الهجرة إلى المدينة

الإثنين 09 أغسطس 2021 04:55 م بتوقيت القدس المحتلة

الهجرة إلى المدينة

الهجرة إلى المدينة: التخطيط والاستعدادات (1)

د. علي محمَّد محمَّد الصَّلابي

يُعتبر حدث هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حدثا حاسما ومفصليا ليس في التاريخ الإسلامي فحسب، وإنما في التاريخ الإنساني أجمع، فقد كان لهجرة النبي الأعظم تداعيات كبرى على الدعوة المحمدية التي جاءت تحمل في طياتها قيما روحانية سامية، جعلت الحضارة الإسلامية تتبوأ مكانة رفيعة بين الحضارات.

إنَّ الهجرة إلى المدينة سبقها تمهيدٌ، وإعدادٌ، وتخطيط من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وكان ذلك بتقدير الله تعالى، وتدبيره، وكان هذا الإعداد في اتِّجاهين: إعداد في شخصية المهاجرين، وإعداد في المكان المهاجَرِ إليه.

أولاً: التَّمهيد، والإعداد لها:

1 - إعداد المهاجرين:

لم تكن الهجرة نزهةً، أو رحلةً يروِّح فيها الإنسان عن نفسه؛ ولكنَّها مغادرةُ الأرض، والأهل، ووشائج القربى، وصلات الصَّداقة والمودَّة، وأسباب الرِّزق، والتَّخلِّي عن كلِّ ذلك من أجل العقيدة، ولهذا احتاجت إلى جهدٍ كبيرٍ، حتَّى وصل المهاجرون إلى قناعةٍ كاملةٍ بهذه الهجرة، ومن تلك الوسائل:

- التَّربية الإيمانيَّة العميقة الَّتي تحدَّثنا عنها في الصَّفحات الماضية.

- الاضطهاد الَّذي أصاب المؤمنين، حتَّى وصلوا إلى قناعةٍ كاملةٍ بعدم إمكانية المعايشة مع الكفر.

- تناول القرآن المكِّيِّ التَّنويه بالهجرة، ولفت النَّظر إلى أنَّ أرض الله واسعةٌ. قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمنوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10] .

ثمَّ تلا ذلك نزولُ سورة الكهف، والَّتي تحدَّثت عن الفتية الذين آمنوا بربهم، وعن هجرتهم من بلدهم إلى الكهف، وهكذا استقرَّت صورةٌ من صور الإيمان في نفوس الصَّحابة، وهي ترك الأهل، والوطن من أجل العقيدة.

ثم تلا ذلك آيات صريحةٌ تتحدَّث عن الهجرة في سورة النَّحل، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخرةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [النحل: 41 - 42] .

وفي أواخر السُّورة يؤكِّد المعنى مرَّةً أخرى بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النحل: 110]. وكانت الهجرة إلى الحبشة تدريباً عمليّاً على ترك الأهل، والوطن.

2 - الإعداد في يثرب:

نلاحظ: أنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم، لم يسارع بالانتقال إلى الأنصار من الأيام الأولى؛ وإنَّما أخَّر ذلك لأكثر من عامين؛ حتَّى تأكَّد من وجود القاعدة الواسعة نسبيّاً، كما كان في الوقت نفسه يتمُّ إعدادها في أجواء القرآن الكريم، وخاصَّةً بعد انتقال مصعب رضي الله عنه إلى المدينة.

وقد تأكَّد: أنَّ الاستعداد لدى الأنصار قد بلغ كماله، وذلك بطلبهم هجرة الرَّسول الكريم صلى الله عليه وسلم إليهم، كما كانت المناقشات الَّتي جرت في بيعة العقبة الثَّانية، تؤكِّد الحرص الشَّديد من الأنصار على تأكيد البيعة، والاستيثاق للنَّبي صلى الله عليه وسلم بأقوى المواثيق على أنفسهم، وكان في رغبتهم أن يميلوا على أهل مِنًى ممَّن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسيافهم؛ لو أذن الرَّسول الكريم بذلك، ولكنَّه قال لهم: «لم نؤمر بذلك».

وهكذا تمَّ الإعداد لأهل يثرب؛ ليكونوا قادرين على استقبال المهاجرين، وما يترتَّب على ذلك من تَبِعَات.

