خواطر صيف5 صيف مصر الدامي

الجمعة 04 سبتمبر 2020 08:21 ص بتوقيت القدس المحتلة

خواطر صيف5 صيف مصر الدامي

مخلص برزق

خواطر صيف

صيف مصر الدَّامي

مخلص برزق

كنت تعرَّفتُ إلى الشَّيخ الدّكتور صلاح سلطان في زيارة له إلى سورية قبيل الرّبيع العربي، تهادينا خلالها نتاج عقولنا وثمرة فكرنا لتزداد أواصر المحبَّة والودّ فيما بيننا، فمثله يقتحم عليك القلب بلا استئذان. كانت هديّته القيِّمة كتابه النَّفيس "سورة الكهف.. منهجيّات في الإصلاح والتّغيير"، وعلى استحياءٍ منِّي قدَّمتُ له كتابي "هدي المصطفى صلّى الله عليه وسلّم في غرس حبِّ الأقصى"، وقد بشَّرني فيما بعد بأنَّه أتمَّ قراءته كاملاً، وزاد على ذلك الكرم بالثَّناء عليه.

ومع تفجُّر الأوضاع في كلٍّ من مصر وسورية، ساقتني الأقدار للاستقرار في أرض الكنانة، وهناك في مدينة نصر حططتّ رحالي على أمل أن يطول بقائي في القاهرة، وكان الّلقاء الأوّل به مفعماً بالعواطف، فقد اخترت أن أباغته يوم افتتاحه لفعاليّات "حركة أمناء الأقصى" التي أسّسها نكايةً في الحركة الصهيونيّة: "حركة أمناء الهيكل" المزعوم، فأتيته في قاعة ملحقة بمسجد رابعة "الشهيد"، ووجدته يحاضر في مجموعة كبيرة من الشّباب والفتيات المنتسبين والمنتسبات لتلك الحركة ليشرح لهم أهدافها ووسائلها وما عليهم من واجبات تجاه الأقصى.

جلست في أوَّل كرسيٍّ لقيته خلف الشّباب، فلمَّا لمحني توقَّف عن الكلام وهشّ وبشّ وتهلّلت أساريره، وتقدّم بقوّة نحوي بابتسامته الآسرة وعانقني عناقاً طويلاً قرأت فيه ما كان يقوله لي من قبل بأنَّه سيكرِّس بقيَّة حياته لحمل قضيّة المسجد الأقصى والتَّركيز عليها في تربيته للأجيال الصَّاعدة، وها هو يترجم ذلك عمليّاً مع أوَّل فرصة للحريَّة في بلدٍ لم تتنَّسم عبيرها عقوداً من الزَّمان.

كعادته الأثيرة إلى النَّفس فقد أصرَّ على نقل الكلمة لي، لأخاطبهم بقلبي قبل لساني، ولوهلةٍ خِلتُ بأنَّني أخاطب الجيش المتَّجه نحو القدس لتحريرها من الغزاة المحتلِّين، فهاجت بي المشاعر وتدفَّقت منِّي الأحاسيس، فأمطَرَتِ الأعين، وسرت الأرواح إلى الأرض المباركة، وما كان من الدكتور صلاح إلا اقتناص تلك اللّحظة، فطلب من الجميع ترديد قسم العهد والوفاء للمسجد الأقصى برهان صدقٍ وانتماء.

تكرَّر اللِّقاء بعد ذلك في عدّة محطاتٍ مقدسيّةٍ، كان منها خروجي معهم في مخيّم موسى عليه السَّلام، والذي أقيم في منطقة "سانت كاترين" بقلب سيناء، ووجدتني أتسلّق معهم جبل الطّور مستشعراً لهفة موسى عليه السّلام في لقاء ربّه، وهناك، ومع بزوغ الشّمس على قمة الجبل أذكر أنِّي حدَّثتُهم عن الرَّغبة الأخيرة لكليم الله موسى بأن تحتضن الأرض المقدَّسة جسده ولو رمية بحجر!

وماكنت لأنسى لحظات مؤثرة جداً مرَّت بنا في مخيم الفاروق عمر رضي الله الذي أقيم في مدينة العريش حين أمَّنا الدّكتور صلاح سلطان في صلاة الفجر أعقبها بوصيّةٍ وموعظةٍ باكيةٍ مُبكيةٍ، حثَّ فيها الحاضرين على الإخلاص والصَّبر والثَّبات والتَّجرّد.

ولَكَأنَّه كان يشعر بأنَّه سيكون آخر مخيّمٍ مقدسيّ قبل أن تطوى إحدى أجمل صفحات تاريخ مصر النَّاصعة البياض في ظل حكم الرّئيس المغدور مرسي رحمه الله، فما هو إلاّ أن عدنا، وإذ بالأحداث تتسارع بوتيرة عالية، وبشكلٍ لا منطقي وصولاً إلى وقوع الانقلاب الغادر.

تلك الأعين التي كانت تشعُّ عزماً وإصراراً على أن تكون رقماً صعباً في معركة تحرير المسجد الأقصى، رأيتُها محشورة في زاوية ضيّقة، وقد أحاطت بها قوَّات عسكر الخيانة والغدر، مدجَّجةً بحقدٍ أسودٍ وارتهانٍ للرَّغبة الصّهيونية في وَأْد الحُلم بعودة مصر طاهرة من دنس اتفاقيّات العار مع الكيان الصهيوني، واستعادتها مكانتها المرجوّة تقود ركب المنافحين المدافعين عن الأرض المباركة.

كان ذلك فجر يوم الأربعاء الرابع عشر من أغسطس 2013 عندما أتت نيران الحقد الباغية على مسجد رابعة العدويّة الذي تعالت فيه الأصوات من قبل تعاهد الله على إطفاء حريق الأقصى الذي أشعله الصهاينة في 21 أغسطس 1969.

كنت أرقب دخان تلك النيران من شرفة البرج السكنيّ المطلّ على شارع مصطفى النّحاس القريب من ميدان رابعة العدوية، في ذات الوقت الذي كنت أتابع فيه ما يتسرّب من أخبارٍ شحيحةٍ جداً على مواقع التَّواصل الاجتماعي، ولم يَطُل بي الزَّمان حتَّى اكتست أغلب المواقع بلون الدّم القاني وقد غطَّى كلَّ شيء، وذلك تزامناً مع العروج الكبير لأرواح الشُّهداء من سماء رابعة، كان من أوَّلهم حبيبة الأقصى.. الصَّحفيَّة الشَّهيدة حبيبة أحمد عبد العزيز، التي عبَّرتْ عن صدمتها من الكمّ الهائل من الإجرام الذي تحويه صدور أولئك الذين أشرعوا بنادقهم ليحصدوا برصاصات عبوديّتهم للسيسي أرواح الأبرياء الذين لم تكن جريمتهم إلا أنّهم قالوا ربّنا الله.. ولأنّهم رفضوا أن يكونوا عبيداً لمن نصّب نفسه فرعوناً جديداً لسان حاله يقول: "ما علمت لكم من إله غيري". فكان ممَّا كتبته على حسابها في "الفيسبوك" فجر المجزرة: "من حولي أناسٌ يُشع النُّور في وجوههم مع مسحة ربَّانية، وإنّ أكثر ما يؤلمني وجود معسكر في وطني يُصرّ على إطفاء هذا النُّور الرَّباني، فيا وجع القلب ويا لقسوة الظلم". وبعد ذلك بساعتين كتبت على صفحتها عبارة (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) أرفقتها بأيقونة وجهٍ مبتسم، لحظات ثمّ نالت منها رصاصة قنَّاصٍ فاجرٍ اخترقت قلبها وحقَّقت لها أمنيتها بنيل الشَّهادة.

رحلت كما رحلت الشَّهيدة أسماء صقر التي رأت الشَّهيد سعيد صيام يمدُّ يده إليها يدعوها إلى المجيء، وأنَّها تهمّ بالذَّهاب لولا أنَّ والدتها وزوجها يستوقفانها ويقولان لها: ليس الآن، ثمَّ تتكرَّر الرُّؤيا قبيل مجزرة فضّ رابعة، وتتلَّقى الدَّعوة ذاتها من الشَّهيد صيام، دون أن يمنعها أحدٌ هذه المرَّة! فاستبشرت خيراً بقرب تحقّقها، وهو ما حصل بالفعل مع أولى ساعات المجزرة وذلك برصاصة أصابت رأسها وهي تجلس إلى جانب زوجها المصاب في مستشفى رابعة فاستشهدت على الفور.

كان لي شرف الصّلاة على جثمانها الطّاهر في مسجد الشّهيد الشّربيني القريب من بيتنا، والذي كانت تُلقي فيه دروساً للفتيات والنِّساء عقب صلاة الجمعة، ويشاء الله تعالى أن تُشيَّع في جنازةٍ مهيبةٍ في ذات الوقت الذي كانت تعطي فيه دروسها، وودَّعَتْها الأرواحُ المُجهَدة والعيون الباكية والحناجر الغاضبة بعد أن وقفت خاشعةً أمام جثمانها المُسَجَّى الذي ألقى علينا آخر دروسها وأعظمها.

توالت الأخبار المفجعة عن ارتقاء العديد من الشهداء ممَّن عايشتهم في المخيَّمات والفعاليّات المقدسيّة، مع الأنباء المروِّعة للملاحقات الشَّرسة للشّيوخ والشَّباب والفتيات على حدٍّ سواء، ووقوع كثيرٍ منهم في الأسر، كان منهم الأسد القابع في عرينه الدكتور صلاح سلطان فكّ الله بالعزّ أسره.

لم يكن لي -وقد اشتدت حلكة اللَّيل وساد الظُّلم والظَّلام- من بُدٍّ في مغادرة تلك الأرض الظَّالِمِ عسكرها وكلّ من معهم ممَّن فوَّضهم ورضي بإجرامهم.

ما كان لي إلا أن ولَّيت ظهري لأرضٍ كنت أرجو ألاَّ أخرجَ منها إلاّ إلى بيت المقدس فاتحاً مهللاً مكبراً، يشاركني ذلك أبناء بررةٍ أطهارٍ منها لا يَقِلّون حرصاً منِّي على نيل شرف تحريره وإعادته شامخاً عزيزاً طاهراً لأحضان أمّته. خرجت -أو قل أُخرجتُ- من مصر وماكنت أملك لهم سوى دعاءً طويلاً لهم، أرفقته برسالة لمن ظلمهم وسامهم الخسف وسوء العذاب، أولئك الذين قتلوا ودمَّروا وأحرقوا وعاثوا في أرض الكنانة فساداً وإفساداً وأحالوها يباباً بلقعاً بعد أن كانت جنَّة وارفة الظِّلال. رسالة قد لا تصل إليهم ورقياً، ولكنَّهم حتماً ويقيناً سيقرؤونها سُنناً إلهيّة لا تخطئهم.

رسالة أُعلنُ فيها أنَّه قد تمضي سنة أو سنوات على الانقلاب، قد تُخبَّأ كلّ آثار الجرائم البشعة تحت التُّراب، قد تصادر الحريَّات بذريعة محاربة الإرهاب، قد يصبح الشَّعب كلّه أغناماً تفترسها الذِّئاب، قد تغلق بيوت الله ويكتنفها الخراب، قد ينتشي المجرم بالاغتصاب، ويظنُّ أن نجوم كتفه تقيه العقاب. قد يُرفع الصَّليب ويُمزَّقُ الكتاب، قد يُشرَّدُ الأخيار ويطول بهم الغياب، قد يُلقَى المرشد والمصلح والدَّاعية في الجِباب، وقد يُنفَّذ فيهم حكم الإعدام وتقطع منهم الرِّقاب، قد يَفرش أئمَّة السُّوء للسُّلطان كلّ عباءةٍ وجِلباب، وقد يُصدِّق الدَّجال أنَّه من خير الأجناد، ويَسلُبَ الحكمَ ليغدو رئيساً للبلاد، قد يرقص النَّاس له وتهلّل وسائل الإفساد، قد يستبشرون بعارضٍ يُمطرُهم كقوم عاد، قد يعمهون بسكرةٍ ويؤلِّهون الجلاَّد، وقد وقد وقد.. هي ثلّةٌ لابدّ يوماً في القريب بأن تُباد، هِي سُنَّة الجبَّار دوماً في إهلاك الظَّلمة الأوغاد، وسنظلّ نُعلنها على رؤوس الأشهاد.. إنَّ ربَّك لبالمرصاد، إنّ ربَّك لبالمرصاد، إنَّ ربَّك لبالمرصاد.

خاص موقع هيئة علماء فلسطين في الخارج