لماذا يجب علينا أن نقف مع تركيا؟

الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 09:32 ص بتوقيت القدس المحتلة

لماذا يجب علينا أن نقف مع تركيا؟

مخلص برزق

الحرب الاقتصاديّة تشتدُّ وتَعظُم ضدَّ تركيا، وتتزاحم أطراف عديدة للمشاركة في تأجيجها وعلى رأسهم السّعودية والإمارات، ومعهم ومِن خلفهم الولايات المتّحدة الأميركيّة وبعض دول الاتحادّ الأوروبي. والآثار السلبيّة الأوليّة لتلك الحرب لا تكاد تخفى، انخفاضاً في سعر الّليرة التّركيّة مقابل الدّولار الأميركي، مع أمانٍ وآمال من تلك الأطراف أن ينعكس ذلك على الاقتصاد التركي برمّته في المدى القريب أو البعيد، وأن يؤدّي ذلك إلى قلاقل داخليّة تطيح بأمن واستقرار البلاد.

تركيا التي أصبحت دولة محوريّة في منطقةٍ ساخنةٍ تعجّ بالأحداث الخطيرة التي تمسّ العالم بأسره، نجحت فيها السِّياسة التّركية في خلط الأوراق على الطَّامعين المتربِّصين، وتمكّنت من إفشال خطط الدُّول الكبرى في حجز موطئ قدمٍ لها لاستنزاف ما بقي من خيرات البلاد التي دمَّرتها المؤامرات الخارجيّة التي استهدفتها لوأد ربيع الحُرِّية المنشودة من الشُّعوب المقهورة، وذلك بعد أن تمَّ إجهاض الثَّورات والبطش بأصحابها ومَن وَقَفَ خلفَها.

ولأنَّنا ما نزال في مرحلة المُدافعة والمُغالبة، فالمُحاولات على أشُدِّها لتنحية تركيا وتهميش دورها بل وإقصائه بالكليّة، وهو ما يستدعي التفاف الغيورين من أبناء هذه الأمَّة حول تركيا والدِّفاع عنها بكلّ الوسائل المشروعة كونها القوّة الوحيدة الباقية الحامية للضُّعفاء، الحاضنة لهم، بعد أن تكالبت قُوى الشَّر والاستبداد عليهم ولم يجدوا سوى تركيا ملاذاً لهم ومأوى.

وبين بلدان إسلاميّة كثيرة مستهلكة، تبرز تركيا كبلدٍ إسلاميّ مُنتِج، يعتمد في إنتاجه على ثروات البلاد ومواردها المحلية، وبأيدٍ عاملة محلية مؤهَّلة تأهيلاً عالياً.

إنّ المآلات الخطيرة المترتِّبة على نجاح الحملات المغرضة من النَّيل من تركيا يُحتِّم على علماء الأمّة بشكلٍ رئيس أن يكون لهم إسهامٌ جادّ وملموسٌ في مواجهة تلك الحملات الشَّرسة ومن ضمنها تلك الدّاعية إلى مقاطعة المنتجات التّركيّة، ومقاطعة السَّياحة إلى تركيا والاستثمار فيها، ومن شأن ذلك أن يلحق ضرراً كبيراً بذلك البلد المسلم، في مقابل التّرويج للتّطبيع مع العدوّ الصّهيوني والتّعامل التّجاري السِّرِّي والعلني معه، وهو ما يصبّ مباشرة في مصلحة العدو الذي بدا واضحاً أنَّه المستفيد الأكبر من تلك الحملات الخبيثة.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ الخيار الآخر لها يكمن في الترويج لاستبدال البضائع والمنتجات التركية ببضائع الصّين، البلد الذي يمارس الآن أبشع أشكال الإبادة الجماعية بحق الشعب الإيغوري الذي احتلت الصين أرضه تركستان وسلبته كافة حقوقه وحرياته.

إنَّ الترويج لمقاطعة المنتجات التركية إنَّما ينطوي على دعوة للفساد والإفساد في الأرض وتقطيع أواصر الأمّة وإضعافها من خلال موالاة الكافرين ومعاداة المؤمنين. وعلى علماء الأمّة الصَّادقين أن يرفعوا صوتهم ببيان حُرمة ذلك على غرار ما قام به الاتّحاد العالمي لعلماء المسلمين عام 2015 حين أصدر بياناً لدعم المنتجات التركية جاء فيه: "ندعو المسلمين (أفراداً وشركات وحكومات) إلى الوقوف مع تركيا في قضاياها العادلة، ونفتي بوجوب دعم المنتجات التركية، واقتصادها بكل الوسائل المتاحة تحقيقا للأخوة الإنسانية والجهد الواحد". ودعا البيان "الدول الإسلامية، والشعوب المسلمة، والشركات والأفراد جميعا إلى دعم المنتجات التركية وتقوية اقتصادها بالسياحة ونحوها، فلا يجوز شرعا ترك تركيا وحدها، لأنَّ ما أصابها اليوم من المقاطعة والعزلة إنَّما هو لأجل وقوفها مع الحقّ والعدل، ومع قضايا أمّتنا، مع السوريين والفلسطينيين، مع جميع المستضعفين في الأرض من ميانمار والصومال إلى العراق، ومصر، وليبيا، حتى أصبحت تركيا اليوم قبلة لجميع المظلومين" واعتبر البيان أن دعم تركيا واقتصادها بكلّ الوسائل المشروعة، "واجب إسلامي تقتضيه الأخوّة الإيمانية"، كما أنَّ هذا الواجب "يستدعيه الولاء للمسلمين والوقوف صفّاً واحداً، الذي تواردت عليه مجموعة من الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة".