ثانياً: تأمُّلاتٍ في بعض آيات سورة العنكبوت:

تعتبر سورة العنكبوت من أواخر ما نزل في المرحلة المكِّيَّة، وتحدَّثت السُّورة عن سنَّة الله في الدَّعوات، وهي سنُّة الابتلاء، قال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: 1 - 4]

وفي سورة العنكبوت ثلاثةُ أمورٍ تلفت النَّظر، وهي:

1 - ذِكْرُ كلمة المنافقين، ومن المعلوم: أنَّ النِّفاق لا يكون إلا عندما تكون الغلبة للمسلمين؛ حيث يخشى بعضُ النَّاس على مصالحهم، فيظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، ومن المعلوم: أنَّ المجتمع في مكَّةَ كان جاهليّاً، وكانت القوَّة والغلبة لأهل الشِّرك، فما مناسبة مجيء المنافقين في هذه السُّورة، في قوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمنوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ﴾ [العنكبوت: 11]، وهي سورةٌ مكِّيَّةٌ كما قلنا: فهل كانت الآمال قد قويت عند الفئة المؤمنة بحيث تراءى لهم الفرج، والنَّصر قاب قوسين أو أدنى؟ أم أنَّ هذه الآية مدنيَّةٌ وضعت في سورةٍ مكِّيَّةٍ؛ لأنَّ النِّفاق لم يحِنْ وقتُه بعدُ، كما ذهب إلى ذلك بعض المفسِّرين؟.

2 - ورد الأمر بمجادلة أهل الكتاب بالَّتي هي أحسن، وكأنَّه تهيئةٌ للنُّفوس للمرحلة القادمة؛ الَّتي سيكون بين المسلمين وبين أهل الكتاب فيها احتكاكٌ، فلا يكونون البادئين بالشدَّة، فيأتي التَّنبيه على هذا الأمر في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاَءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ ﴾ [العنكبوت: 46 - 47] .

3 - تهيئة النُّفوس للهجرة في أرض الله الواسعة، وربما كانت المدينة قد بدأت تستقبل المهاجرين من المؤمنين بعد بيعة العقبة الأولى، ومهما كان الأمر، وأنَّى كان وقت نزول سورة العنكبوت؛ فإنَّ الإشارة واضحةٌ، والحثَّ على الهجرة - أيضاً - واضحٌ ببيان تكفُّل اللهِ الرِّزق للعباد؛ في أيِّ أرضٍ، وفي أيِّ زمانٍ. قال تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمنوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴾ [العنكبوت: 56] .

هذه الآية الكريمة نزلت في تحريض المؤمنين الَّذين كانوا بمكَّة على الهجرة؛ فأخبرهم الله تعالى بسعة أرضه، وأنَّ البقاء في بقعةٍ على أذى الكفار ليس بصوابٍ؛ بل الصَّواب أن يُتلمَّس عبادةُ الله في أرضه مع صالحي عباده؛ أي: إن كنتم في ضيق من إظهار الإيمان بها، فهاجروا إلى المدينة؛ فإنَّها واسعةٌ لإظهار التَّوحيد بها، ثمَّ أخبرهم تعالى: أنَّ الرِّزق لا يختصُّ ببقعةٍ معيَّنةٍ؛ بل رزقه تعالى عامٌّ لخلقه حيث كانوا، وأين كانوا، بل كانت أرزاق المهاجرين حيث هاجروا أكثر، وأوسع، وأطيب، فإنَّهم بعد قليل صاروا حكَّام البلاد في سائر الأقطار، والأمصار، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَآبَّةٍ لاَ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [العنكبوت: 60] .

كما ذكَّرهم تعالى: أنَّ كلَّ نفسٍ واجدةٌ مرارة الموت، فقال جلَّ شأنه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 57]. أي: واجدةٌ مرارته، وكربه، كما يجد الذَّائق طعم المذوق، ومعناه: إنَّكم ميِّتون، فواصلون إلى الجزاء، ومن كانت هذه عاقبته؛ لم يكن له بُـدٌّ من التزوُّد لها، والاستعداد بجهده، وهذا تشجيعٌ للنَّفس على الهجرة؛ لأنَّ النَّفس إذا تيقَّنت بالموت؛ سهُلَ عليها مفارقةُ وطنها.

