شهر صفر شهر الغزوة الأولى في الإسلام

الأربعاء 14 أكتوبر 2020 08:29 ص بتوقيت القدس المحتلة

شهر صفر شهر الغزوة الأولى في الإسلام

مخلص برزق

يُذكِّرنا شهر صفر بأنَّنا أمَّة لا تقبل الظُّلم ولا ترتضي أن تنام على الضَّيم. ففيه حدثٌ عظيمٌ في السِّيرة النَّبوية لم يأخذ حقّه من تسليط الضَّوء عليه، مع أنَّه كان حدثاً مفصلياً في التَّاريخ، افتتحت به سلسلة عظيمة من الأحداث تتالت بعده وتوالت، كان لشهر صفر نصيب منها.

إنّه شهر الغزوة الأولى لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، الغزوة التي بالكاد يُعرف اسمها أو تفاصيلها وما نتج عنها. غزوةٌ لا يعيرها كثيرٌ منَّا أيّ اهتمام رغم أنَّ فيها من العبر والدَّلالات ما يأخذ بالألباب.

سنواتٌ طويلة عانى منها أصحاب النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم من تسلُّط كفّار قريش عليهم دون أن يُؤذن لهم بالردّ على ذلك رُغماً عنهم، مع قدرتهم التّامة على الردّ، فهم أبناء بيئةٍ تربّوا فيها على الأنَفَة وعزّة النّفس، وما كان يحول بينهم وبين الردّ على الأذى جبنٌ ولا خورٌ ولا حرص على الدّنيا، فوالله ما كان إلاَّ الامتثال لأمرٍ إلهيّ بكفِّ اليد عن القتال.

كان لا بدّ للجهاد في سبيل الله الذي عدَّه النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم ذروة سنام الإسلام من أن يُصاغ في نفوس المسلمين بعيداً عن الذي اعتادوه من مُوجبات القتال ودوافعه، وبعيداً عن ظروف بيئتهم التي احتضنت كلّ أشكال القتال لأَجَلِّ الأسباب وأتفهِهَا، فحرب داحس والغبراء التي شاركت فيها العديد من قبائل العرب ودامت أربعين سنة، كانت بسبب خلافٍ تافه على سباقٍ للخيل، ومثلها أيضاً كانت حرب البسوس.

كان لابدّ من التّخلية قبل التّحلية وذلك من خلال تغيير كلّ مُنطلقات ودوافع القتال التي كانت في الجاهلية، ولأجل ذلك فقد خضع الصّحابة لاختبار قاسٍ شديد، ألزمهم بأقصى درجات ضبط النَّفس والانسلاخ من حظوظها بالكُليّة. ولأنَّه ذروة السّنام فقد تقيَّد بالانضباط التَّام بكلِّ ما يتعلّق به ابتداءاً وانتهاءً، وبكلِّ ما بين ذلك من تفاصيل صغيرة وكبيرة، فالكفّ عن القتال إنَّما هو بأمرٍ من الله وحده، والبدء بالقتال هو كذلك بأمرٍ منه وَحْدَه، وهو وحدَه الذي يحدِّد الذين نقاتلهم، والّذين لا نُقاتلهم. ومتى نقاتلهم وكيف ولماذا ومن المتكفِّل بالنَّصر والتَّثبيت.

تجلَّى كلّ ذلك في غزوة الأبواء، وهي الغزوة الأولى للنَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وكانت في شهر صفر من العام الثّاني للهجرة، وذلك تبعاً لما أورده ابن إسحاق في المغازي بقوله: "ثمّ إنَّ رسول الله ﷺ تهيَّأ لحربه وقام فيما أمره الله به من جهاد عدوِّه وقتال من أمره به ممّن يليه من المشركين. خرج رسول الله ﷺ غازياً في صفر على رأس اثني عشر شهراً من مقدمِهِ المدينة". قال ابن هشام: "واستعمل على المدينة سعد بن عبادة". قال ابن إسحاق: "حتى بلغ وَدّان وهي غزوة الأبواء". قال ابن جرير الطَّبري: "غزوة الأبواء ويقال لها: غزوة ودّان أيضاً، يريد قريشاً وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوادَعتْهُ فيها بنو ضمرة، وكان الذي وادعه منهم مخشى بن عمرو الضّمري، وكان سيّدهم في زمانه ذلك. وكان من أهمّ ما جاء في عقد الصّلح والمعاهدة أنْ يأمن بنو ضمرة على أموالهم وأنفسهم وأن ينصرهم رسول الله على كلِّ من يكيد لهم. وألّا يغزو بنو ضمرة رسول الله أو يعينوا أحدًا على غزوِهِ أبدًا. ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة بعد أن غاب عنها خمسة عشر يومًا، فأقام بها بقيّة صفر وصدراً من شهر ربيع الأوّل". قال ابن هشام: "وهي أوّل غزوة غزاها عليه السَّلام". قال الواقدي: "وكان لواؤه مع عمّه حمزة رضي الله عنه، وكان أبيض".

