زبدة السيرة المستنيرة ج1

الثلاثاء 29 سبتمبر 2020 01:46 م بتوقيت القدس المحتلة

زبدة السيرة المستنيرة ج1

د. محمد سعيد بكر

مقدمات مهمة
1- مفهوم السيرة:
هي: خط سير حياة النبي صلى الله عليه وسلم من مولده إلى وفاته، أو من مقدمات ما قبل الولادة الشريفة، إلى ارتدادات ما بعد وفاته المؤلمة لأصحابه وعموم أمته، وقيل بأن جزءاً من السيرة يمكن أن نطلق عليها سيرة، فالمغازي سيرة والشمائل سيرة والدلائل سيرة.
 

2- أهميتها:
وللسيرة مكانتها في حياة المسلمين، فهي جزء من المصدر الثاني من مصادر التشريع (السُّنة)، وهي تحكي الجانب التطبيقي لديننا العظيم، ومنها يقتبس المسلم ميادين الاقتداء بالنبي الأعظم، وبدراستها نحسن الرد والدفاع عن شخص النبي صلى الله عليه وسلم ودينه ومنهجه وطريقته وصحابته الكرام.
 

3- ضوابط التعامل معها:
وحتى نحقق الانتفاع من دراسة السيرة، فإنه لا بد من توفر نية الاقتداء بصاحبها، والانتباه لما فيها من روايات ضعيفة أو لا أصل لها، ومحاولة ربطها بالواقع الذي نعيش، ومحاولة استيعاب اجتماع الجانب البشري وجانب الوحي في شخصية النبي العظيم.
 

4- مصادرها وتدوينها:
أما مصادر تدوين السيرة وتاريخها، فقد كانت آيات القرآن أول توثيق راسخ لبعض أحداثها، وسجل رواة الحديث جوانب أخرى من السيرة ضمن مؤلفاتهم، حتى تم تدوين السيرة على يد محمد بن إسحاق ثم تلميذه عبد الملك بن هشام في كتب منفصلة، وجاء المؤرخون والأدباء فحملوا لنا السيرة بطريقتهم، ثم قام الفقهاء والمفكرون باستنباط فقهها وفكرها ودروسها، وقام المحققون بدور أصيل في تمييز صحيحها من ضعيفها.

السيرة النبوية خطوة بخطوة
5- قبل الميلاد:
حدثه جده عبد المطلب عن لحظة قدوم المغرور أبرهة الأشرم بفيله وجيشه العظيم لهدم الكعبة، إشباعاً لغروره وحتى يصرف الأنظار عن مكة الى بلده التي يحكمها .. وكيف عجز (جده) عن القيام بواجبه ودوره في حمايتها .. وقد أحال تلك المهمة لله (الواحد) سبحانه .. عندما قال: (للبيت رب يحميه).
ووصف له (جده) مشهد طيور نزلت من السماء تهلك ذلك المغرور وجيشه .. ولَم يكن يعلم أن من أرسل تلك الطيور لتحمي الكعبة سيحكي له الحكاية لاحقاً في سورة الفيل .. وأن هذه الحادثة سيكون لها دورها في استيقاظ فطرة بعض عُباد الأوثان، كما ستكون المانعة للفرس والروم من مجرد التفكير في غزو الكعبة أو هدمها لاحقاً.
 

6- شرف النَّسَب:
كان جده يعيش في مكة .. وله عشرة من الأولاد .. كان سيد مكة وزعيمها .. وكان قد فرح بعقد قران ولده عبد الله .. بآمنة بنت وهب .. ليجمع الله تعالى للحبيب صلى الله عليه وسلم شرف النَّسَب كله .. من عبد المطلب إلى هاشم الى عدنان إلى اسماعيل ولد ابراهيم عليهما السلام .. وكذلك الرسل تُبعث في نَسَب قومها.
والده الذي كان له مكانة كبيرة في نفس جده، وقد افتداه بمائة ناقة لنذرٍ نذره سابقاً .. وقد شاءت الأقدار أن يموت والده عبد الله وهو لا يزال في بطن أمه ..
 

7- ميلاد النور:
في ذلك العام (عام الفيل) شاءت إرادة الله أن يخرج الحبيب صلى الله عليه وسلم من بطن أمه، التي حدثته أنها رأت نوراً انبعث منها في الآفاق حينذاك .. لقد حظي شهر ربيع الأول بتلك الميزة عن باقي الشهور .. وكانت تلك الحادثة تهديداً مباشراً لكل من تسول له نفسه غزو الكعبة، فالكعبة على موعد قريب مع النبي الحبيب.
 

