القدس

الثلاثاء 27 أكتوبر 2020 09:10 ص بتوقيت القدس المحتلة

القدس

د. سعد البريك

عقود من المآسي والإحن تتوالى على أولى القبلتين، العام يتلوه عام، والعقد يتلوه عقد، واليهود جاثمون بكلكلهم على الأرض المباركة، كثير من الدماء نزفت، وكثير من الجماجم تطايرت، وكثير من الهامات سقطت، ولا زالت حتى هذه الأيام تنزف دماء عشرات من الشباب المسلم المجاهد دفاعاً عن طهارة القدس الشريف وصوناً لها من أن تدنسها أقدام اليهود حفدة القردة والخنازير أعداء الحق وقتلة الأنبياء، ولا غرابة في ذلك فمعركتنا مع اليهود ليست معركة سياسية ولا معركة محتل لأرض فحسب، بل هي معركة عقيدة قبل كل شيء، إنها معركة دفاع عن وجودنا وعن ديننا وعن شخصيتنا وعن أمتنا.

فمنذ أن أشرقت شمس الرسالة المحمدية لتخرج العالم من الظلمات إلى النور ومنذ اللحظة الأولى لإقامة دولة الإسلام في المدينة واليهود يكيدون للإسلام والمسلمين ويتربصون بهم الدوائر بغياً وحسداً رغم ما وجدوه في توراتهم من صفات النبي -صلى الله عليه وسلم- وشمائله الكريمة، ورغم اللين والتسامح اللذين عاملهم بهما، فنشروا الأكاذيب والتشكيك بهذا الرسول بل وتآمروا ضده ليقتلوه ضاربين كلَّ العهود والمواثيق التي كانت تربطهم به - صلى الله عليه وسلم - عرض الحائط، يقول - تعالى - مبيناً نواياهم وحقدهم وعداوتهم: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا) وقال - تعالى -: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم).

فالهدف بين اليهود والنصارى مشترك: هو حرب الإسلام للقضاء عليه ومحوه من الوجود، فلم ننس المجازر الجماعية التي نفذها اليهود التلموديون في بلدة الشيخ ودير ياسين وكفر قاسم وصبرا وشاتيلا ومذبحتي المسجد الأقصى والمسجد الإبراهيمي، حتى الذات الإلهية لم تسلم منهم فتطاولوا عليها بالشتم والانتقاص: (وقالوا يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا) ونشروا صورة خنزير وزعموا أنه النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -، واعتدوا على كتاب الله - تعالى - فمزقوا المصاحف، بل وجعلوا أوراقها للنفايات ومناديل لإزالة الأذى وحولوا الكثير من المساجد إلى خمارات ودور بغاء.

وعندما أراد الاستعمار النصراني الرحيل من بلاد المسلمين تحت ضغط مقاومة الشعوب المسلمة لجأ إلى زرع ورم خبيث يخدر جسد الأمة وينفث سمومه فيها تمهيداً للقضاء عليها فصدر الوعد المشؤوم المسمى وعد بلفور في الثاني من نوفمبر عام 1917 بإعطاء اليهود وطناً قومياً لهم في فلسطين، وبعد ثلاث سنوات صدرت الموافقة البريطانية على السماح لأول دفعة من الدخلاء اليهود لدخول فلسطين فدخلها في عام واحد (16500) مهاجر يهودي، ثم توالت الهجرة وتكاثر المهاجرون وأعلنوا قيام دولتهم عام 1948 واعترفت بها الدول النصرانية وغيرها، فاحتلوا 66 % من القدس ثم احتلوا ما تبقى منها عام 1967 وأقر البرلمان الإسرائيلي ذلك الاحتلال معلناً القدس العاصمة الأبدية لدولة إسرائيل ومن ذلك الحين واليهود يطبقون سياسة الأمر الواقع على الأرض للسيطرة على فلسطين عموماً والقدس خصوصاً وذلك بخلق أكثرية يهودية فيها وبالمقابل خفض عدد السكان الفلسطينيين إلى أدنى مستوى ممكن وذلك باعتماد أساليب الترحيل الجماعي بالقوة والحد من تكاثرهم ونموهم.

واستمرت هذه المحاولات حتى في ظل مفاوضات السلام المزعومة وبعد أن دخل الإسرائيليون والسلطة الفلسطينية مفاوضات الوضع النهائي حول مدينة القدس.