قال ابن كثير في الآية: أي: أينما كنتم يدرككم الموت، فكونوا في طاعة الله، وحيث أمركم الله؛ فهو خيرٌ لكم، فإنَّ الموت لابدَّ منه، ولا محيد عنه، ثمَّ إلى الله المرجع والمآب، فمن كان مطيعاً له؛ جازاه أفضل الجزاء، ووافاه أتمَّ الثَّواب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الآنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [العنكبوت 58 - 59]، أي: صبروا على دينهم، وهاجروا إلى الله، ونابزوا الأعداء، وفارقوا الأهل، والأقرباء؛ ابتغاء وجه الله، ورجاء ما عنده، وتصديق موعوده، ولم يتوكَّلوا في جميع ذلك إلا على الله.

ثالثاً: طلائع المهاجرين:

لـمَّا بايعتْ طلائعُ الخير، ومواكبُ النُّور من أهل يثرب النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم على الإسلام، والدِّفاع عنه؛ ثارت ثائرة المشركين، فازدادوا إيذاءً للمسلمين، فأذن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى المدينة، وكان المقصود من الهجرة إلى المدينة، إقامة الدَّولة الإسلاميَّة؛ الَّتي تحمل الدَّعوة، وتجاهد في سبيلها؛ حتَّى لا تكون فتنةٌ، ويكون الدِّين كلُّه لله، وكان التَّوجيه إلى المدينة من الله تعالى، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لـمَّا صدر السَّبعون من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ طابت نفسه، وقد جعل الله له منعةً، وقوماً أهل حربٍ، وعدَّةٍ، ونجدةٍ، وجعل البلاء يشتدَّ على المسلمين من المشركين؛ لما يعلمون من الخروج، فضيَّقوا على أصحابه، وتعبَّثوا بهم، ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشَّتم، والأذى، فشكا ذلك أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأذنـوه في الهجرة، فقال: « قـد أُريت دار هجرتكم، أريت سبخةً ذات نخلٍ بين لابتين - وهما الحرَّتان - ولو كانت السَّراة أرض نخلٍ، وسباخٍ؛ لقلت: هي، هي» [البخاري (2297) والبيهقي في الدلائل (2/459)] ..

ثمَّ مكث أياماً، ثمَّ خرج إلى أصحابه مسروراً فقال: «قد أخبرت بدار هجرتكم، وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها» فجعل القوم يتَّجهون، ويتوافقون، ويتواسون، ويخرجون، ويخفون ذلك، فكان أوَّلَ من قدم المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أبو سلمة بن عبد الأسد، ثمَّ قدم بعده عامر بن ربيعة، معه امرأته ليلى بنت أبي حَثْمَة، فهي أوَّل ظعينةٍ قدمت المدينة، ثمَّ قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالاً، فنزلوا على الأنصار في دورهم، فآووهم، ونصروهم، وآسوهم، وكان سالم مولى أبي حُذيفة، يؤمُّ المهاجرين بقباء، قبل أن يقدم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فلـمَّا خرج المسلمون في هجرتهم إلى المدينة، كَلِبَتْ  قريشٌ عليهم، وحربوا، واغتاظوا على مَنْ خرج من فتيانهم، وكان نفرٌ من الأنصار بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيعة الآخرة، ثمَّ رجعوا إلى المدينة، فلـمَّا قدم أوَّل مَنْ هاجر إلى قُباء؛ خرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكَّة، حتَّى قدموا مع أصحابه في الهجرة، فهم مهاجرون أنصاريُّون، وهم: ذكوان بن عبد قيس، وعقبة بن وهب بن كلدة، والعباس بن عبادة بن نضلة، وزياد بن لبيد، وخرج المسلمون جميعاً إلى المدينة، فلم يبقَ بمكَّة فيهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر، وعليٌّ، أو مفتونٌ، أو مريضٌ، أو ضعيفٌ عن الخروج. [ابن سعد (1/325)] .

مراجع البحث:

  1. علي محمد محمد الصّلابيّ، السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث (دروس وعبر)، الطبعة الأولى، 2004.
  2. أبو محمد بن عبد الملك بن هشام، السِّيرة النَّبويَّة، دار الفكر، بدون تاريخ.
  3. لابن كثير، للإمام أبي الفداء إسماعيل، السِّيرة النَّبويَّة، تحقيق مصطفى عبد الواحد، الطَّبعة الثانيةـ، دار الفكر بيروت لبنان، 1978
  4. عبد القادر حامد التيجاني، أصول الفكر السِّياسيِّ في القرآن المكِّي، الطَّبعة الأولى، عمَّان الأردن، دار البشير،1995.
  5. عبد الحميد البلالي، وقفاتٌ تربويَّةٌ من السِّيرة النَّبويَّة، الطَّبعة الثَّالثة، 1991 ، دار المنار، الكويت.1991.