8- اختلاف تميُّز:
لقد كان اسمه مختلفاً عما تعارفت عليه قريش من الأسماء؛ محمد .. وما أدراكم ما محمد؛ فقد جعله الله نموذجاً بشرياً كامل الحمد لربه، محمود الصفات في الأرض والسموات .. صلى الله عليه وسلم.
وكأني ببعض الاختلاف في حياته بشكل مبكّر كان لحكمة أرادها الله تعالى لاحقاً .. فقد لقي حفاوة وترحيباً كبيراً ظهرت من جده وأعمامه بولادته .. كيف لا وهو اليتيم ابن ابن عبد المطلب .. وابن أخيهم الذي تجرعوا مرارة وفاته في شبابه.
 

9- كفالة وحضانة وشق الصدر:
لقد تعهد جده بكفالته وكانت ثويبة خادمة عمه أبو لهب حاضنته ومرضعته الأولى .. حتى جاءت أمه في الرضاعة (حليمة) السعدية .. تلك المرأة التي سعد بها وسعدتْ به .. وكان يرى السعادة الغامرة في وجهها؛ وهي ترى بركة الله تعالى في حياتها.
أربع سنوات قضاها الحبيب صلى الله عليه وسلم في مضارب البادية يتعلم فصاحتها، وينعم بجمال فضائها تحت سمع وعين أمه حليمة .. ووالده (زوجها) أبو كبشة ..
حتى جاء يومٌ كان صلى الله عليه وسلم يلعب فيه مع إخوانه في الرضاعة، إذ برجلين يطرحانه أرضاً ويشقَّا صدره ويخرجا منه شيئاً .. أدرك لاحقاً أنهما ملكان مبعوثان من الله تعالى لتهيئته لشيء عرفه لاحقاً ..
هذا الموقف أفزع إخوانه في الرضاعة .. وسبقاه إلى أمه حليمة وأخبراها بما حصل.
ارتبكت أمه حليمة وقررت أن ترجعه إلى بيت جده وحضن أمه ووالدته آمنة ..
 

10- يُتم الأم بعد الأب:
عاش الحبيب صلى الله عليه وسلم في كنف جده سنتين أخريين، حتى استأذنتْ أمه جده بأن تأخذنه لزيارة إخوانها في يثرِب ..
يثرِب تلك التي سيكون له معها شأن كبير في قابل السنين.
وفِي طريق عودته من يثرِب وعند وصولهما إلى منطقة الأبواء شاءت إرادة الله تعالى أن تُقبض روح أمه الحبيبة .. ليجمع الله تعالى عليه يُتم الأب والأم في موقف ظن للوهلة الأولى أنه محنة وحرجٌ، إذ بترتيب الله تعالى يحيله عليه إلى منحة وفرج ..
فلقد كانت العناية الربانية تأتيه بواسطة أمه .. واليوم تأتيه مباشرة وبلا واسطة .. صلى الله عليه وسلم.
 

11- يتم الجد وكفالة العم:
ترك الحبيب صلى الله عليه وسلم أمه في قبرها وقفل راجعاً إلى بيت جده، الذي زادت رقته وعنايته به لسنتين أخريين .. حتى كان موعد الجد الحاني مع ملك الموت .. وقد بلغ حينذاك ثمانية أعوام من عمره .. ليذوق حُرقة وفاة كبير العائلة وزعيم مكة وجده لأبيه .. عبد المطلب.
وفِي تلك اللحظة كان موعده مع قدر جديد رتبه الله تعالى له .. مع كفيل آخر سيكون له معه حكايات وحكايات .. إنه عمه أبو طالب .. كثير العيال، قليل المال ..
 

12- شعور بالمسؤولية:
وقد تحركت قيمة الشعور بالمسؤولية في نفس الحبيب صلى الله عليه وسلم فطلب من عمه أن يرعى الغنم لأهل مكة بأجرة يصرف بها على نفسي .. فامتهن رعاية الغنم .. وكم كانت شاقة ومتعبة تلك المهنة على ابن الثماني سنين .. لكن الله تعالى أعانه .. فوجد في رعايتها الأنس .. وتعلم شيئاً من فنون الإدارة والسياسة بشكل مبكّر .. صلى الله عليه وسلم.
 