ولابد هنا من ربط الأحداث بعضها ببعض لفهم أسباب تلك الحملات المغرضة في هذا الوقت تحديداً، فقد جاء توقيتها مع بدء فرض صفقة القرن على دول المنطقة تطبيعاً للعلاقات مع الكيان الصهيوني، ومحاربة ومحاصرة لكل من يقف في وجهها. وإنَّ أحد صور الهجمة التطبيعية الحالية التضييق على كل من يناصر القضية الفلسطينية وشيطنته، وذلك لتبرير ذلك التوجه الآثم نحو العدو الصهيوني، ومن ذلك ما حدث في زمن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من حصار لدولة قطر وقتل للمعارض جمال خاشقجي، واعتقال العشرات من الدعاة والمصلحين المعروفين بمناهضتهم للتطبيع مع الكيان الصهيوني، واعتقال أكثر من ستين فلسطينياً من المقيمين في السعودية بتهمة تمويل المقاومة في فلسطين، وكان الموقف التركي ضد جميع تلك الممارسات الظالمة التعسفية ما أدى إلى استهدافها إعلامياً واقتصادياً وسياسياً، وجاءت الأوامر الحاسمة بقلب ظهر المجنّ لها.

إنها إشارات لا تخفى على أي مراقب بأنَّ السعودية تسير على خطى الإمارات نحو التطبيع الكامل مع الكيان الصهيوني وصولاً إلى ممارسات حكام الإمارات المستفزة للأمّة بأسرها ارتماءً بأحضان بني صهيون وتغزلاً بأساطين الإجرام واستقبالهم في جزيرة العرب على أنهم حمائم سلام وادعة في ذات الوقت الذي يهاجم فيه أبناء فلسطين وتلصق بهم أقبح الصفات من قبيل نكران الجميل وجحود النعمة والإساءة لمن أسدى لهم معروفاً!! كل ذلك بالتزامن مع الحملة الموازية ضد تركيا قيادة وشعباً واتهامها بإشعال المنطقة والتخطيط لغزوها وإعادة ما يسمونه الإمبراطورية العثمانية مع اجترار ما يأتيهم من حثالات الغرب من أحقاد دفينة ضدها. كل ذلك لإشغال الشعب عن الجريمة الكبرى بالتطبيع الآثم، والتبرير لارتكابها بصناعة عدو لدود أشد خطراً من المشروع الصهيوني الذي عاشت الأجيال دهراً تناصبه العداء التاريخي.

إنها ليست أول محاولة لكسر إرادة المارد التركي الذي انتفض لإثبات ذاته وإعادة الاعتبار للمكانة الحقيقية التي تستحقها تركيا والشعب التركي والوقوف في وجه السياسات العنصرية الظالمة التي انتهجتها الدول الغربية ضدها منذ أكثر من قرن من الزمان. ورغم أن تركيا تبدي قوة وتماسكاً في وجه الرياح العاتية التي تهب ضدها إلا أن ذلك لا يبرر اتخاذ المسلمين في كافة أنحاء الدنيا موقف المتفرج لما يحصل من حرب شعواء تجاه ذلك البلد المسلم الذي بات الأمل المنشود لإعادة كرامة مهدورة وعزة مفقودة وحقوق مسلوبة.

على المسلمين جميعاً أن يصطفوا إلى جانب تركيا بكل استطاعتهم، بكلمة، بموقف، بعبارة شكر تغيظ الأعداء، ببيان وفتوى، باستثمار وسياحة وترويج للمنتجات والبضائع التركية، بمقاطعة منتجات الداعين إلى مقاطعتها جزاءً وفاقاً. مع يقين تام بأن قوة تركيا قوة لشعوبنا المستضعفة المغلوبة على أمرها، وتمكيناً ورفعة لهم، والوقوف إلى جانبها فيه تعبير عن العرفان بالجميل الذي طوقتهم به سياسات تركيا المنحازة إلى الضعفاء والمستضعفين في زمن أشاحت عنهم وعن معاناتهم أكثر دول العالم، ذلك الزمن الذي جفت فيه ينابيع الإنسانية وقست فيه القلوب فهي كالحجارة أو أشد قسوة.

خاص موقع هيئة علماء فلسطين في الخارج