وكان من نتائج هذه الغزوة إظهار المسلمين كقوَّةٍ عسكريّةٍ لا يُستهان بها، وإرسال رسالةٍ إلى القبائل العربيّة مفادها أنَّ المسلمين على استعدادٍ تامٍّ للقتال والموت في سبيل نصرة هذا الدِّين وتبليغ هذه الرِّسالة السَّماوية العظيمة، وكانت بمثابة الإعلان القاطع الذي لا لبس فيه أنّ فترة كفّ اليد قد انتهت إلى غير رجعة، وأن أيّ اعتداء يطالهم لن يمرَّ مرور الكرام ولن يُتهاون بحقِّه وسوف يتمَّ الردّ عليه عسكريّاً.

وبالنَّظر إلى المسافة الكبيرة التي قطعها الجيش بعيداً عن المدينة المنوَّرة (250 كلم جنوب المدينة المنوَّرة)، فإنَّ ذلك يُدلِّل على ثقةٍ كبيرةٍ بالنَّفس، وفيها رسالة لأهل المدينة المنوَّرة مسلمين ويهود ومنافقين بأنَّ مجيء النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه إليها لم يكن للرُّكون إلى الدَّعَة والخُمول، وإنَّما كان مرحلةً لالتقاط الأنفاس للكرّ بعد الفرّ، وأنَّه قد تمَّ الانتهاء من ترتيب أوضاع المدينة لتكون حاضنة الدَّولة الإسلاميَّة التي لا تحدّها حدود المدينة أو تقف عندها. وتلك الغزوة كان في طيّاتها البدء في استكشاف ومعرفة الطُّرق المحيطة بالمدينة، والمسالك المؤدِّية إلى مكَّة للبدء في حربٍ طويلةِ الأمد، تجري بنَفَسٍ طويلٍ وإعدادٍ مُحْكَمٍ مع كفَّارِ قريش، يتمُّ خلالها عقد المعاهدات مع القبائل التي تقع ديارها عند تلك المسالك والطّرق، مع إيصال رسائل قويَّة إلى قريش، أنَّ المسلمين ليسوا شرذمةً ضعيفة، أو أنَّهم مجرَّد أكلة جزور لن تصمد أمامهم فَوَاقَ ناقة، وبأنَّه قد آن أوان دفع ثمن غطرستهم وظُلمهم وتعدِّيهم وإخراجهم للمسلمين من ديارهم، واستيلائهم على دورهم وأموالهم. آن أوان زوال الضَّمان الإلهيّ عنهم "الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف"، ليحلَّ عليهم الخوف على قوافلهم ولقمة عيشهم، واستشعار الخطر على اقتصادهم وأسباب معايشهم، واستشعار خطر المواجهة العسكريّة مع القوَّة الصَّاعدة للمسلمين والقبائل المتحالفة معهم. كلُّ ذلك جزاءً وفاقاً على كفرهم وصدِّهم عن سبيل الله.

وقد كان في تلك الغزوة رسائل أخرى للمنافقين واليهود بأنَّ المسلمين قد صَلُبَ عُودُهم وأنَّ لديهم من القوَّة في المدينة ما يتيح لهم الخروج للغزو خارجها وهم مطمئنُّون إلى أنَّ أيّ محاولة لزعزعة الاستقرار فيها لن يكتب لها النَّجاح.

وقد كان منها أيضاً رسالة واضحة بيِّنةً لأتباع هذا الدِّين، بأنَّ قائدهم صلَّى الله عليه وسلَّم  هو أوَّل المبادرين لخوض سلسلةٍ طويلةٍ من الغزوات والمعارك، وأنَّه لن يتخلَّف أو يضنَّ بنفسه عن الجهاد في سبيل الله، ولا عجب، فهو الأسوة الحسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر. وأوَّل غزوة في الإسلام لا يمكن إلاَّ أن يُسَجَّل حضوره فيها، غزوة ودَّان (الأبواء) تشهد بخروجه بنفسه مجاهداً في سبيل الله، فهو القائل صلّى الله عليه وسلّم: (والذي نفسي بيده لولا أنَّ رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلَّفوا عنِّي، ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلَّفت عن سريّة تغزو في سبيل الله، والّذي نفسي بيده لوددت أنِّي أُقتل في سبيل الله، ثمّ أحيا، ثمّ أقتل، ثمّ أحيا، ثمّ أقتل، ثمّ أحيا، ثمّ أقتل) صحيح البخاري.

مئتي راكبٍ وراجلٍ من المهاجرين تحت إمرة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يخرجون من المدينة المنوَّرة قاصدين الأبواء، ولماذا الأبواء؟ إنَّه سؤال وقفتُ عنده طويلاً طويلاً.

رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم يُخرِجُه قومُه من أحبِّ بلاد الله إليه، فتكون أوَّل وجهة يخرج إليها غازياً بعد استقراره في دار الهجرة مكان له خصوصيّة كبيرة لديه، إنّه المكان الذي يحوي قبر أمِّه آمنة، وفي ذلك رسالة مؤثِّرة جدّاً ولها دلالات لا تخفى، أنَّه الأحقُّ بتلك الدِّيار ممَّن أخرجه منها ظُلماً وعدواناً. ولأنَّه لا يقاتل لأجل القتال، ولا يريد لأصحابه وأتباع هذا الدِّين أن يفعلوا ذلك، فقد اختار هدفاً مهمّاً واستراتيجيّاً، فالأبواء عنق زجاجةٍ تَمرُّ منها قوافل قريش مِنْ وإلى الشَّام، وفيها قبائل ضمرة، وأيُّ تحييدٍ لموقف تلك القبائل أو استمالةٍ لها يعدّ كارثة محقَّقة لقريش. وإمكانيّة ذلك كبيرة، كونها ترعى قبر أمّه وتعرِفُ مكانَةَ ابنها وأصالته، ولربَّما كان قد مرّ بهم خلال متاجرته بمال خديجة رضي الله عنها في الشَّام قبيل البعثة النّبويّة.

إنّه خرج غازياً مجاهداً في سبيل الله، وقد أخذ الإذن من الله بالقتال ومع ذلك فإنَّه يُقدِّم الصُّلح على القتال، والموادعة على المناجَزَة، ما دام في ذلك مصلحة للدِّين أكبر من المفسدة، وهي الرِّسالة الّتي حملها أصحابه من بعده، أنَّ هداية النَّاس وقبولهم الانضواء تحت حكم الدَّولة الإسلاميّة أوْلَى من قَتْلِهم وقِتالهم.

تلك كانت أبرز العبر من نتيجة الغزوة الأولى لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقد اعتدنا على تقييم أهميَّة أيَّ اشتباكٍ بين فريقين أو طائفتين أو جيشين بحجم الخسائر في الطَّرفين، وأن نهمل أيّ أحداثٍ تدور بينهما إن انتهت بلا خسائر بشريّة أو ماديّة، علماً بأن القرآن اعتبر صلح الحديبية فتحاً عظيماً، رغم أنَّه لم ترق فيه قطرة دم واحدة، ولم يخسر كفّار قريش شيئاً يذكر.

أمَّا النَّتائج العظيمة الأخرى التي ترتَّبت على تلك الغزوة، والتي لم يتعقّبها الكثير من شرّاح السِّيرة، منها ما يتعلَّق بعلاقتها بغزوة بدر الكبرى، فقافلة قريش التي كانت قادمة من الشَّام سلكت طريقاً قريباً من منطقة بدر، وحين شعر أبو سفيان بالخطر ابتعد عن طريق بدر سالكاً الطَّريق السَّاحليّ بعيداً عن الأبواء رُغم بُعدها عن بدر، وهو ما يعدّ مؤشِّراً على آثار غزوة الأبواء وخشية قريش النَّاجمة عن الاتِّفاق والمعاهدة المبرمة بين النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مع قبائل ضمرة، حتّى أنّ أبو سفيان لم يبعث لقريش ما يُشير إلى نجاة القافلة إلاَّ بعد وصوله إلى منطقة الجحفة التي تجاوز فيها منطقة الأبواء زيادةً في الاطمئنان والحذر.

كانت غزوة ودَّان (الأبواء) أوَّل غزوة للمسلمين بعد الإذن بالقتال وكان لافتاً ألاَّ يخرج فيها إلاَّ المهاجرين مع النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلّم، وفي ذلك رسالة مهمّة تعبِّر عن مدى ثقة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالأنصار الذين بايعوه على أن ينصروه ويمنعوه ممَّا يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم، وبالنَّظر إلى أنَّ المدينة كانت قريبة عهد بقيام الدَّولة الإسلامية وسط بحرٍ من المنافقين واليهود والأعراب المتربِّصين، فإنَّ الأنصار كانوا هم الأقدر في تلك المرحلة على التَّعامل مع تلك الفئات وما يمكن أن يصدر منهم من خروقات للوثيقة النبويّة التي نظَّمت العلاقة بين سكان المدينة المنوَّرة بما فيهم اليهود.

كانت الأبواء أوَّل الغزوات وكانت شديدة الارتباط بالشَّام بما يُمثِّله من شريانٍ حيويّ يمدُّ مكَّة بأسباب الحياة كما جاء في سورة قريش، وهو ما يمكن أن نقرأه في تركيز النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم على كلِّ المنافذ من مكَّة إليه وتلك المؤدِّية منه إليها، فأكثر الغزوات والسَّرايا ارتبطت بذلك، لأنَّ فتح مكَّة كان يتطلَّب ذلك التَّكتيك العسكريّ الاستراتيجيّ الذي إن دلَّ على شيء فقد دلَّ على عمق العلاقة ورسوخها بين مكَّة والمدينة والشَّام.

إنَّه الشَّام الذي يمثِّل المسجد الأقصى مركزه وقلبه النَّابض ومصدر بركته. والأمر لم يقف عند الغزوة الأولى أو فتح مكَّة، فكما كانت الغزوة الأولى مرتبطة به، فكذلك "تبوك" آخر غزوات النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم كانت إلى الشَّام، ومن بعدها كانت آخر وصايا النَّبي صلّى الله عليه وسلَّم العسكرية قبيل وفاته إنفاذ بعث أسامة إلى الشَّام.

خاص موقع هيئة علماء فلسطين في الخارج