13- في السوق:
واستمر الحال على ما هو عليه حتى بلغ الحبيب صلى الله عليه وسلم من العمر اثني عشر عاماً .. وقد وجد من عمه هرماً وتعباً وكثرة عيال .. فاستأذنه أن يشاركه في أعمال التجارة .. لعل فيما يجنيه من ربح مزيد تخفيف على عمه .. ونوع مشاركة له في إعالة أولاده ..
وهكذا دخل السوق .. وكم في السوق من إرهاق وتعب جسدي ونفسي .. وقد وجد نفسه في بحر من الغش والكذب والاحتيال والاحتكار والربا .. غير أنه وجد معية الله تعالى له في وقت مبكّر جعلت منه غواصاً ماهراً يدخل أعماق البحار، ويحصل على ما فيها من لؤلؤ ومحار وربح طيب وفير .. دون أن يصاب بلوثاته وجراحاته ودون أن يغرق بمائه وعُبابه .. حتى أجرى الله تعالى على ألسنة الناس وصفه بالصادق الأمين .. صلى الله عليه وسلم.
لقد وجد مشقة بالغة من أعباء الصدق والأمانة في بيئة كلها غش وخيانة .. لكنّ ما كان يراه من بركة كانت تغريه بمزيد من الشفافية والابتعاد عن الغش بصوره المتعددة .. صلى الله عليه وسلم.
 

14- رحلة ولقاء عابر:
ويُذكر أن الحبيب صلى الله عليه وسلم ارتحل مع عمه في طلب السوق والتجارة إلى الشام .. وكانت زيارات سريعة عابرة .. يُذكر أنه التقى على الطريق وفِي عجالة وكان شاباً يافعاً براهب نصراني اسمه بحيرى .. وقد علم لاحقاً أن هذا الراهب حذّر عمه من اليهود خوفاً عليه لأنه بحسب ما يعلم سيكون له شأن عظيم ..
ولكن لقاءه بهذا الراهب كان سريعاً جداً .. لا كما يزعم الزاعمون أنه قعد عنده زمناً أخذ عنه الرسالة والدين، فهذا محض افتراء سيُحاسبون عليه.
 

15- نقلة نوعية:
وفِي السوق شاءت إرادة الله تعالى أن تتعرف به سيدة شريفة اسمها خديجة .. وكانت صاحبة مال وتجربة، وقد طلبت إليه من خلال غلامها (ميسرة) أن يعمل لها في مالها بمساعدته، وكان يبلغ حينها عشرين عاماً تقريباً.
فكان البيع والشراء والأخذ والعطاء ..
وحلّت البركة وشهدت خديجة أمانته وصدقه .. وكانت تبلغ من العمر أربعين عاماً .. وكانت قد تزوجت سابقاً برجل توفي عنها ورجل آخر طلقها .. فهي امرأة ذات خبرة اقتصادية واجتماعية ومكانة رفيعة في قومها ..
 

16- زواج ميمون:
وذات يوم جاءته جارية من قِبَل خديجة تعرض أن يكون زوجاً لخديجة .. فعرض الأمر على عمه (حمزة) الذي طلبها من عمها لتكون زوجة وشريكة حياة كريمة له.
خديجة بنت خويلد رضي الله عنها .. تلك الكريمة التي واسته بنفسها ومالها، ورزقه منها الله تعالى الأولاد الذكور، وإن ماتوا في صغرهم، والبنات وقد عاشوا حتى شهدوا الرسالة، وماتوا على التوحيد والإيمان.
لقد هيأ الله تعالى للحبيب صلى الله عليه وسلم زوجة كريمة أعانته على التفرغ للتدبر، ومنحته من الصفاء الذهني بعيداً عن الشتات، ليبحث عن حلول لأزمة بل كارثة كانت مكة والعالم كله يتيه فيها .. ألا وهي أزمة الجفاف الروحي والوثنية السائدة وغياب التوحيد العريق .. صلى الله عليه وسلم.
 

17- إدارة الأزمات:
لقد كتب الله تعالى للحبيب صلى الله عليه وسلم القبول في قومه قبل أن يُبعث كرسول فيهم .. فكان ذات يوم عند بوابة من بوابات الحرم أوشك على دخولها إذ سمع أهل مكة يقولون: أتاكم الأمين .. إذ بهم يطلبونه لحلّ نزاع دام بينهم قرابة أربعة أيام حول آلية وضع الحجر الأسود في مكانه، بعد تمام بناء الكعبة، على إثر انجراف وهدم كثير تعرضتْ له .. وقد شاركهم قبل ذلك في البناء.
فألهمه الله تعالى حسن إدارة تلك الأزمة بأن طلب منهم أن يضعوا الحجر الأسود على ثوب كبير، وأن تأخذ كل قبيلة بطرف من الثوب ويرفعوه، ليقوم هو بحركة سريعة خاطفة بأخذ الحجر بيده الشريفة ووضعه في مكانه .. تلك المشاركة في إدارة أزمة دينية أو سياسية أو عشائرية ساهمت في زيادة رصيده في نفوس القرشيين .. وكأنها رسالة من الله تعالى لهم بأنه سيكون له دور طليعي لاحقٌ في حل أزمتهم بل وأزمة البشرية كلها .. صلى الله عليه وسلم.
 

18- حضور ومشاركات متنوعة:
هذا المشهد مع مشهد آخر كان قد شهده مع عمومته وهو ما يسمى بحلف الفضول وقبله حرب الفِجار، جعل له حضوراً في قومه .. فهو ليس غريباً عليهم، وهم يعرفونه جيداً في رعاية أغنامهم، وبيعهم وشرائهم، وحل مشكلاتهم، بل وفِي بعض اجتماعاتهم وأحلافهم ومعاهداتهم وبعض حروبهم ..
فقد شارك الحبيب صلى الله عليه وسلم ولو من بعيد بعضَ مشاركة في حرب الفجار ضد قبائل ارتكبت محظورات في الحرم، وشارك في حلف الفضول وقد تعاقدت عدة قبائل على نصرة المظلوم، فسعد لذلك وتحمس له كثيراً .. كل ذلك في مرحلة الشباب الفوار وهو لا يزال دون الثلاثين من عمره .. صلى الله عليه وسلم.
 

19- خلوة وتدبر:
وهكذا تمضي به الأيام وهو يراقب ما يجري من حوله .. فالبيئة القبلية لا تفتح أفقاً واسعاً لأبنائها خارج الصندوق المقفل .. ولكن الله تعالى ألهمه لاعتزالٍ نسبيٍّ في غار حراء .. ذاك الغار الكائن في جبل شاهق الارتفاع يطل على الكعبة من بعيد ..
كان يمضي فيه الليالي ذوات العدد، ثم يرجع إلى خديجة رضي الله عنها ويتزود ثانية ليعود ..
لقد حملت خديجة رضي الله عنها عنه عبء التجارة ورعاية الأبناء .. وهي تشعر أنه يبحث عن حلول ويفكر في أمر كبير .. لكنه لا يدري تحديداً من أين يبدأ .. لقد زاد الظلم ووأد البنات والزنا والربا، وصار عدد الأصنام حول الكعبة كثيراً .. والخمر يُسكر الناس فينسيهم ما هم فيه من بلاء ..
 

20- منطلق البعثة:
حتى حصل مع الحبيب صلى الله عليه وسلم ما لا يملك وصفه من شدته وثقله ومفاجأته.
لقد نزل عليه وهو في الغار جِبْرِيل عليه السلام .. كان لقاؤه الأول به مرعباً لأنه لم يتوقع لقاء أحد في الغار مطلقاً .. لم يكن يعلم من هو جِبْرِيل عليه السلام .. أخذه وضمه إليه ضمة شديدة تأكد من خلالها أنه لم يكن يحلم بل كان مستيقظاً منتبهاً .. كرر ذلك مراراً وهو يقول له: اقرأ .. والحبيب يردّ: ما أن بقارئ .. حيث لم يكن قارئاً ولا كاتباً .. ثم قال له: اقرأ بِسْم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق .. أدرك لاحقاً أن جِبْرِيل عليه السلام رسولٌ من الله تعالى لأنبيائه .. يحمل لهم الرسالة ويصاحبهم في بعض مراحل تبليغها.
لقد كان موقفاً مرعباً .. فنزل عن الجبل مسرعاً .. ولا يدري كيف نزل، وقد خشي على نفسه من الهلاك أو البلاء .. صلى الله عليه وسلم.

21- إدارة الموقف الملتبس:

وما أن وصل صلى الله عليه وسلم بيته حتى استقبلته خديجة الحبيبة رضي الله عنها، فطلب منها غطاءً وقلبه يرتجف .. ثم أخبرها بما حصل معه .. فكانت نِعم المرأة الحكيمة ..

وهي تحسن إدارة الموقف الملتبس .. حيث استدعت تاريخ علاقته بها، لتثبت أن ما حصل معه ليس شراً بل خير ..

