؛ مُبالَغَةً في بَيانِ رَغْبَتِهِمْ فِيها، وتَهالُكِهِمْ عَلَيْها، وإيثارُ كَلِمَةِ (في) عَلى كَلِمَةِ (إلى) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في المُوالاةِ، وإنَّما مُسارَعَتُهم مِن بَعْضِ مَراتِبِها إلى بَعْضٍ آخَرَ مِنها)). (روح المعاني 3/325)

فلا يأتي أحد يزين للمنافقين فعلهم فيقول: (سلام الشجعان)، بل هي المودة المستقرة في قلوبهم لليهود والنصارى، والحقد على الإسلام وأهله.

وكتبه

د. عادل حسن يوسف الحمد

26 ذو الحجة 1441هـ

 

خاص موقع هيئة علماء فلسطين في الخارج