سبيل قايتباي أجمل أسبلة الشام

الثلاثاء 10 نوفمبر 2020 01:27 م بتوقيت القدس المحتلة

سبيل قايتباي أجمل أسبلة الشام

" إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورا{5} عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً{6} يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً{7} وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً{8}"

ظلت مدينة القدس وعلى مر التاريخ تتزود بالمياه من البرك المجاورة لها والتي أقيمت لخدمة المدينة وخدمة قاطنيها وكان للبلدة القديمة و للمسجد الأقصى الحظ الوفير من حصة المياه هذه فكانت تنقل لها المياه من البرك عبر القنوات التي تعود إلى الأصول الرومانية القديمة والأيوبية والمملوكية وحتى العهد العثماني . أقيم في المسجد الأقصى ومنذ العهد الأموي العديد من الآبار أثناء إقامة التسوية الجنوبية الشرقية وإعمار قبة الصخرة وكانت هذه الآبار تستخدم كمخزون أساسي للمياه في المدينة فبنيت عليها وبجوارها ألأسبلة لتكون صدقة جارية، تزود الزوار والمصلين بماء الشرب والتطهر ولم تقتصر هذه السبل على زوار المسجد فحسب بل تعدتهم لخدمة المدينة قاطبة وما حولها فانتشرت الأسبلة في المسجد بشكل كبير حيث بلغت ما يقارب الثمانية عشرة سبيلاً باختلاف فترات إنشائها وبروز العناصر الجمالية والفنية عليها والتي تناسب تلك الفترات فمنها ما يعود إلى العهد العباسي وإلى العهد الأيوبي والعثماني وحتى المجلس الإسلامي ودائرة الأوقاف وأبرز هذه الأسبلة كان في العهد المملوكي فكثير من هذه الأسبلة يعود الفضل في بنائها إلى سلاطين المماليك، الذين عشقوا القدس وعنت لهم الكثير، وبشكل ضاهى، في أحيان كثيرة، العاصمة القاهرة، ومن أهم سلاطين المماليك الذين عنوا بالقدس الاشرف أبو النصر قايتباي .

ولد الأشرف أبو النصر قايتباي بالقفجاق على نهر فولجا في روسيا الحالية، واشتراه تاجر يدعى محمود ابن رستم. وجيء به إلى مصر في عام 839هـ (1435م) وهو في الثالثة عشرة من عمره، واشتراه السلطان برسباي لحاميته بالقلعة.
وأعتـق في عهد السلطان جقمق، وعين في منصب جمدار، ثم في منصب خاصكي، ثم في منصب الدودار. ثم ارتقى صفوف الجيش, ليصبح قائدا للجيوش عام 872هـ (1467م).  وحدث في ذلك العام هياج بين أمراء المماليك نتج عنه عزل السلطان الظاهر تمربغا من السلطة وقام الخليفة العباسي المستنجد بالله بمبايعة قايتباي سلطانا فأخذ قايتباي في البكاء؛ خشية أن يقتله أمراؤه.

وهكذا أصبح قايتباي سلطانا على مصر والشام فكان أعظم سلاطين المماليك، وأكثرهم نشاطا. فقد اهتم قايتباي بالمدينة، فقام ببناء المدارس وعمل على تدعيم البنية التحتية، وبناء الأسبلة العديدة ، فارتبط اسم الأشرف قايتباي بمنشأة عظيمة داخل الأقصى المبارك وهو ما سنتحدث عنه اليوم ألا وهو سبيل قايتباي .
يقع سبيل قايتباي مقابل المدرسة العثمانية، بينها وبين الطرف الغربي لصحن الصخرة أمام درج البائكة الغربية ، في الساحات الغربية للمسجد الأقصى المبارك. بُني السبيل فوق الطرف الشماليّ الغربيّ لمصطبة واسعة تحمل نفس الاسم، ولها محراب في الجهة الجنوبية، بناهما الملك الأشرف أبوالنصر إينال (860هـ)، ثم جدد الملك الأشرف قايتباي السبيل عام 1482م، بعد تهدمه فبناه بشكل عظيم وبإسلوب فني فائق الجمال فأصبح بذلك أهم سبيل في القدس وبلاد الشام ، وعرف باسمه، ومن ثم أعاد تجديده السلطان العثماني عبدالمجيد الثاني عام 1912م.

 وسبيل قايتباي عبارة عن مبنى مرتفع وجميل له أربع واجهات معمارية بطابق واحد, دخلت فيه فنون العمارة، وجملته الحجارة الحمراء والبيضاء والأعمدة الركنية المزخرفة الداخلة في بنائه، وله قبة جميلة مزخرفة بزخارف نباتية، وفيه ثلاثة شبابيك كانت تستخدم لشرب الماء، يصعد إلى الشباك الغربي والشمالي للسبيل بأربع درجات مستطيلة، وباب السبيل يقع في الجهة الشرقية للسبيل وبشكل فائق الجمال يصعد إليه بأربع درجات نصف دائرية، أما الواجهة الجنوبية فيصعد لصنابير المياه فيها عبر عتبة واحدة وضعت على المصطبة، وللسبيل في جهته الجنوبية مصطبة رائعة أنشئت في 1453-1461م في عهد الملك الاشرف سيف الدين اينال، ولها محراب بجهة القبلة .

وهو عامر في أيامنا، ويستفاد من مياهه المثلجة، عن طريق ثلاجة وضعتها داخله لجنة التراث الإسلامي، تعمل طيلة ساعات النهار في فصول السنة الثلاثة عدا الشتاء، ويزود المصلين بالماء عن طريق عشرة صنابير مياه وصلت به من جهتيه الشمالية والجنوبي، وحوض حديدي في الجهتين.

وتظهر النقوش البديعة على واجهات السبيل تاريخ بنائه ومراحل تجديده، والتي كان آخرها على عهد السلطان العثماني عبد الحميد عام 1883م، ويعتقد على نطاق واسع، بأن العثمانيين، أزالوا النقوش التي تعود لعهد المماليك، ووضعوا شريط النقوش الذي يظهر حاليا على السبيل الذي يشتهر بقبته المزخرفة، التي توجد على الكثير من الأبنية المملوكية في مصر، ولكنها الوحيدة في فلسطين التي تعود إلى هذا النمط من القباب الذي ميز عمارة المماليك البرجية.

نقرأ على واجهة السبيل الجنوبية ما يلي

"بسم الله الرحمن الرحيم، إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا، عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيراً، يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيرا، ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا، أنشأ هذا السبيل المبارك مولانا الملك الأشرف إينال ثم جدده سلطان الإسلام والمسلمين قامع". 

ونكمل على الواجهة الشرقية

"الكفرة والمشركين ناشر العدل في العالمين السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباي أعز الله أنصاره في شهر شوال المبارك سنة سبع وثمانين وثمانمائة".

وينتهي الكلام في الواجهة الشمالية

"ثم جدده الخليفة الأعظم والسلطان المفخم السلطان الغازي عبد الحميد خان ابن السلطان الغازي عبد المجيد خان من آل عثمان أعز الله ملكه في شهر رجب الفرد سنة ثلاثمائة وألف".

في سنة 1981م، اكتشفت حفريات صهيونية تمتد من الغرب إلى الشرق تحت باب المطهرة، وتنفذ إلى البئر، بامتداد أكثر من 25م داخل المسجد الأقصى المبارك، ولا تفصلها إلا أمتار قليلة عن قبة الصخرة في قلب المسجد الأقصى المبارك. وإثر احتجاجات من جانب المسلمين، اضطر الصهاينة لإغلاق الفتحة التي كانوا يراقبون منها المسلمين عند السبيل، ولكنهم أعادوا فتحها مرة أخرى، على ما يبدو، كما يخشى من أن يكونوا قد وصلوا بأنفاقهم إلى الصخرة المشرفة في قلب المسجد الأقصى المبارك وبنوا كنيسا يهوديا تحتها، ويقع أسفل بئر قايتباي اليوم ما يسمى ببوابة وارن والتي تعد عند اليهود ببوابة الدخول إلى المعبد الغربية وهي أحد أركان أنفاق الحائط الغربي وفي بداية عام 2008 وقع في الأقصى انهيار كبير قالت الأوقاف أن هذا الإنهيار قد حدث في أحد قنوات السبيل

هذا هو الأقصى وهذا هو أحد معالم المسجد الأقصى آية من الجمال والفن والإبداع والقداسة هو الأقصى وكل ما داخله، هذا هو الأقصى الذي من أجله وأجل رفعته يزف الشهداء ويقدم الأبطال أرواحهم . الأقصى قضيتنا الأولى وعقيدتنا الناصعة يتعرض للحرق والنهش والتفريغ كل هذا يهدف إلى زواله وبناء المعبد وفي ظل هذه الجرائم والمحارق التي يتعرض لها شعبنا في غزة العزة في غزة الإباء يجب أن لا ننسى الأقصى وأن لا نتركه وحيداً فارغاً من العشاق فإن غاية إخوتنا في غزة وهدفهم هو الأقصى وما هذه المجازر التي يتعرضون لها إلا جراء هذا العشق لهذا المسجد ولرفعة الدين .
 

نقلاً عن موقع ألبوم القدس العالمي، إعداد الباحث أحمد ياسين