لقد ذكرته بأنه كان واصلاً للرحم، ناصراً للمظلوم، مكرماً للضيف، معيناً للضعفاء ..

وكأنها تقول له: لن يخيب من كان هذا شأنه ..

لكنها بعدُ تريد الاطمئنان أكثر والكشف عن لغزِ ما حصل معه .. فأخذته إلى ورقة بن نوفل وكان من أبناء عمومتها .. وكان رجلاً قريباً من عالَم النبوات وقارئاً مطلعاً على تاريخ الرسالات .. ثم طلبت منه أن يحكي له ما جرى معه فأخبر ورقة بكل شيء .. صلى الله عليه وسلم.

22- تشريف وتكليف:

فما كان من ورقة إلا أن بشره وخوفه في الوقت نفسه .. بشره بأنه سيكون النبي الخاتم للبشرية .. وقد سعد بادئ الأمر؛ لا رغبة في الزعامة التي لم يكن يتوقعها مطلقاً، وإنما لأنه كان يبحث عن حل لأزمة الناس، فوجد في فكرة ومبدأ النبوة (طالما أنها جاءته كهبة من الله تعالى) فرصة لذلك ..

لكنه خوفه من تبعات تلك الرسالة والنبوة .. حتى أنه قال بأن خصومة القوم له ستبلغ حدها بإخراجه من بلده التي أحب .. وقد تذكّر كلامه بعد ١٣ عاماً، يوم الهجرة من مكة إلى المدينة .. صلى الله عليه وسلم.

ذاك الرجل الأصيل النبيل الذي تمنى لو كان شاباً لينصره .. لكنه مات بعد فترة وجيزة .. وقد أعلمه الله تعالى أن لورقة بن نوفل جنة أو جنتين.

23- حال جديد:

رجع صلى الله عليه وسلم بمعيّة خديجة الحبيبة .. بصورة غير الصورة التي ذهبا بها إلى ورقة بن نوفل .. فقد أدرك أنه نبي مرسل .. ثم فهم لاحقاً أنه خاتم الأنبياء والمرسلين .. تكليف في ثوب تشريف .. وتشريف في ثوب تكليف .. مسؤولية كبرى شاءت إرادة الله تعالى أن تُلقى على عاتقه ..

وقد بلغ من العمر أربعين عاماً .. نظر حينها خلفه وأدرك كيف أن الله تعالى جعله على عينه وهيأه بالمنح والمنع؛ ليكون جاهزاً لحمل أمانته ورسالته إلى خلقه .. صلى الله عليه وسلم.

24- إرهاصات ما قبل النبوة:

لقد تذكر صلى الله عليه وسلم أن حجراً كان يُسلم عليه قبل أن يُبعث .. وتذكر حادثة شق الصدر .. والبركة في بيت حليمة .. تذكر عصمة الله له من مجرد مساس الأصنام فضلاً عن الطواف حولها .. وبدأ يسمع عن ورود اسمه وحكاية بعثته في كتب أصحاب الرسالات السابقة، باعتبار أنهم كلهم بشروا أقوامهم به.

25- الوحي أنيس:

استشعر الحبيب صلى الله عليه وسلم أن رحلته ستكون ممتدة طويلة؛ لأجل ذلك كان التحضير الإلهي لها طويلاً.

بدأت آيات الرسالة تتنزل على قلبه ..

والوحي يلهمه ويرشده ويكلفه ويوجهه ..

صحيح أنه خافه للوهلة الأولى، لكن انقطاعه عنه فترة قصيرة سُميت بمرحلة فتور الوحي زاد من شوقه له، فكان كلما لقيه طلب منه أن لا يغيب عنه طويلاً، حتى فهم أنه لا يتنزل إلا بأمر الله الكريم العظيم.

26- مقصد الرسالة:

لقد وعى صلى الله عليه وسلم حقيقة وقيمة التكليف والرسالة تماماً .. لقد وقعت آية (وربك فكبر) موقعها من قلبه ووجدانه، فعرف أن تعظيم الله في نفسه وأهله وعشيرته والعالم كله هو واجبه ورسالته.

لقد امتنّ الله تعالى عليه وامتنّ به على الناس .. لقد أدرك أنه بشرٌ مؤيد بالوحي .. معصوم محفوظ محروس .. في الوقت الذي كان يخشى فيه على نفسه من التقصير أو التفريط في جانب الله تعالى.

لقد كان القرآن العظيم ثروته وزاده وعدته .. فبه وجد الإجابة على سؤلات سألها وسُئلها ..

لقد منحه الله تعالى تفويضاً بشرح وبيان كتابه فضلاً عن نقله بأمانة من أمين الوحي جِبْرِيل عليه السلام إلى العالمين .. صلى الله عليه وسلم.

27- منطلق الرسالة:

من تلك اللحظة .. بدأ العمل .. لقد كان التوحيدُ المنطلقُ من الشهادتين هو عنوان الرسالة الأول:

أشهد أن لا إله إلا الله .. فلا شرك ولا أصنام ولا وثنية .. وأشهد أن محمداً رسول الله .. فلا زعامة ولا قيادة ولا إدارة لصلاح البشرية سوى إدارة الحبيب صلى الله عليه وسلم بتفويض من الله مُلهمه وخالقه.

28- الخير فيمن سبق وصدق:

لم تتردد خديجة الحبيبة رضي الله عنها بسلوك درب الإيمان .. وآمن معها بناتها الطيبات .. وآمن عليٌّ ابن عمه أبو طالب وكان فتىً يافعاً .. وقد كان في حجره مكفولاً عنده .. وآمن صاحبه أبو بكر .. كان إيمان الأوائل معتمداً على أمرين اثنين:

 ⁃ثقتهم بصدقه صلى الله عليه وسلم وأمانته التي لم يعهدوا غيرها في حياته ومنطقه، وهذا من فضل الله تعالى عليه.

 ⁃انسجام ما جاءهم به مع فطرتهم النظيفة، وهذا من فضل الله تعالى عليهم.

ثم بدأت حلقات الإيمان تتسع .. فقد فهم كل مؤمن دوره في نقل الإيمان لغيره .. وكان يسعد ويبتهج كلما جاءه خبر بإسلام فرد جديد، على يدي صاحبه ورفيق دربه أبو بكر أو غيره من الأصحاب رضي الله عنهم.

فهذا عثمان بن عفان وأبو ذَر الغفاري وسعد بن أبي وقّاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله عنهم وغيرهم كلهم نالوا شرف السبق في الاسلام.

ومع اتساع حلقات الإيمان كانت تتسع حلقات السور والآيات التي تتنزل تعليماً وتطميناً له صلى الله عليه وسلم.

29- القرآن رفيق الطريق:

لقد كان لكل سورة حكايتها وظروفها .. ولعل الحبيب صلى الله عليه وسلم عجب لجبريل عليه السلام وهو يطلب منه ترتيب الآيات والسور بطريقة تختلف عن طريقة نزولها .. لكنه فهم أن النزول كان يناسب زمانه .. أما الترتيب النهائي (المصحفي) فيناسب كل الأزمنة بعده .. كيف لا وهو يعلم أنه لا نبي بعده.

كان القرآن في مكة يحكي قضايا الإيمان ويركز على إجابة شبهات المشركين ويرغّب ويرهّب المهتدين .. ويبني سلوكاً متيناً رفيعاً .. وكم كان يواسيه ويثبت قلبه آياتٍ كشف له ربه فيها بعض حكايات إخوانه الأنبياء .. صلى الله عليه وسلم

30- كتمان للإيمان:

بدأت قريش تشكّ بحركة غريبة على الرغم من حرصه الشديد على الإسرار والكتمان .. حتى لا يستفز عصبية قريش .. ولأنه حريص على السلم المجتمعي الذي يعينه على تبليغ الرسالة دون إزعاج من قريش .. لدرجة أن الحبيب صلى الله عليه وسلم كان يطلب من المسلمين الجدد الكتمان حتى عن إخوانهم .. وكان يطلب ممن يسلمون من خارج مكة أن يكتموا إيمانهم ويرجعوا لأقوامهم إلى حين ظهوره لاحقاً.

31- الأذى المبكر:

بدأت حملات الإيذاء للمهتدين الجدد .. ولكن في حدود ضيقة .. فالسادة متوكلون بتعذيب العبيد من المهتدين، والآباء متوكلون بتعذيب أبنائهم .. ولكن قريشاً كانت حريصة على سوقها وتجارتها؛ لأجل ذلك ما أرادت التصعيد .. بل قبلت أن يشتري أبو بكر رضي الله عنه عدداً من العبيد المهتدين ليطلق سراحهم ويخلصهم من إيذاء أسيادهم .. وكان هذا من أحب المواقف على قلبه .. صلى الله عليه وسلم.

فلقد حقق أبو بكر رضي الله عنه فكرة الإسلام الذي جاء ليحرر العباد من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد.

32- في دار الأرقم:

ولما رأى صلى الله عليه وسلم أن عدد المهتدين بدأ يكبر كان لابد من جمعهم في مكان واحد معروف لهم، وفي وقت محدد لتعليمهم، ونقل ما يأتي به الوحي من قرآن لهم، فوقع اختياره بتوفيق من الله وإلهامٍ على دار الأرقم بن أبي الأرقم ليكون فيها الملتقى .. صحيح أنه كان غلاماً صغيراً، لكن صغر سنه كان مموهاً لمشركي مكة .. فضلاً عن كون داره بالقرب من الصفا بعيداً عن وسط مكة ..

لقد أتى الله ببلال بن رباح كما أتى بعثمان بن عفان وَعَبَد الرحمن بن عوف وغيرهم من الكرام رضي الله عنهم، وكلهم يملك من الحماسة ليفتدي الإسلام بكل ما يملك.

33- نقلة نوعية من الكتمان للجهر:

بقيت الدعوة بالتهامس .. وهو صلى الله عليه وسلم أعلم بتعليم الله له أن رسالته عالمية .. وأن التهامس لا يناسب غاية وطموح تلك الدعوة الفتية .. فكانت مرحلةً .. لكنها لم تكن كل مرحلة .. وقد جاء الوحي بتكليفه بالصدع بالحق وإنذار العشيرة .. فخرج إلى الصفا ونادى القوم وجهر بدعوته ومن حوله عشيرته وعموم المهتدين .. صلى الله عليه وسلم.

لقد كان يعلم أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح .. لكنه الانصياع لأمر الله أولاً، ثم لإدراكه أنه ليس كل مفسدة درؤها أولى من جلب كل مصلحة .. وأنه لابد من تضحية ومبادرة لتمكين قيمةِ عالمية الرسالة .. فكان الصدع والجهر وما تبعه من إيذاء ..

34- إيذاء متقدم ومتنوع:

لقد بدأ الإيذاء برجل لم يتوقع منه صلى الله عليه وسلم سوى نصرته وإعانته، لكنه تعمد إيذاءه وإهانته .. إنه عمه أبو لهب .. وقد نزلت فيه وفِي زوجه أم جميل سورة المسد التي تعرفون .. "تبّت يدا أبي لهب وتب ..".

ثم تصدى لمحاربة دعوته كبراء القوم كأبي جهل وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وغيرهم .. وقد تعرض شخصياً لضربهم وبصقهم وأوساخهم ومحاولات خنقهم .. ثم اتهموه بالسحر والكهانة والشعر والجنون ..

35- طلب المعجزات:

ثم طلبوا معجزات وخوارق، فشقّ الله تعالى لهم القمر .. وكانت معجزته صلى الله عليه وسلم معجزة بيانية تناسب ذاك الزمان وكل زمان (القرآن العظيم).. وهم أهل لغة وفصاحة وبيان .. فكانوا يعترفون بجمالها وكمالها واختلافها عما عهدوه من شعر ونثر وسجع وغيرها ..

وطلبوا منه ذات يوم إزالة جبال مكة وتحويلها إلى أرض زراعية، لكن الله تعالى أخبر الحبيب صلى الله عليه وسلم بأنه إما أن يجيب طلبهم، فإن لم يؤمنوا  فإنه يعذبهم .. أو أن يصبر عليهم .. فكان يصبر ويحتسب ويدعو لهم .. صلى الله عليه وسلم.

ولا يُذكر سوى أنه دعا عليهم بالهلاك أو على بعضهم مرة واحدة أو مرتين ..

36- مساومات:

وكان من كيدهم ومكرهم أنهم ساوموه أكثر من مرة على ترك دعوته في مقابل أن يعطوه أموالاً ونساءً ومناصب .. ولكن الله تعالى كان يثبته، ويعده بالعوض، فقد وجده يتيماً وضالاً تائهاً وفقيراً .. فآواه وهداه وأغناه.

وليتهم اكتفوا بإيذائهم له دون أصحابه وأحبابه الذين وجدوا العنت والمشقة والحرمان والتعذيب ..

كانت سنوات الدعوة الأولى ثقيلة ثقيلة .. لكنها خرّجت قُرصاً صلباً من رجال ونساء حصلوا على الإيمان بصعوبة فلم يفرطوا فيه بسهولة ..

لقد كانت حصيلة المؤمنين بمكة قليلة لكنهم حموا الدين وحملوه في العالمين.

لقد كان يؤلم الحبيب صلى الله عليه وسلم أن يأتي على بعض أصحابه يُعذَّبون حتى الموت، ولا يملك إلا أن يقول لهم: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة .. صلى الله عليه وسلم.

37- تنفيس وتخفيف:

وفِي الوقت الذي كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يجد حرجاً وعنتاً كان الله تعالى يبعث له ما يبرد قلبه ونفسه .. فكان لقاؤه المتجدد بالوحي الكريم يكفيه ويشفيه ويشبعه ويرويه ..

وكان كل مهتدٍ جديد يبعث في نفسه أملاً كبيراً ..

ولقد ألهمه الله تعالى لأسلوب حكيم في استقطاب حتى الخصوم ممن كان يآمل هدايتهم .. وكان الناس يفقدون الأمل بذلك .. فكان الرجل يأتيه حاقداً وما يخرج من عنده إلا وهو الحبيب على قلبه .. فعبد الله بن سلام يترك يهوديته .. وصهيب الرومي يترك مجوسيته .. وضماد الأزدي يترك خصومته .. وعمر بن الخطاب يترك عنجهيته؛ وكلهم يعتنق الإسلام وينشره ويدافع عنه ويموت في سبيله .. رضي الله عنهم أجمعين.

38- إسلام الكبار:

لقد كان يوم إسلام عمه حمزة رضي الله عنه يوماً مختلفاً فقد أسلم حمية له .. ثم حمية للإيمان بعد أن لمسه وأدركه.

وكذلك كان يوم إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه رافعة معنوية لأصحابه .. وحتى هؤلاء لم يَسلموا من الإيذاء.

لقد كان يطمح بإسلام الأقوياء .. لكنه كان يعلم أن النصرة والرزق كذلك إنما تأتي ببركة الضعفاء ..

ولقد تعرض لعتاب ربه في صاحبه الأعمى ابن أم مكتوم حين أشاح بوجهه عنه رغبة في إسلام بعض كبراء قريش .. وقد جاء يسأله وكان في حوار معهم .. صلى الله عليه وسلم.

39- اعتراض وأذى ثم هجرة للحبشة:

لقد اعترضت قريش على الدعوة جملة وتفصيلاً فهم يشركون بالله، وينكرون اليوم الآخر، ويعترضون على القرآن والصحابة بمثل اعتراضهم على شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم.

لقد تضاعف الأذى فكانت فكرة الهجرة كمخرج للمهتدين من جهة .. ولفتح أفق جديد من آفاق الدعوة من جهة أخرى .. وكانت خيارات مكان الهجرة متعددة .. لكن توفيق الله تعالى وإلهامه له صلى الله عليه وسلم جعله يطلب من بعض أصحابه الهجرة إلى الحبشة .. فهاجروا في السنة الخامسة للبعثة ..

وكان قد علم بتعليم الوحي له وبحرصه على معرفة التوازنات السياسية مِن حوله أن فيها ملكاً عادلاً لا يُظلم عنده أحد، وهذا الترتيب أشبه بما يسميه الناس باللجوء السياسي اليوم ..

40- عودة ورجعة:

وقد أقاموا في الحبشة فترة وجيزة .. حتى أشيع أن قريشاً قد أسلمت، لأنه صلى الله عليه وسلم قرأ سورة فيها سجدة، فسجد من كان حول الكعبة معه سجود رهبة لا إرادي .. لا سجود إيمان حقيقي ..

وقد زعم بعض من سيخاصمهم الحبيب صلى الله عليه وسلم أمام الله تعالى بأنه داهن المشركين وقبل السجود لأصنامهم كي يسجدوا لله تعالى .. وهذا ما كان ولن يكون ..

المهم هنا أن أصحابه بلغهم إشاعة وخبراً مكذوباً يقول بإسلام قريش فرجعوا من الحبشة .. فعرف كفار مكة برجوعهم فتعرضوا لإيذاء مضاعف ..

لأجل ذلك سمح لهم النبي صلى الله عليه وسلم في السنة السابعة للبعثة بهجرة أخرى للحبشة .. ولكنهم كانوا في هذه المرة قرابة المائة؛ بين كبير وصغير وذكر وأنثى وتاجر وسياسي وسيد وخادم، ومن مختلف القبائل .. مما شكل ذلك خطراً على النسيج الاجتماعي في مكة ..

خاص موقع هيئة علماء فلسطين في الخارج