الأسرى وأهلوهم.. ونحن!

الثلاثاء 27 أكتوبر 2020 01:20 م بتوقيت القدس المحتلة

الأسرى وأهلوهم.. ونحن!

د. منذر زيتون

بينما كثير منا يفكر كيف سيقضي يومه وليلته، أين سيذهب، ومن سيقابل، وماذا سيأكل، يتشهى تارة، ويتشكى أخرى.. يقطن هناك في سجون الاحتلال آلاف الأسرى في ظروف صعبة لا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى، يعيشون في غيبة عن العالم، لا يرون الشمس، ولا يعرفون متى تشرق ومتى تغيب، زنازين مغلقة، لا تفتح عليهم.. فإن فتحت فساعة من نهار، تتراكم عليهم الأمراض والأسقام من شدة التعذيب والإهانة ومن لظى البعد عن الأهل والأحباب.. هؤلاء لا يعيشون مثلنا، ولا يتذمرون مثلنا، ولا يأكلون مثلنا، لا يفكرون أين سيذهبون، ومن سيقابلون، ولا يعبؤون بكيف سيقضون أوقاتهم.. كل طموحهم أن تمر عليهم سنون العذاب الطويلة سريعاً.. عشرٌ.. عشرون.. ثلاثون، بعضهم محكوم عليه بمئة سنة في السجن، هل يعقل أن يحشر أحدنا في غرفة مظلمة سنوات تتضاعف عن سني عمره، تصوروا أن الأسير عبد الله البرغوثي محكوم عليه بسبعة وستين مؤبداً، أي عمر سيستوعب هذا العدد الهائل من السنوات..!

في الجزائر، في بلد المليون ونصف المليون شهيد، حيث يعرف الناس معنى العذاب، ومعنى المقاومة، ومعنى التضحيات، انعقد قبل سنوات مؤتمر دولي لنصرة الأسرى في سجون الاحتلال، تواجد فيه عشرات الأسرى المحررين، وعشرات من أهالي الأسرى القابعين الآن في السجون، جاؤوا يقولون للنخبة المجتمعة هناك إن آلاف الشبان والشيوخ والأطفال والنساء خلف هاتيك القضبان، يعذبون بصمت، ويبكون بصمت، وينتظرون بصمت، وقد لا يخطرون على بال أحد سوى أهلهم، جاؤوا يعلنون لكل الناس من خلال هذا المؤتمر: تذكروا أن هناك أشخاصاً يعيشون في الغياهب، قليل من يعلم بهم، وقليل من يشعر بشعورهم، وقليل من يهمه أمرهم.

وقف شاب أمام الجمع وقال: أنا ابن أيمن الشرباتي هل تعرفونه؟ إنه محكوم عليه بالسجن مئة سنة.. مرَّ عليه منها خمس عشرة فقط، ووقفت امرأة شابة تقول إن زوجها قضى حتى الآن خمس سنوات في العزل الانفرادي دون محاكمة وتساءلت: أيها الناس ماذا ستقدمون له غير الكلام والخطب! وجلس بجانبي شخص اسمه أحمد أبو السكر قال لي: سجنت سبعاً وعشرين سنة لأني قاومت الاحتلال وخرجت بعد هذا العمر الطويل غير نادم بل فخور بما فعلته..

سمعنا في المؤتمر عن السجناء الشيوخ كالأسير سامي خالد بلغ من عمره ثمانين سنة قضى منها ستاً وعشرين في السجن وها هو يقضي آخر أيامه فيه أيضاً، من الأسرى أطفال بلغ عددهم أكثر من ثلاثماية كلهم دون السادسة عشرة، هناك عشرات من النساء الأسيرات، كيف يهون علينا أن تؤسر أعراضنا في أيدي الطغاة المجرمين الذين لا يؤلون في مؤمن إلاً ولا ذمة!.. وقفت امرأة تحمل طفلاً صغيراً اسمه يوسف الزق، قالت: هذا ابني ولدته وأنا في سجن العدو، وبقي معي سنة وثمانية شهور، إنه أصغر أسير على وجه الأرض، أي قلب هذا الذي يسوغ سجن طفلٍ حديث الولادة مع أمه؟! عشرات الأسيرات الصابرات يقبعن في سجون الاحتلال.

          يا الله كم نحن قساة، كيف يطيب لنا عيش وإخوة وأخوات لنا في قيد ومهانة، يسامون سوء العذاب ونحن لاهون غافلون، ماذا لو كنا مكانهم.. ماذا لو كانت أُسَرُنا محل أُسَرِهم؟! يكبرُ الأطفال على أمل أن يروا والدهم، وتموت الأمهات وهن يحلمن بلقاء أبنائهن، ويعاني الآباء مرارة الانتظار أمام السجون أملاً في لحظات يرون فيها فلذات أكبادهم..

من سيخرج هؤلاء من سجونهم، مفاوضات السلام المزعوم؟!، لقد فشل ذاك السلام وما نتج عن مفاوضاته سوى العبث ومزيد من شقاء الشعب الفلسطيني بل ومزيد من الأسرى، أم الأمل معقود بجيوشنا الجرارة التي تعقد صفقات السلاح بعشرات المليارات ثم لا تملك أن تستخدمها، بل لا تعرف كيف تستخدمها، وإن سمح لها بذلك فليس إلا ضد بني جلدتها..

لقد كان إجماع المؤتمرين أن المقاومة هي السبيل الوحيد لتخليص الأرض وتخليص الأسرى، وأن على المقاومة الفلسطينية أن تأسر مزيداً من أسرى العدو حتى تتمكن من تحرير أسرى فلسطين، هذا فقط هو الدرس الواضح الناجح الثابت في تاريخنا، لم يُحرَّر أسير واحد من عند الصهاينة إلا بمبادلة أسرى، وغير ذلك هراء، فلم يفرج التنسيق الأمني ولا اللقاءات التفاهمية، ولا مؤتمرات السلام عن أي أسير أبداً، صدق الله تعالى: (وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً)

خاص موقع هيئة علماء فلسطين في الخارج