فمنذ عام 1873 قبل دخول الفوج الأول من الغاصبين اليهود الأوروبيين إلى فلسطين ولغاية عام 1944 انخفض عدد السكان الفلسطينيين في القدس من 70 % إلى 40 % وفي حرب 1948 أجلى اليهود حوالي 80000 فلسطيني كانوا يقيمون في المناطق المحيطة بالقدس.

واستمر الإجلاء الجماعي ففي حرب 1967 أجلت القوات اليهودية في أقل من أسبوع حوالي 26000 فلسطيني، كل هذا بهدف تغيير الخارطة السكانية للمدينة والسيطرة عليها بشكل كامل.

يقول بن غوريون: "منذ أن دمر الرومان القدس لم تكن أبداً يهودية كما هي عليه الآن، ففي كثير من الأحياء العربية في الغرب لا نجد عربياً واحداً ولا إخال أن ذلك سيتبدل".

كل هذا يجري مصاحَباً مع مصادرة أراضي وممتلكات الفلسطينيين فمنذ احتلال شرقي القدس عام 1967 صادر اليهود ثلث الأراضي الفلسطينية لإقامة مستوطنات عليها حول القدس ولا زالت هذه المصادرات مستمرة رغم ادعاءات الحكومة الحالية أنها لا تؤيد الاستيطان، بل إنها في الواقع فاقت سابقتها حيث وافقت على بناء 5752 وحدة سكنية جديدة في مناطق مختلفة، منها 2149 وحدة في القدس وما جاورها، كما يرفض اليهود إعطاء رخص البناء للسكان الفلسطينيين ويواصلون تدمير بيوتهم حيث هدموا أكثر من ألفي بيت لمنع التطور الطبيعي لسكان القدس وإجبارهم على ترك المدينة، هذا عدا مصادرة بطاقات الهوية الممنوحة للفلسطينيين ورفض تجديدها ووضع قوانين تحرمهم منها إذا أقاموا خارج المدينة، فقد صودر أكثر من 6000 بطاقة هوية ما بين عامي 1967 و1999 وتأثر بهذا الإجراء حوالي 25000 فلسطيني، هذا بالإضافة إلى تعطيل لمِّ شمل العائلات والحرمان من الخدمات الصحية والتعليمية من خلال تعقيد عملية إثبات الإقامة وطلب وثائق ودلائل يصعب حصرها.

وتبقى الإقامة الفلسطينية في القدس منحة وليست حقاً مشروعاً حيث تعطى لهم بصفة مؤقتة وتجدد بصفة دورية، أما اليهود الجدد فتمنح لهم الجنسية فوراً هذا عدا عن المعاملة غير الإنسانية التي يلقاها الفلسطينيون في وزارة الداخلية إذ ينتظمون في صفوف طويلة تحت الظروف المناخية الصعبة، والذين يحظون بمراجعة المسؤولين منهم 10 % فقط بينما يضطر الباقي للمراجعة عدة مرات.

وفي العام المنصرم تمت الموافقة على افتتاح 14 طريقاً التفافياً جديداً في القدس والضفة الغربية ولهذه الطرق هدفين.

الأول: تمزيق الأوساط السكنية الفلسطينية ومنعها من التواصل الإقليمي للدولة الفلسطينية المستقبلية، والثاني: تمكين المستوطنين الإسرائيليين من السفر على طرقات تلتف حول هذه المناطق.

أما القدس القديمة فتغيير المعالم الإسلامية فيها قائم على قدم وساق وذلك بالاعتداء على المعالم العربية والإسلامية فيها كما صادروا 116 دونماً من أملاك الوقف الإسلامية، أي ما يقارب 10 % من مساحة المدينة القديمة وصادروا العديد من المباني العمومية وانطلقوا في تهويد المناهج التعليمية حتى يتلاءم محتواها مع سياسة التوسع والعنصرية التي يمارسونها، أما المدارس الخاصة والغير خاضعة لوزارة التعليم اليهودية فقد تم تضييق الخناق عليها مالياً وذلك بتجفيف موارد التمويل ثم الضغط عليها لقبول التمويل الحكومي الذي يصاحبه الخضوع للشروط اليهودية للتعليم ولكن هذه المحاولات فشلت وبقيت هذه المدارس تعاني نقص الموارد المالية مما يجعل 30 % من طلاب المرحلة الابتدائية أقرب إلى الأمية منهم إلى التعلم، و40 % من طلاب المرحلة الثانوية يتركون الدراسة بسبب تدني مستوى التعليم وبسبب المسؤوليات المادية المترتبة على أسرهم.

وتم إغلاق جميع الطرق والمنافذ المؤدية إلى المدينة ومنع الفلسطينيون من دخولها بهدف عزلها عن باقي المدن والقرى. ويفرض على السكان الفلسطينيين ضرائب عالية جداً كالأرنونة - أي رسوم البلدية - ولكنهم لا يستفيدون من أية خدمات بالمقابل.

كل هذه المحاولات مدعومة بحرب اقتصادية شاملة بإغلاق الحدود والمنافذ وفرض الحصار العسكري على المناطق الفلسطينية فبلغت نسبة البطالة 30 % وأقفلت كثير من المحال والمؤسسات غير الحكومية والمؤسسات الثقافية أبوابها ورحلت عن المدينة.

أما الحالة الاجتماعية فليست أفضل بكثير، فهناك أحياء كاملة لا تستفيد من خدمات البلدية أبداً، ولا يسمح لهم بالدخول إلى القدس.

كل هذه المحاولات الماكرة الخبيثة يقوم بها اليهود ليتمكنوا من الاستيلاء على الأرض والمقدسات بهدف إقامة هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى، فاليهود يعتقدون أن أنقاض الهيكل موجودة مكان الأقصى، ويدأبون ليل نهار لتخريبه وتقويض أركانه، وقد اتبعوا في سبيل ذلك طرق وأساليب عديدة، ففي عام 1968 أضرموا النار في الأقصى بهدف هدمه وتخريبه، وارتكبوا مذبحتين داخل الأقصى أخراهما عام 1980 حيث قتل وجرح عدد كبير من المصلين، ولا تزال محاولات الاقتحام تتكرر المرة بعد المرة وفي كل مرة تسيل الدماء الزكية دفاعاً عن الأقصى وتقوم الحكومة بحفر الأنفاق تحت أرض الأقصى لتتزعزع أساساته ويتصدَّع بنيانه وقد وصل مجموع ما تم حفره من أنفاق إلى أكثر من 13000 متر، بالإضافة إلى منع إدخال مواد البناء والترميم إلى حرم الأقصى وآخر الأثافي ما فعله السفاح شارون الذي لم يرتوِ من دماء المسلمين التي أهرقها عام 1953 ففي هجمة واحدة قتل هو وأتباعه 69 فلسطينياً جلُّهم من النساء والأطفال وقاد وحدة مدرعات في حربي 1967 و 1973 وكان هو العقل المدبر لمذابح صبرا وشاتيلا حيث ذبحت الميليشيات النصرانية اللبنانية مدعومة من الجيش اليهودي مئات الأبرياء العزل كما تذبح النعاج على مرأى ومسمع العالم أجمع، قام هذا الخبيث وبموافقة من حكومة باراك بتدنيس رحاب الأقصى عندما دخله تحت غطاء أمني مشدد من القوات الخاصة التي تهيأ عادة لمواجهة الجيوش الغازية، مما ألهب مشاعر المسلمين فاندلعت المواجهات العنيفة بين المصلين واليهود واقترف اليهود مجزرة جديدة داخل الأقصى ذهب ضحيتها العشرات من الشبان سقطوا ما بين قتيل وجريح وامتدت المواجهات لتغطي كافة المناطق الفلسطينية واشتعلت الأرض تحت أقدام الغاصب المحتل.

تشير التقارير الواردة من فلسطين الجريحة إلى سقوط ما يقارب مائة قتيل سقطوا دفاعاً عن حرمة الأقصى سقطوا برصاص الحقد اليهودي الفاجر ليسطروا بدمائهم أروع أمثلة البطولة والمواجهة لحماية المقدسات، وبلغ عدد الجرحى أكثر من ألفين وخمسمائة جريح معظم إصاباتهم في الرأس والصدر حيث يقوم القناصة بصيدهم، وعمت المواجهات كافة المناطق المحتلة وتفجرت حرب غير متكافئة بين الجنود اليهود المدججين بأحدث الأسلحة وبين المجاهدين العزل الذين يحملون الحجارة ولا سلاح معهم إلا سلاح الإيمان الذي حيَّر اليهود وقذف الهيبة في صدورهم، واختلفت أدوات الجريمة اليهودية فلم يكتفوا بالرصاص المطاطي، بل لجأوا إلى الضرب بالهراوات والرفس لتحطيم العظام، ثم أخذوا يطلقون النار بلا وعي وبشكل عشوائي بل وصل بهم الأمر إلى فرض حصار بحري على الشواطئ الفلسطينية واستخدام الطائرات الحربية والدبابات والأسلحة الثقيلة، فلم يميزوا بين الطفل البريء وغيره حتى الرضّع نالوهم بأذى، (لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة وأولئك هم المعتدون) الطفلة سارة عمرها سنتان قتلها اليهود بلا ذنب اقترفته ولا حجر رمته قتلوها وهي جالسة في سيارة أبيها، وها هو الطفل محمد الدرة في الثانية عشرة من عمره يسقط برصاص الغدر والحقد اليهودي، حيث كان يختبئ مع أبيه خلف برميل معدني.

