مقام النبي الكريم وحكم سابّه والمطلوب منا

الأحد 25 أكتوبر 2020 10:31 ص بتوقيت القدس المحتلة

مقام النبي الكريم وحكم سابّه والمطلوب منا

د. عبد الرحمن حمد

وقفة تعريفية بمقام النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وحكم الاستهزاء به، والمطلوب منا أمام هذا الحدث:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

لقد تابعنا جميعا خلال الأيام الماضية ما قامت به دولة الحقد الدفين، وصاحبة السجل الإجرامي الطويل في التعدي على المسلمين -فرنسا- من التعدي على مقام سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، واستخفافها بمشاعر المسلمين في كل مكان، وأمام هذا الحدث لا بد من وقفة تعريفية بمقام النبي صلى الله عليه وسلم، وبيان حكم هذا الفعل الشنيع، وما المطلوب منا أمام هذا الحدث.

 لقد رفع الله مكانة نبيه صلى الله عليه وسلم دينا ودنيا وآخرة، فحاز  الأفضلية والمكانة والدرجة العالية التي لم يبلغها نبي مُرسل ولا ملكَ مُقرَّب، فكان سيد العالمين وخير الخلق أجمعين، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56]، وقال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب:6].

ولقد كرَّم الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أعظم وأعلى التكريم، ورفعَه وزكَّاه في كل شيء خُلقا وخِلقةٍ، فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) [الأحزاب: 45-46]، وقال سبحانه:(وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيم)ٍ (القلم: 4).

وأمَر سبحانه باتباعه صلى الله عليه وسلم وطاعتِه والإيمان به، فقال سبحانه: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}[الأعراف:158]، وقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة:92]، وقال تعالى: {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر:7].

وأمر سبحانه المؤمنين بعظيم الأدب معه صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ* إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} [الحجرات:2-3].

وحذَّر وتوَّعد سبحانه تحذيرا ووعيدا شديدا من إيذائه صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة:61]، وقال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء:115]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ}[محمد:32].

 ولذلك فإنَّ سبُّ النبي صلى الله عليه وسلم أو الاستهزاء به جريمة عظيمة، وهو من أعظم الضرر في الدين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه المشهور (الصارم المسلول على شاتم الرسول): "ولا ريب أن من أظهر سبّ الرسول وشتمَه فإنه يُغيظ المؤمنين، ويُؤلمهم أكثر مما لو سفكَ دماءَ بعضهم وأخذ أموالهم؛ فإن هذا يُثير الغضب للهِ والحِمية له ولرسوله، وهذا القدر لا يَهيج في قلب المؤمنِ غيظاً أعظم منه، بل المؤمن المُسدد لا يغضب هذا الغضب إلاّ لله" [الصارم المسلول ج: 2 ص: 46]، وقال أيضاً: "أما سبّ الرسول والطعن في الدين ونحو ذلك، فهو مما يَضرُ المسلمين ضرراً يفوق ضرر قتلِ النّفس وأخذ المال من بعض الوجوه، فإنه لا أبلغ في إسفال كلمة الله وإذلال كتاب الله، وإهانة كتاب الله من أن يُظهر الكافر السبّ والشتم لمن جاء بالكتاب..(وهو الرسول)" [الصارم المسلول ج: 2 ص: 453].

وقد اتفقت نصوص العلماء من جميع المذاهب والطوائف على أن سبَّه صلى الله عليه وسلم أو الاستهزاء به أو السخرية منه أو التنقُّص به كفرٌ مُبيحٌ للدم.

قال القاضي عياض رحمه الله بعد أن ذكر أمثلة وكلمات يُفهم منها الاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم: "فهذا الباب كله مما عدَّه العلماء سبّاً وتنقُصاً يجب قتلُ قائِله، ولم يختلف في ذلك مُتقدِمهم ومُتأخرِهم"، وقال أيضا: (جميع من سبَّ النبي أو عابه أو ألحق به نقصاً في نفسه أو نسبه أو دِينه أو خِصلة من خِصاله أو عَرّض به أو شبَّهه بشيءٍ على طريق السبِّ له والإزراءِ عليه أو البغض منه والعيب له فهو سابُّ له، والحكم فيه حكم السابِّ يُقتل، ولا نستثن فصلاً من فصول هذا الباب عن هذا المقصد، ولا نمتر فيه تصريحاً كان أو تلويحاً، وكذلك من لعنه أو تمنّى مضرةً له أو دعا عليه أو نسب إليه ما لا يليقُ بمنصبه على طريق الذم، .... وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن أصحابه وهلم جرًا" [الصارم المسلول ج: 3، ص: 978...وما بعدها].

وأما السابُّ الآثم الذي لا تصله يد المؤمنين في الدنيا لضعفٍ في المسلمين وهوانٍ وفرقةٍ وعدم وجود شوكةٍ ودولةٍ لهم، أو لاعتباراتٍ وموازنات معينة في تنفيذ الحكم، فإن يد الله العظمى لن تفلته، وسيأخذ عقوبته في الدنيا غير العذاب الأليم الذي ينتظره في الآخرة، فقد جاء عند البخاري ومسلم في صحيحيهما أنّ رجلا نصرانيا أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم أحيانا، ثم ارتدَّ وعاد نصرانيا، وأخذ يقول: لا يدري محمد إلا ما كتبت له،  فقصَمه الله وعاقبه عقوبةً خارجةً عن العادة، ليَتبين لكل أحدٍ افتراؤه، وليكون عبرةً لكل من تسول له نفسه التعدي على مقام النبي الكريم، وإليك نص البخاري في صحيحه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كانَ رَجُلٌ نَصْرانِيًّا فأسْلَمَ، وقَرَأَ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ، فَكانَ يَكْتُبُ للنبيِّ ﷺ، فَعادَ نَصْرانِيًّا، فَكانَ يقولُ: ما يَدْرِي مُحَمَّدٌ إلّا ما كَتَبْتُ له، فأماتَهُ اللَّهُ فَدَفَنُوهُ، فأصْبَحَ وقدْ لَفَظَتْهُ الأرْضُ، فَقالوا: هذا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وأَصْحابِهِ لَمّا هَرَبَ منهمْ، نَبَشُوا عن صاحِبِنا فألْقَوْهُ، فَحَفَرُوا له فأعْمَقُوا، فأصْبَحَ وقدْ لَفَظَتْهُ الأرْضُ، فَقالوا: هذا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وأَصْحابِهِ، نَبَشُوا عن صاحِبِنا لَمّا هَرَبَ منهمْ فألْقَوْهُ، فَحَفَرُوا له وأَعْمَقُوا له في الأرْضِ ما اسْتَطاعُوا، فأصْبَحَ وقدْ لَفَظَتْهُ الأرْضُ، فَعَلِمُوا: أنَّه ليسَ مِنَ النّاسِ، فألْقَوْهُ)، وعند مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:( كانَ مِنّا رَجُلٌ مِن بَنِي النَّجّارِ قدْ قَرَأَ البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرانَ وَكانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فانْطَلَقَ هارِبًا حتّى لَحِقَ بأَهْلِ الكِتابِ، قالَ: فَرَفَعُوهُ، قالوا: هذا قدْ كانَ يَكْتُبُ لِمُحَمَّدٍ فَأُعْجِبُوا به، فَما لَبِثَ أَنْ قَصَمَ اللَّهُ عُنُقَهُ فيهم، فَحَفَرُوا له فَوارَوْهُ، فأصْبَحَتِ الأرْضُ قدْ نَبَذَتْهُ على وَجْهِها، ثُمَّ عادُوا فَحَفَرُوا له، فَوارَوْهُ فأصْبَحَتِ الأرْضُ قدْ نَبَذَتْهُ على وَجْهِها، ثُمَّ عادُوا فَحَفَرُوا له، فَوارَوْهُ فأصْبَحَتِ الأرْضُ قدْ نَبَذَتْهُ على وَجْهِها، فَتَرَكُوهُ مَنْبُوذًا).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فهذا الملعون الذي افترى على النبي أنه ما كان يدري إلا ما كُتبَ له، قصمه الله وفضحه بأن أخرجه من القبر بعد أن دُفن مِراراً، وهذا أمرٌ خارجٌ عن العادة؛ يدل كل أحد على أن هذا الذي حصل معه هو عقوبة لما قاله، وأنه كان كاذباً، وإن الله مُنتقم لرسوله ممن طعن عليه وسبّه، ومُظهرٍ لدينِه إذا لم يُمكَّن الناس أن يُقيموا عليه الحدّ، ونظير هذا ما حدثناه أعداد من المسلمين العدول أهل الفِقه والخبرة عما جربوه مرات مُتعددة في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل الشاميّة لما حَصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا قالوا: كنا نحن نحصر الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر، وهو مُمتنع علينا حتى نكاد نيأس منه، حتى إذا تعرّض أهله لسبّ رسول الله والوقيعة في عِرضه تعجّلنا فتحة، وتيسَّر، ولم يكد يتأخر إلاّ يوماً أو يومين أو نحو ذلك، ثم يُفتح المكان عُنوةً، ويكون فيهم مَلحمة عظيمة، حتى إن كُنّا لنَتباشر بتعجيلِ الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه، مع امتلاء القلوب غيظاً عليهم بما قالوا فيه". الصارم المسلول (1/117) .
 ‏
 ‏فما المطلوب منا بعد كل هذا؟
 ‏المطلوب منا أن ننصر النبي صلى الله عليه وسلم نصرة حقيقة، وذلك:
 بصدق الإيمان به،
 وصدق التعرف عليه ودراسة سيرته،
 وصدق تعريف الأجيال والعالمين عليه،
 وصدق الاتباع له،
وصدق التأسي بهديه،
وصدق التبليغ عنه ونشر سنته، 
وكثرة الصلاة والسلام عليه،
وصدق محبته،
 ومحبة من يحبه، 
ومعاداة من يعاديه ويبغضه،
والبراء منهم ومقاطعتهم،
 وفضح زيفهم وتعرية كذبهم وادعاءاتهم بالحرية وحقوق الإنسان، وأنها مجرد شعارات يرفعونها ليحتلوا بها العقول والشعوب، وهم أول المتنصلين منها والمخالفين لها.
 ‏
 ‏وختاما أقول/ سبحان الله، مع ما يحصل جراء هذه المواقف من ألم وقهر في قلب المسلم إلا أنها توقظ الإيمان في قلوب كثير من المسلمين، وتزيد في إقبال الناس على محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى دينه، محبين راغبين، وهذا مصداق قول الله تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8)هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9).[سورة الصف:8-9].
 ‏
 ‏اللهم اجعلنا متبعين صادقين محبين لنبيك محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم وارزقنا رؤيته وشفاعته والحشر في زمرته وتحت لوائه. اللهم آمين
 ‏
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

خاص موقع هيئة علماء فلسطين في الخارج