أساليب قريش في محاربة المهاجرين ومشاهد العظمة في الهجرة (2)

د. علي محمد محمد الصّلابيّ

لم يكن حدث هجرة النبي و أصحابه سهلا، فقد أخذ الأمر إستعدادت وخطوات حاسمة ، قابلها الخصم بأساليب متنوعة للحيلولة دون خروج من بقي من المسلمين إلى المدينة، و قد اتَّبعت قيادة قريش  في ذلك عدَّة أساليب؛ منها:

1 - أسلوب التَّفريق بين الرَّجل، وزوجه، وولده:

ونترك أمَّ المؤمنين أمَّ سلمة، هند بنت أبي أميَّة تحدِّثنا عن روائع الإيمان، وقوَّة اليقين في هجرتها، وهجرة زوجها أبي سلمة. قالت رضي الله عنها: «لما أَجْمَعَ أبو سلمة الخروجَ إلى المدينة، رَحَل لي بعيرَهُ، ثمَّ حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثمَّ خرج بي يقود بعيرَه، فلـمَّا رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم؛ قاموا إليه، فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه، علامَ نتركك تسير بها في البلاد؟

قالت: فنزعوا خطام البعير من يده، فأخذوني منه. قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد، رهط أبي سلمة، فقالوا: لا والله، لا نترك ابننا عندها؛ إذ نزعتموها من صاحبنا. قالت: فتجاذبوا بُنيَّ سلمة بينهم، حتَّى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة. قالت: ففُرِّق بيني، وبين زوجي، وبين ابني. قالت: فكنت أخرج كلَّ غداةٍ، فأجلس بالأبطح، فما أزال أبكي حتَّى أُمسي، سنةً، أو قريباً منها؛ حتَّى مرَّ بي رجلٌ من بني عمِّي - أحدُ بني المغيرة - فرأى ما بي، فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تُخرْجون هذه المسكينة؛ فرَّقتم بينها وبين زوجها، وبين ولدها؟! قالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئتِ. قالت: وردَّ بنو عبد الأسد إليَّ عند ذلك ابني. قالت: فارتحلتُ بعيري، ثمَّ أخذت ابني، فوضعته في حِجري، ثمَّ خرجت أريد زوجي بالمدينة، وما معي أحدٌ من خَلْق الله. قالت: فقلت: أتبلَّغ بمن لقيت حتَّى أقدم على زوجي، حتَّى إذا كنت بالتَّنْعيم، لقيتُ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، أخا بني عبد الدَّار.

فقال لي: إلى أين يا بنت أبي أميَّة؟! قالت: فقلت: أريد زوجي بالمدينة. قال: أو ما معك أحد؟ قالت: فقلت: لا والله! إلا الله، وبُنَيَّ هذا. قال: والله ما لكِ من مَتْرك. فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يَهْوِي بي، فوالله ما صحبت رجلاً من العرب قطُّ أرى أنَّه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل؛ أناخ بي، ثمَّ استأخر عنِّي، حتَّى إذا نزلت استأخر ببعيري، فحطَّ عنه، ثمَّ قيَّده في الشَّجرة، ثمَّ تنحَّى عنِّي إلى شجرة، فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرَّواح؛ قام إلى بعيري، فقدَّمه، فرحَّله، ثمَّ استأخر عنِّي، وقال: اركبي، فإذا ركبتُ، واستويت على بعيري؛ أتى فأخذ بخطامه، فقاده حتَّى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقْدَمني المدينة فلـمَّا نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقُباء، قال: زوجك في هذه القرية - وكان أبو سلمة بها نازلاً - فادْخُليها على بركة الله، ثمَّ انصرف راجعاً إلى مكَّة. قال: فكانت تقول: والله! ما أعلم أهل بيتٍ في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحباً قطُّ كان أكرم من عثمان بن طلحة». [ابن هشام (2/112 - 113)] .

