لسنا ضعفاء .. وليسوا أقوياء

الجمعة 19 فبراير 2021 01:00 ص بتوقيت القدس المحتلة

لسنا ضعفاء .. وليسوا أقوياء

د. محمد سعيد بكر

المحاور

- مهما بلغ الفرد أو الجماعة من الضعف فإنه يملك من نقاط القوة ما به يهدم جبالاً، ويهزم رجالاً، ويجني أموالاً، ويحقق أمالاً.

- حكى لنا القرآن العظيم حكاية مخلوقات ضعيفة ألهمها خالقها الالتفات إلى نقاط قوتها؛ فصنعت لنفسها ذكراً حسناً، بسبب أعمال خدمت بها قومها أو رسالة زعيمها .. فهذا هدهد يقول للنبي الملك عليه السلام: "أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ" (النمل: 22) .. وتلك نملة في سورة النمل تنقذ قومها بصرخة نذير.

- كما ذكر لنا كذلك حكاية أفراد أو مجموعات تابعة تحررت من قبضة الجلاد في لحظة تاريخية فارقة ووقفت في وجه طاغوت زمانها .. ولا أدل على ذلك من قوة قلب مؤمن آل فرعون القائل:" فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ" (غافر: 44) .. وشجاعة سحرة فرعون حين صدحوا قائلين: "فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا" (طه: 72).

- وهذا يعني أن الضعف الحقيقي ليس في انعدام القوة؛ بل في توهم انعدامها أو في الغفلة عنها أو في سوء توجيهها .. فالمرأة مثلاً على الرغم من ضعف بنيتها إلا أنها تملك من قوى التفصيل والتحليل ورسم السيناريوهات والجذب والعاطفة والكيد (التدبير) بحسب قوله تعالى:" إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ" (يوسف: 28) .. الشيء الكثير.

- حتى الطفل الصغير الذي لا يستطيع الكلام فإنه يملك من قوة البكاء ما يجذب أمه نحوه لتقضي حاجته؛ من أكل أو شرب أو دواء وغيرها.

- وذاك العجوز الهرم الذي انحنى ظهره ورسم الزمان خرائطه على تجاعيد وجهه؛ فهو يملك من قوة الخبرة والتجربة ما تحتاجه الأمم التي تحترم التجربة والتاريخ، وتجعل من أمثاله مستشاراً حقيقياً لا مجرد مستهلك منتفع قابض للرواتب بلا عمل.

- إننا ونحن نستحضر ما نحسب أنها نقاط ضعف في مجتمعنا فإننا نستذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي طلب منا أن ننظر بإيجابية حتى لنقاط ضعفنا فنجعل منها نقاط قوة، فَعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: رَأَى سَعْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلا بِضُعَفَائِكُمْ» رواه البخاري، وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا؛ بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلاتِهِمْ وَإِخْلاصِهِمْ» رواه النسائي، وصححه الألباني.

- إننا في الوقت الذي نجد أعداء الأمة يركزون ضرباتهم على نقاط قوتنا ينبغي أن نحرص على تلك النقاط وأن نحافظ عليها من جهة .. كما ينبغي استثمار نقاط ضعفنا وتحويلها إلى قوة ضاربة ذات ضربات خاطفة ومفاجئة.

- إن أمة تحرص على اكتشاف نقاط قوتها وتنميتها وتكثيفها واستثمارها أمة لا تعرف السقوط ولا الهزيمة ولا التبعية للخصوم .. فما هي أبرز نقاط أمة الإسلام؟

1️⃣ دينها الرباني وقرآنها المحفوظ.

2️⃣ تاريخها المشرق وتجربتها العريقة.

3️⃣ وضوح رؤيتها وعالمية رسالتها.

4️⃣ سلامة فطرتها ونقاء سريرتها.

5️⃣ عفة نسائها وسلامة أنسابها.

6️⃣ مرونة منهجها وقدرته على التكيف بلا انحراف.

7️⃣ جاذبية مقدساتها وإن بعدت مسافاتها.

8️⃣ روعة لغتها الحاوية لرسالتها.

- إن نقاط القوة هذه وغيرها في جدار أمتنا تتعرض اليوم إلى استهداف واستنزاف واختراق غير مسبوق .. فلا أقل من حراستها .. والتفكير بواجب إعداد القوى المادية والمعنوية المفتوحة لحمايتها وإرهاب المتربصين وتخويفهم من مجرد الطمع بها .. قال تعالى: "وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ" (الأنفال: 60).

- وفي الوقت الذي ينبغي علينا حراسة وحماية وتمكين نقاط قوتنا .. واستثمار نقاط ضعفنا .. فإنه من الواجب أن ننظر في عناوين قوة أعداء أمتنا ونقاط ضعفهم .. وذلك لصناعة حالة متوازنة في الرد والردع وإيقافهم عند حدهم، فمن نقاط قوتهم الملموسة:

1️⃣ قوة السلاح والأمن.

2️⃣ قوة الإعلام.

3️⃣ قوة الاقتصاد.

4️⃣ قوة النفوذ السياسي.

5️⃣ قوة العلوم والإنتاج والمختبرات والتجريب.

- وغيرها من صور القوى المادية التي تأخذ بالعقول والألباب وتصيبنا بالدوار بمجرد التفكير بها ومحاولة إحصائها .. ولكنهم يدركون تمام الإدراك أنها وإن قامت فلا يمكن أن تستمر طالما أنها خالية من مضمونها الروحي وعمقها الوجداني .. لأجل ذلك فإننا نراهم بين الحين والآخر يحاولون الجمع بين تلك القوى وقوة مزيفة مزورة مغشوشة مما يوحي لهم بها شياطينهم (الرهبان والقساوسة والبطارقة) من ترانيم وطقوس وكتب يسمونها دينية ومقدسة!!

- لقد هدد القرآن كل منتفش مغرور متطاول بما وهبه الله من أسباب القوة: "قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ" (القصص: 78) .. فهل من معتبِر؟!!

- إن أعظم قوة مادية مهما قامت فإنها لن تستمر طالما أنها لا تعدل .. وقد يقول قائل بأن العدل الذي عندهم غير مسبوق .. ونقول بأنهم لو عدلوا لانتصفوا من أنفسهم وتنازلوا عن كبرهم أولاً .. وما قبلوا الشرك والإلحاد وصدق الله: " إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" (لقمان: 13) .. ولو عدلوا بصدق لما وصلت أمتنا إلى ما وصلت إليه بسبب خبثهم وكيدهم وسوء استخدامهم لولاة أمورنا؛ فكان الاستبداد وهم رعاته، وكان القتل والتشريد والهتك والسلب والنهب وهم دهاقنته.

- إن اعتماد أي أمة في بناء قوتها على إضعاف قوى الآخرين لا يحقق لها ما تريد على المدى البعيد .. فالضعيف لا يبقى ضعيفاً والقوي يضعف ولو بعد حين.

- إن تتابع الغزوات والمعارك العسكرية والأمنية والفكرية التي شنها الأعداء على أمتنا أنهكتها ومزقتها وأدمتها .. ولكنها أمة عظيمة لا تزال تنبض بالحياة .. فهي أمة لن تموت .. بل إن رسالتها تقوم على نفخ الروح في الأموات .. ففي الوقت الذي يريدون به لأمتنا الشر تريد أمتنا لهؤلاء المعتدين الظالمين لأنفسهم الخير .. إلا من أبى وركب رأسه فقد سفه نفسه وإلى جهنم وبئس المصير.

- لقد كشف لنا رب العزة في آية واحدة عن أعظم نقاط ضعف أعدائنا وهي:

1️⃣ جبنهم وضعف قلوبهم.

2️⃣ كراهيتهم لبعضهم.

3️⃣ شتات صفوفهم.

4️⃣ غياب حكمتهم.

قال تعالى: "لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ" (الحشر: 14).

- ولسائل أن يسأل عن سر تقدمهم علينا في هذا الزمان على الرغم من وجود نقاط الضعف تلك عندهم .. والجواب يأتي من جوانب عديدة منها:

1️⃣ أننا تفرقنا وتنازعنا على أتفه الأسباب.

2️⃣ أننا تكاسلنا وتراخت أيدينا عن حمل الراية.

3️⃣ أن الدنيا دخلت قلوبنا وصرنا نكره الموت ونعشق الحياة.

4️⃣ أننا تركنا إدارة شؤوننا للمنافقين من أذناب أعدائنا.

5️⃣ أننا صرنا نعتز ونسعد بكل ما يأتينا من برامج ومناهج وثقافات وموضات مستوردة، فغدونا أمة مستهلكة لا منتجة.

6️⃣ أننا لم نلتفت إلى نقاط قوتنا فأصابنا الهوان والحزن على الرغم من تحذير الله لنا: "وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" (آل عمران: 139).

وختاماً:

في الوقت الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يبني قوة دعوته ودولته بالإيمان واليقين والدعاء، ويخبر أصحابه بأن "لا حول ولا قوة إلا بالله" كنز من كنوز الجنة .. كان يسعى لبناء قوة مادية من حيث العَدد (الرجال) والعِدد (السلاح) .. كذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على تشتيت واختراق نقاط قوة أعدائه فقد استدرج زعماء قريش للمواجهة خارج مكة يوم بدر وأحد، وأخذ من زعمائهم كأمثال عمر وخالد وعكرمة وغيرهم رضي الله عنهم ليكونوا في صفه، ونفَّذ عمليات خاصة في بعض أئمة الكفر منهم كأمثال كعب بن الأشرف وأبي رافع اليهودي وغيرهم .. وزرع بذور الشك يوم الأحزاب بينهم، وكسر يوم فتح مكة وحنين كبرياءهم، وشتت يوم بني قينقاع والنضير شملهم .. وأربك يوم مؤتة اندفاعتهم مما جعلهم يخافون منه يوم تبوك وبالرعب أوقفهم عند حدهم وهزمهم .. وكان القرآن ينزل بين الحين والآخر يثبت قلب الحبيب صلى الله عليه وسلم، ويكشف له عجز وضحالة وضعف خصومه المعتدين وأنهم لا قيمة ولا وزن ولا قاعدة لهم، قال تعالى: "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ" (المائدة: ٦٨) .. فهلا انتبهنا لنقاط قوتنا .. وهلا ركزنا على نقاط ضعف أعدائنا .. أو هلا استثمرنا نقاط ضعفنا .. وحرصنا على تشتيت نقاط قوة أعدائنا .. كل ذلك بالاستعانة بربنا وخالقنا ورازقنا.

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة