تحرير فلسطين وجائحة كورونا في ضوء سنن الله في النصر والهزيمة

الجمعة 18 ديسمبر 2020 03:24 م بتوقيت القدس المحتلة

تحرير فلسطين وجائحة كورونا في ضوء سنن الله في النصر والهزيمة

فتحي عبد القادر

يظنُّ الكَثيرون، وربَّما لهُمْ بعْض الحقِّ في ذلك منْ وجْهٍ ما، أنْ جائحة (كُورُنَا) سيَكون لها الحظّ الأوْفر والدَّوْر الأكْبر في التَّسْريع بزوال (الكيَان الإسْرائيليّ) المحْتلّ، وربَّما عزَّز ذلك أو مهَّد لهذَا الاعْتقاد وجُود الكثِير من الدِّراساتِ التي تحدَّثت عنْ قرْب زوال (الكيَان  الإسْرائيليّ) في العقْد القادم، بإذن الله تعالى، (راجع ما جاء في كتاب: نُبُوءَاتُ زَوَالِ "إسْرائِيل" للدُكْتور عبْد الرَّحيم عبْد الواحد، وغيره من الدِّراسات الأخْرى لعددٍ من الباحثين والمُهْتمّين)، بل وجد بعْضهم في نفْسه الجُرْأة فذهبوا إلى أبْعد منْ ذلك عنْدما ضربُوا تَاريخًا مُحدَّدًا لزوال هذا الكيان الغاصب، مُسْتأْنسين في ذلك بما ذهَب إليْه (أَبُو الحَكَم بنُ برَّجَان الأنْدلُسيّ) المُتوَفَّى في القرْن السَّادس الهجْري (536 هـ)، عندما حدَّد تاريخ تحْرير بيْت المقْدس في شهْر رجب من العام (583 هـ)، لكن مع تقْديرنا الشّديد لكلِّ منْ كَتَب في هذَا الموْضُوع، وبغضِّ النَّظر عن المنْهجيَّة التي اعْتمدُوها في تحْليلاتهم وعنْ مدى قطْعيّة النتائج التي وصلُوا إليْها، فإنّ هذا يجْعلنا نقِف أمام عددٍ من الأسْئلة الجوْهريّة، نذْكر بعْضها على سبيل المثال لا الحصْر، هل يمْكُن، بالفِعْل، الرُّكون لمثل هكذا تخْميناتٍ وتوقّعاتٍ، وما هي المُؤيّدات والعوامل التي منْ شأْنها أنْ تُحقِّق تلْك النُّبُوءَة (نُبوءة التّحْرير)؟ وهل بمقْتضى هذه "الجائحة" يُمْكن أنْ نُبشِّر النَّاس بقرْب تحْرير فلسْطين؟ وربَّما هنَاك أسْئلة كَثيرةٌ أخْرى تدورُ في أذْهان الكثِيرين من النَّاشطين في مجال العمل للقضيّة الفلسْطينيّة يُمْكن أنْ تتفرَّع عنْ هذه الأسْئلة الجوْهريّة في المضْمَار ذاتِه.

ولإدْراك حقِيقة هذه المسْألة على الوجْه المطْلوب منْ منْظور فِقْهي: النَّصّ والواقع فإنَّه يجْدر بنا أنْ نُشير إلى الحقائق الآتية، وهو أنَّ فهْم أمر جائحة (كُورُنَا) ودوْرها في مُعادلة التَّحْرير يعُود بالأساس إلى ضرورة اسْتيعاب السّياق الذي نسْتشْرفُ منْ خلالِه مُسْتقْبل القضيَّة وزَوَال الكيَان المُحْتلّ، ذلك أن الرُّكون إلى مجرّد وجود "الجائحة"، وانْتظار الفرَج الذي يمْكن أنْ يُشْرق منْ بيْن ثَنَايَاهَا؛ مُبشِّرًا بنصْر مؤَزّرٍ دُون وجُود إرادَة بشريّة فاعلة تعْمل على ذلك: تخْطيطًا واسْتعدادًا وتنْظيمًا وتنْفيذًا هو ضرْبٌ من الوهْم الذي لا يَمُتُّ بصلةٍ، لا منْ قريبٍ ولا منْ بعيدٍ، لمُقْتضيات السُّنن الجارية في ميْدان النَّصْر والهزيمَة، والتَّحْرير والاحْتلال، ولذلك نرَى أنَّ كلَّ منْ أبْعد النَّجْعة وحلَّق في سماء الأمانيّ وقدَّر للتَحْرير سينَاريُوهاتٍ وتصوُّراتٍ بنَاءً على أنّ هذه "الجائحة" هي منْ سيلْعب دوْر (البَطَل المُنْقذ أو المُنْتظر) في زوَال المُحتلّ؛ لكوْنها عقُوبة إلهيّة لا رَادَّ لقضَائها ولاَ مُعقّب لحكْمها، هو أقْرب للرُّؤى والمنَامَات منْها إلى الواقع الملْموس، ومن السَّذاجة منْها إلى التَّفْكير العلْميّ والعَمَليّ، وإنَّما صاحبها واقعٌ في فخّ الأوْهام والأمانيّ، كلُّ ذلك، بلا شكٍّ، يعود لخَلَلٍ في فهْم سُنن التَّغْييّر والنَّصْر والتَّحْرير، ولذلك من المُهمّ أنْ نُؤكّد في هذه المُناسبة على عدم الانْسياق ورَاء هذا النَّمط من التَّفْكير الأعْوج واعْتمادِه أداةً للرَّصْد والتَّحْليل، ومنْ ثَمَّ وجبَ قراءة هذه السُّنن قراءةً جادَّةً وموْضُوعيَّةً، وفهم هذه (الكوارث والجوائح) في إطارها السَّليم، ووضْعها في سياقاتِها التي وقعَتْ فيها، دون تهْويلٍ ولا تهْوينٍ.   

ويمكن تسْليط الضَّوء على هذه الزَّاوية بشيْءٍ من الاخْتصار والتّرْكيز لتوْضيح المسْألة وتجْلية ما تتضمَّنه منْ معانِي مُهمَّة ودقيقةٍ:

* لا شكَّ أنَّ كلَّ حادثٍ في هذا الكوْن يقعُ بإذن الله وقُدْرته، وأنّ له حكْمة في كلِّ شيْءٍ، عرِفها منْ عرِفها وجهِلها منْ جهِلها، و"جائحةُ كُورُنَا" لنْ تخْرج عن هذا الاعْتقاد بأيِّ حالٍ من الأحْوال، والنَّاظر في هذه "الجائحة" بعقْل المُؤْمن المُتأَمِّل يسْتطيع أنْ يُدْرك الكثير من الحِكَم التي الكامنة في هذه "الجائحة" والتي ظهرت بعْضُ آثارها في الجوانِب السِّياسيّة والاقْتصاديَّة والاجْتماعيّة وكَشَفَت عن ضعْف الإنْسان بلْ وعجْزه وهشاشة ما هو عليْه، ولا شكَّ هناك من الحِكَم الأخْرى الشَّيْء الكثير الذي عجَز الفكْر البشريّ عنْ إدْراكها، ورُبَّما بعْضُها لهُ صلَةٌ ما بما يقَعُ في فلَسْطين منْ ظُلْمٍ واعْتداءٍ وانْتهاكٍ للمُقدَّسات والحُرُمَات وللإنْسان الذي كرَّمَه الله عزَّ وجلَّ.

* لا خلاف في أنَّ قراءة الأحْداث الجارية بشكْلٍ عامٍ في ضوْء (السّنن الإلهيّة) بغرَض اسْتشراف المُسْتقبل منْ خلالها ومعْرفة آثارِها في النَّفْس والمُجْتمع أمْرٌ مُسْتحْسنٌ، بلْ ومنْدُوب إليْه، وهذا ما تقْتضيه الحِكْمَة البشريّة والعقُول الرَّاشدة، لكن يجب أنْ يكون ذلك خاضعًا لقواعد مُنْضبطة ودَقيقة ومدْروسةٍ بشكْل علْميّ وعميقٍ لا مُجرَّد نفْث لما في الصُّدور منْ أمانيّ وأحْلام ورغباتٍ، فمن مُقْتضيات الحكْمَة الإلهيّة أنْ جعل الله لكلِّ شيْئًا سببًا، وأنَّه لا يجْري شيْءٌ في هذا الكوْن العظيم إلى وفْق القوانين والسُّنن التي وضعَها خالقها، وهي سُننٌ صارمةٌ وثابتةٌ ومُحايدةٌ وغيْر خاضعةٍ للأهْواء والرَّغبَات، قال تعَالى: (فلنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَه تَبْدِيلاً، ولَنْ تَجِدَ لِسُنَة الله تَحْوِيلاً) [فاطر: 43]، ولكن لا يفُوتُنا أنْ نُنبِّه إلى أنَّ اسْتقْرار هذه السُّنن ورَتَابتها وانْتظامها وجرَيانها على قواعد مُنْضبطة منْ شأْنه أنْ يُساعدنا بشكْل كبيرٍ على رُؤْية المُسْتقبل بوضُوح، وهذه مِيزةٌ تُحْسب لها، وقد قال السَّابقون منْ أهْل العلْم والخِبْرة والتَّجْربة: (ما حدَث شيْءٌ إلاَّ وقدْ حدَث قَبْلَه مثْلَه) قال تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [آل عمران: 137]، ومنْ ثَمَّ فإنَّه منْ مُقْتضيات هذه (السُّنن) أن تفْعل في الثَّاني مثْل ما فعلت بنظيره الأوَّل، في حَال ما إذا تماثَلَتْ المُدْخلات، والتَّماثل في النَّتائج واقعٌ لا محَالة إذا تمَاثَلَت المُقدِّمات.

* أهمُّ شيْءٍ في هذه المسْألة هي أنْ نُدْرك جوْهر هذَا (القَانُون) أو (السُّنّة) أو (النَّاموس) كما يُسمِّيه البعْض، وكيّفيّة عمَلِه ونظَامه الدَّاخليّ وحرَكَتِه وسياقه الذي يخْدِمُ حركَتَه باعْتباره (المجال الحيويّ) الذي يُؤْتي القَانُون منْ خلاله أُكُلَه ويمْنحنا ثمْرته، وإذَا ما أردْنا توْسيع دائرة إدْراكنا لهذه القضيّة فيما نحْن بصددِه فإنَّنا يمْكن أنْ نقُول: أنَّ هناك قواعد منْطقيّة وواضحة لفهْم كلِّ حادثٍ من الأحْداث الجارية، بعيدًا عن الطَّلاسم والرَّجْم بالغَيْب، وليْس يُعْقل أنْ ننْتظر نتائج ما، مثْل: (تحْرير فلسْطين)، دُون مَا تَكُون هنَاك أسْبابٌ تُمهِّد لتلْك (النَّتيجة)، وعليْه، وبمُقْتضى هذا الفهْم، فإنَّ ظنَّ البعْض بأنَّ ما نحْن فيه ليْس بسببٍ منَّا أوْ أنَّ أسْبابه غامضُة عليْنا أوْ يُمْكن الخُروج ممَّا نحْنُ فيه بالنَّوايا الحسنة أو بردُود الفعْل المُؤَقّتة أوْ بالكوارث الطَّبيعيّة العَارضة وبالجَوَائِح الاسْتثْنائيّة الخارجة عن إرَادتِنا ودون تدْبير منَّا ولا تخْطيطٍ مُسْبق ومنْ غيْر أخْذٍ بسُنَّة الله في الأسْباب والمُسبِّبات، كما فعَل ذُو القرْنين بنصّ القُرْآن الكريم، عنْدما قال تعالى: (وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا) [الكهف: 84 و85]، إذا ظنَّ المُسْلمون اليوْم أنَّ هذه "الجائحة" هي لوَحْدها قادرة على أنْ تُحقِّق ما عجزتْ عنْه الأنْظمة العربيّة، وأن تُحْضر لنا نصْرنا المنْشود بتحرير الأرض المباركة على طبقٍ منْ فضَّة، ولمْ يعْلمُوا أنَّ هنَاك سُننًا انْعقدت أسْبابُها فوَقعت ولنْ تُرْفع إلاَّ بأخْذ الأسْباب المتعلّقة بها، بمعْنى أنَّ هناك احْتلالاً جاثمًا على (الأرْض المُباركة) وعلى مُقدَّساتها وإنْسانها، وأنَّه لا يُمْكن أنْ يزول إلاّ بتحْقيق الشِّقّ الثَّاني من المُعادلة (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ) [الأنفال: 60]، نعم، ربّما تكُون النَّتائج أفْضل وأسْرع في حال ما إذا اتُّخِذت الأسْباب، واسْتوْفت الأمَّة أو الطَّائفة القائمة بالحقِّ شُروطها وأحْسنت اسْتثْمار هذه "الجائحة" بما يُحقِّق الغاية المأْمولة والمقْصد المنْشود.  

وخلاصة ما يُمْكن أن يُقال في ختام هذا المقال، هو: لا يصحُّ القُعود بحجّة أنَّ الله يفْعل ما يُريد في هذا الكوْن، وأنَّ فعْل الإنْسان وسعْيه لا ينْفع ولا يضرّ، فالنصْر من الله، لا شكّ في ذلك، لكنّه مشروط بفعْل الإنسان وضرْبه في الأرْض وأخْذه للأسْباب، قال تعالى: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [محمد:7]، (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر: 51].

خاص موقع هيئة علماء فلسطين في الخارج