يقول أبوه أنه كان يحتضنه بقوة بينما كان صراخه يعلو، إلا أن الإسرائيليين واصلوا إطلاق النار عليه وعلى ابنه حتى بعد أن تأكدوا من أنهما أب وطفل عزَّل، وأضاف أن ابنه أصيب أولاً في ساقه ثم ما لبث أن أسكتته رصاصات أخرى عن الصراخ وعن الحياة، مات الولد وأصيب أبوه إصابات بالغة وأغمي عليه وعندما هب رجل الإسعاف لإنقاذهما قتله اليهود لتكتمل فصول الجريمة بحق هذا الشعب الأبي، فاليهود لا يميزون بين الطفل والمرأة والشيخ ورجل النجدة والإنقاذ حتى المستشفيات إذ قصفت الطائرات مشفى في مدينة نابلس.

ولم يكتف اليهود بكل ما اقترفوه بل أخذوا يقصفون ويهدمون عشرات المنازل ويحرقون السيارات ويدمرون منشآت الكهرباء والهاتف ليحرموا من تبقى حياً من مقومات الثبات والصمود.

ضجّت رحاب الأقصى وانتفض الثرى *** وتفجر البركان من تلك القرى

ومضى ينادي أمة قوامة *** لتدك صرح الغاصبين وتقهرا

لهفي عليك وللسياسة مكرها *** أتباع في سوق الطغاة وتشترى

ويباح عرض المحصنات ويقتل *** الأشْياخ والطفل البريء تجبُّرا

ويشيد أبناء القرود ببغيهم *** فوق الربوع الطاهرات معسكرا

ودم الثكالى واليتامى مهرق *** يجري على أشلائهم متحدرا

أتُداس أقداس الجدود تعنتاً *** ومساجد التقوى تهان وتزدرى

والمسجد الأقصى يخضب بالدما *** والكون كل الكون أعمى لا يرى

أيها الأحبة: إن دماء المصلين الزكيَّة التي أريقت بسلاح الغدر والجبن لتستصرخ وتناشد المسلمين أن يقوموا بواجبهم اتجاه إخوانهم المجاهدين في فلسطين الذين يدفعون ضريبة الدم لحماية المقدسات، هذه الدماء لم تذهب هدراً إنها رد بليغ على الأطماع والدسائس اليهودية، لقد أثبتت للعالم أجمع أنها مستعدة للذود عن مسرى الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الرغم من عدم وجود السلاح سوى سلاح الإيمان يا الله والثقة بنصره الموعود، فالقدس كانت وستبقى للمسلمين وسيبقى الأسرى تحت سيادة أهله وكل محاولات سرقته وتدنيسه ستبوء بالفشل بإذن الله، ولا يظنن ظان أن القضية تخص الفلسطينيين وحدهم، أو أنها قضية سياسية أو إقليمية، إنها قضية أمة بأكملها تنطق بلا إله إلا الله، وهذا يحتم علينا الوقوف إلى جانب إخواننا ونصرتهم وشد أزرهم والوقوف معهم صفاً واحداً ومدهم بكافة أنواع الدعم المالي والمعنوي والعسكري وتفعيل قضيتهم ونشرها بين الناس، وإزاحة التضليل الإعلامي الذي يفرضه اليهود على هذه القضية وفضحهم وكشف أهدافهم، والدعاء لهم بظهر الغيب، نريد أن نكون إيجابيين اتجاه هذه القضية لا ننتظر المجازر حتى تقع لكي نرسل المساعدات والإعانات، بل ينبغي أن يكون عنصر المبادأة بأيدينا، فالقضية قضيتنا وتعنينا، ليست قضية أرض إسلامية فحسب، بل قضية الأقصى أولى القبلتين ومسرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذا كان العالم الإسلامي فد اهتزّ وانتفض لهدم المسجد البابري في الهند وهذا أمر مطلوب مرغوب، أليس الأجدر والأولى بنا الوقوف مع قضية الأقصى والذب عنه بكل ما أوتينا من قوة؟.

(سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير).

والحمد لله رب العالمين..

نقلاً عن موقع سعد البريك

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة