خواطر صيف13 صيف يحيى من بئر السبع إلى غزة

الخميس 24 سبتمبر 2020 01:16 م بتوقيت القدس المحتلة

خواطر صيف13 صيف يحيى من بئر السبع إلى غزة

مخلص برزق

رغم توالي النَّكبات على أمَّتنا إلاَّ أن نكبة فلسطين يبقى لها طعم خاص، فبمجرّد اقتراب منتصف أيَّار (مايو) لا نملك إلاَّ أن نحسّ بمرارةٍ وغصَّةٍ في حلوقنا وأسىً وحسرةً تحرق قلوبنا.. وتتراءى لنا أرضنا المباركة باكيةً حزينةً متَّشحةً بالسَّواد، فتخفق القلوب وتدمع العيون على أرض التِّين والزيتون.. وتعود ذكرى النَّكبة لنا بظلالها الكئيبة لتذكِّرنا من جديد بحقٍّ أضعناه وتاريخٍ مخزٍ كتبناه بتفريطنا بأرض الأنبياء والشُّهداء وسكوتنا على بقاء أحفاد حييّ بن أخطب وشاس بن قيس يسرحون ويمرحون في أرض الإسراء ومهوى قلوب الأتقياء.

كلَّما حلَّت ذكراها الثَّقيلة على نفوسنا لا نملك إلاَّ أن نتذكَّر كلماتٍ ورثناها عن آبائنا الذين عاشوا في ربوع فلسطين - الجنَّة التي أخرجنا منها – كقولهم: "أيَّار.. توت ومشمش وخيار" وقولهم: "أيَّار شهر الرَّياحين والأزهار".

ولأننا جئنا في جيل ما بعد النَّكبة فكم من أيّار مرَّ علينا لم نر فيه إلا الشَّوك والحنظل، ورياح السَّموم تسفي غبارها في وجوهنا ونحن نتجرَّع آلام الغربة ونعيش حياة التشرُّد والذلِّ بعيداً عن الوطن وأحضانه الدَّافئة.

في ذكرى النَّكبة تتجدَّد آلامنا دون أن نفقد الأمل الذي غرسه آباؤنا في صدورنا، وننقشه بدَورنا في قلوب أطفالنا، نرسم لهم فيه خارطة فلسطين من النَّهر إلى البحر، ومن رأس النَّاقورة حتى أمّ الرَّشراش.. خارطةً لا لبس فيها ولا غموض مطرَّزة بدماء زكيّة يزهو الشَّفق بلونها.

في دفتر الذِّكريات الخاصّ بي، امتزجت صورٌ رماديَّة حزينة عن النَّكبة بأخرى زاهية مشرقة سعيدة. إنَّه ذلك الدّفتر الذي وثَّقت فيه قصصاً قصَّتها والدتي عليَّ لأنقلها لأبنائي وأحفادي من بعدي.

كانت الفاجعة أعظم من أن تستوعبها العقول، تسارعت معها الأحداث بشكل "دراماتيكي" لم يتوقّعه أحد، هُزِمت فيه سبعة جيوش عربية ملأ صراخها عنان السماء، وأوهمت عنتريّاتها جموع الآمنين في بيوتهم وقراهم أنَّهم يركنون إلى ركنٍ شديد، وأنَّ عصابات اليهود ليسوا سوى أكلة جزور لن تصمد أمام جيش "جلوب باشا" (أبو حنيك) ومن معه من الجيوش اليعربية فَوَاق ناقة! غير أنَّ العكس هو الذي حدث تماماً، إذ تساقطت قرى ومدن فلسطين بأيدي المحتلِّين كما أحجار الدومينو، وسط ذهول أهلها وخيبة آمالهم بالذين عقدوا عليهم الآمال.

كان والدي الأستاذ يحيى برزق حينها يمتشق القرطاس والقلم، يقارع بهما الجهل والأمِّيّة في مدينة بئر السَّبع حاضرة النَّقب، حتّى إذا حلّ موعد رحيل الإنجليز في الرابع عشر من أيَّار/ مايو سنة 1948 وأعلن الصَّهاينة عن إقامة كيانهم عقبه مباشرة، تفجَّر الغضب الكامن في نفسه فاشترى بارودة بكلِّ الذي ادّخره من مال، وسارع للالتحاق بالمقاومين الذين اتّخذوا لهم ثكنة عسكريّة بين بئر السَّبع وغزَّة.

 لم يكن صيفاً عاديّاً يركن فيه المدرِّسون المتعبون إلى الرَّاحة بعد عامٍ دراسيٍّ مرهق، بل كان صيفاً مفعماً بالدّروس، لقنَّها هو ورفاق دربه لعصابات بني صهيون فما تجرّؤوا على الاقتراب من بئر السَّبع، وقد كان الطّموح لديه وإخوانه أن يتحوّلوا من وضعيَّة الدِّفاع عن بئر السَّبع إلى الهجوم المباغت لوكر المحتلّين في تلّ أبيب، وقد حقّقوا خلال ذلك الصَّيف ذلك لولا!!

لولا صدور قرارٍ دوليّ بوقف القتال بين جيش الاحتلال والجيوش العربيّة النظاميّة. وتمّ تحديد هدنة لمدة أربعة أسابيع. وحصلت الخديعة الكبرى التي أُعلن فيها حظر التَّسليح أو إرسال أيّ عددٍ جديدٍ من القوّات لجبهات القتال، فيما على أرض الواقع انهالت الأسلحة بصورة ضخمة للصّهاينة المحتلّين، من طلقات البنادق إلى الطّائرات المقاتلة، وتدفَّقت أعداد هائلة من يهود أوروبا للذّهاب إلى جبهات القتال.

تمَّ خرق الهدنة بعد أن اختلَّ ميزان القُوى بشكلٍ كبيرٍ جدّاً، لينساح جيش الاحتلال عبر الرَّوابي والوهاد ويلتهم أراضينا المباركة كخلايا سرطانيّة نهِمَة تبتلع كلّ الذي يقف أمامها، ليصل بعدها إلى منطقة الفالوجة التي كانت مقرّاً للقوّات المصريّة، وتمَّ له تطويقها بالكامل، ما أدَّى إلى إضعاف الجبهة الجنوبيّة التي كانت تقترب شيئا فشيئاً من تل أبيب، وإزاء تلك الهزيمة المنكرة التي أصابت الجيوش العربيّة أعلن مجلس الأمن هدنة ثانية في 21 يوليو، وقَبِل العربُ بها، وكان ذلك بمثابة اعتراف بالهزيمة المنكرة التي منيت بها جيوشهم.

لم يوهن ذلك من عزم والدي والمدافعين عن بئر السَّبع، فقد استمروا في مقارعة المحتلّين، وكانوا في مدٍّ وإقدام في مقابل جزرٍ وتقهقرٍ وإحجام لعصابات المحتلّين، غير أن الطامَّة الكبرى والكارثة العظمى كانت بإعلان النَّاطق باسم الجيش المصري عن سقوط مدينة بئر السَّبع بأيدي العصابات الصهيونيَّة في وقتٍ كان المدافعون عنها يلاحقون فلولهم ويكبِّدونهم الخسائر الفادحة بالأرواح والمعدَّات وذلك في 21 تشرين الأول/ أكتوبر 1948.

كانت نهايةً مفجعةً لصيفٍ كان يؤمّل أن تنضج فيه ثمار المقاومة تحريراً لأرض فلسطين من الإنجليز واليهود ووأد مشروع الوطن القوميّ الموعود لليهود، ولكنّه اختُتم بدمغة الذلِّ والهوان لكلّ العرب والمسلمين.

بقيت الغصَّة والألم والحسرة في حلق والدي الذي أقسم أن يستبقي شهادته أمام محكمة العدل الإلهيّة بأنّ بئر السَّبع قد أُعلن عن سقوطها قبل أربعة أيّامٍ كاملة من تسليمها للصّهاينة، وأنَّ الجيش المصريّ الذي كان يُفترض به أن يدافع عن فلسطين، لم يكتف بالنُّكوص والتَّقهقر أمام عصابات اليهود وتسليم الأرض المباركة لهم، بل إنَّه ارتكب جريمةً أخرى بانتزاع الأسلحة من أيدي المقاومين الفلسطينيّين والإعلان عن عقوباتٍ صارمة بحقّ من تضبط معه أيّ قطعة سلاح، وصلت إلى حدِّ الاعتقال والتّرحيل إلى القاهرة، مع قضاء ستّة أشهرٍ في سجن "أبو زعبل" أو "ليمان طرة"، يصحبها شتائم مقذعة هي أشدّ من سياطهم اللاّذعة بالاتِّهام ببيع الأرض لليهود!! وهو ما اضطر والدي للعودة أسيفاً كسيفاً إلى غزَّة موَلِّياً ظهره بئر السَّبع التي ولد فيها، ودرَّس فيها، وتوَّج ذلك كلّه بجهادٍ مريرٍ دفاعاً عنها، ثمّ هو يودِّعها قائلاً:

يالهُ يا بِئرَ سَبْعٍ مِن وداعِ

يومَ كالقَيْنةِ رامُوا أن تُباعي

كم بكينا فيه من فَرط الضَّياعِ

ولثَمْنا التُّرب أمْسَى للأَفاعي

أيُّ عارٍ يوم نَكَّسْنا البُنُودا

عاد من بئر السّبع إلى بلدته غزَّة ليجدها قد تحوَّلت إلى مأوىً كبيرٍ للَّاجئين الذين فرّوا من المجازر المروّعة التي رافقت تلك الحقبة السَّوداء من تاريخ أمَّتنا، ما جعل شواطئ غزّة تمتلئ بخيام اللاّجئين المشرَّدين من حيفا ويافا وعسقلان وسائر مدن وبلدات فلسطين الذَّبيحة.

تحرَّكت مشاعره لهم وهو الشَّاعر الذي ملأ فضاء فلسطين حبّاً وهياماً بأرضها وبحرها وسمائها وأهلها، فبكاهم بكاءً مرّاً في أشعاره الحزينة، غير أنَّه ورفقاء القلم والسِّلاح لم يركنوا إلى الدُّموع يسكبوها على أوتاد الخيام، فقد أقاموا مدارس من خيامٍ لأطفال اللاّجئين كي لا يفترسهم "غول" الجهل، الأشدّ فتكاً من أيّ عدوٍّ متربّص. وكان المقابل الذي تقاضاه أولئك المدرِّسين الذين واصلوا ليلهم بنهارهم متنقِّلين من مخيمٍ إلى مخيم، عبارة عن معلّبات فول، و"خيشة" بصل، كان يجتهد الوالد في توزيعها على المحتاجين القابعين في تلك الخيام التي كان حريصاً على تلمّس احتياجاتهم للتَّقليل من آثار نكبتهم وفاجعتهم، ومن ذلك أنَّه مرّ ذات ليلة بخيمة، وإذ بها امرأة قد أتاها المخاض ولا من يعتني بها أو مَن يقوم بتوليدها، فما كان منه إلا أن أحضر لها قابلةً ووفَّر لها كل ما تحتاجه من مستلزمات، ولمَّا اطمأنَّ إلى أنَّ المولود قد خرج إلى الدّنيا سليماً مُعافى همّ بالانصراف، فاستوقفه أصحاب الخيمة، وسألوه عن اسمه ليطلقوه على مولودهم كشيءٍ من ردِّ الجميل له!!

لم يقف الأمر عند ذلك فممَّا تعتزُّ والدتي به وتسعد بالحديث عنه، قصّة زواجها الميمون من والدي -رحمه الله- وعلاقته بما لعبه والدي من دورٍ في إغاثة اللاَّجئين، فحيال كارثةٍ هائلةٍ ضاقت الحِيَل عن معالجتها، ما كان منه إلا أن ابتكر وسيلة للتَّخفيف من معاناتهم، وذلك بتبنِّي ما أسماه مشروع "رغيف خبزٍ لكل لاجئ"، من خلال المرور على أفران غزَّة فرناً فرناً، والطَّلب منهم تخصيص رغيفٍ واحدٍ من كلِّ (طبلية) وهي الخشبة التي يفرد عليها عجين الخبز ليختمر قبل إدخاله الفرن، الأمر الذي استحسنه الخبَّازين وأثنوا عليه، فكان يمرّ على تلك المخابز ويجمع منهم الخبز ثم يوزِّعه على اللاّجئين. وكان أن لمحه جدِّي التَّاجر عيسى البدري رحمه الله من متجره ذات يومٍ صائفٍ وهو ينتظر في حرِّ الشَّمس عند أحد الأفران إلى حين انتهائهم من تجهيز أرغفة اللاّجئين، فعرض عليه الانتظار في الظلّ داخل محله. وكأنِّي به يُحاكي ما جاءت به الآية في سورة القصص عن موسى عليه السّلام، وقد أوى إلى الظلِّ بعد أن عمل المعروف وسقى للضَّعيفتين وهو يتمتم بالدّعاء "ربِّ إنِّي لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقير".

كانت فرصةً سانحةً سأله فيها جدِّي عن الذي كان يفعله وعن اسمه وأهله، فلمَّا قصَّ عليه القصص، مازاده ذلك إلا إعجاباً وافتخاراً به، ودارت بعدها الأيام ليأتي مَن ينصح والدي بالتَّقدم لخطبة ابنة ذلك التَّاجر الغزيّ البدري، وما هو إلا أن طلب يدها فما تردَّد والدها لحظةً بالموافقة، إكراماً لما قام به والدي من عملٍ خيريٍّ إغاثيٍّ فريد بحق اللاّجئين.

كان والدي على موعدٍ مع صيفٍ مختلفٍ عن ذلك الصَّيف الذي أمضاه في بئر السَّبع يتغنَّى بالرَّصاص يُلعلع و"يزغرد" من فوهات بنادق الثّوَّار. كان على موعدٍ مع صيفٍ جميلٍ تعالت فيه زغاريد الفرح بإنشاء بيتٍ أوى فيه الثَّائر المكافح إلى عشّ الزَّوجيّة المبارك لتشاركه قرينته مسيرة جهاده الطَّويلة حتّى الرمق الأخير، ففي عام 1955 وتحديداً يوم السّبت السّادس عشر من شهر تمّوز (يوليو)، جمعهما عقد الزّواج، تبعه بعد شهر حفل الزّفاف، ليُثمر ذلك الزواج المبارك تسعة أبناء، أورثهم الغصَّة بفقد أرضنا المقدّسة وتدنيس مسجدها المبارك، أورثهم هويّته التي لم ولن ينفكُّوا عنها بعد أن رحل عنهم وقد انغرست جذورهم عميقاً في أرض فلسطين، وحملوا من بعده هم وذرِّيتهم أمانة التَّمسّك بكلّ ذرّة من ترابها وبذل الجهد والجهاد لتحريرها وتطهيرها من دنس الغزاة المحتلّين، يترنّمون بأبياته الشعريّة التي تغنّى فيها بفردوسنا المفقود، ورسم معالم الطّريق للعودة المظفّرة إليه بقدر الله الموعود.

خاص موقع هيئة علماء فلسطين في الخارج