فهذا مثل على الطُّرق القاسية، الَّتي سلكتها قريشٌ؛ لتحول بين أبي سلمة والهجرة، فرجل يفرَّق بينه وبين زوجه عَنْوَةً، وبينه وبين فلذة كبده على مرأىً منه، كلُّ ذلك من أجل أن يثنوه عن الهجرة، ولكنْ متى تمكَّن الإيمان من القلب؛ استحال أن يقدِّم صاحبه على الإسلام والإيمان شيئاً، حتَّى لو كان ذلك الشَّيء، فلذة كبده، أو شريكة حياته، لذا انطلق أبو سلمة رضي الله عنه إلى المدينة، لا يلوي على أحدٍ، وفشل معه هذا الأسلوب، وللدُّعاة إلى الله فيه أسوةٌ.

وهكذا أثَرُ الإيمان حين يخالط بشاشة القلوب، فهذه أسرةٌ فُرِّق شملُها، وامرأةٌ تبكي شدَّة مصابها، وطفلٌ خُلعت يده، وحُرِم من أبويه، وزوج، وأبٌ يسجِّل أروع صور التَّضحية، والتَّجرد؛ ليكون أوَّل مهاجِرٍ يصل أرض الهجرة، محتسبين في سبيل الله ما يلقون، مصمِّمين على المضيِّ في طريق الإيمان، والانحياز إلى كتيبة الهدى، فماذا عسى أن ينال الكفر، وصناديده من أمثال هؤلاء؟!

وأمَّا صنيع عثمان بن طلحة رضي الله عنه، فقد كان يومئذ كافراً «وأسلم قبل الفتح»، ومع ذلك تشهَدُ له أمُّ سلمة رضي الله عنها بكرم الصُّحْبةِ، وذلك شاهد صدقٍ على نفاسة هذا المعدن، وكمال مروءته، وحمايته للضَّعيف، فقد أبت عليه مروءته، وخلقه العربيُّ الأصيل، أن يَدَع امرأةً شريفةً، تسير وحدها في هذهِ الصَّحراء الموحشة، وإن كانت على غير دينه، وهو يعلم أنَّها بهجرتها تراغمه، وأمثاله من كفَّار قريش.

فأين من هذه الأخلاق - يا قومي المسلمين! - أخلاق الحضارة في القرن العشرين؛ من سطوٍ على الحرِّيات، واغتصابٍ للأعراض؛ بل وعلى قارعة الطَّريق، وما تطالعنا به الصَّحافة كلَّ يومٍ من أحداثٍ يندى لها جبين الإنسانيَّة؛ مِن تَفَنُّنٍ في وسـائل الاغتصـاب، وانتهاك الأعراض، والسَّطو على الأموال!.

إنَّ هذه القصة - ولها مُثُلٌ ونظائر - لتشهدُ أنَّ ما كان للعرب من رصيدٍ من الفضائل كان أكثر من مثالبهم، ورذائلهم، فَمِنْ ثمَّ اختار الله منهم خاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم ، وكانوا أهلاً لحمل الرِّسالة، وتبليغها للنَّاس كافَّةً.

وتظهر عناية الله تعالى بأوليائه، وتسخيره لهم، فهو - جلَّ وعلا - الَّذي سخَّر قلب عثمان بن طلحة للعناية بأمِّ سلمة، ولذلك بذل الجهد، والوقت من أجلها، كما تظهر سلامة فطرة عثمان بن طلحة؛ الَّتي قادته أخيراً إلى الإسلام بعد صلح الحديبية، ولعلَّ إضاءة قلبه بدأت منذ تلك الرِّحلة في مصاحبته لأمِّ سلمة رضي الله عنها.

2 - أسلوب الاختطاف:

لم تكتفِ قيادة قريش بالمسلمين داخل مكَّة بمنعهم من الهجرة، بل تعدَّت ذلك إلى محاولة إرجاع من دخل المدينة مهاجراً، فقامت بتنفيذ عملية اختطاف أحد المهاجرين، ولقد نجحت هذه المحاولة، وتمَّ اختطاف أحد المهاجرين من المدينة، وأعيد إلى مكَّة، وهذه الصُّورة التَّاريخيَّة للاختطاف يحدِّثنا بها عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، حيث قال: اتَّعدتُّ لما أردنا الهجرة إلى المدينة، أنا، وعيَّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل السَّهمي التَّناضِبَ من أضَاة بني غفارٍ، فوق سَرِف، وقلنا: أيُّنا لم يُصْبِحْ عندها فقد حُبس، فليمضِ صاحباه.

قال: فأصبحت أنا، وعياش بن أبي ربيعة عند التَّناضِب، وحُبِس عنَّا هشام، وفُتن، فافتتن. فلـمَّا قدمنا المدينة؛ نزلنا في بني عمرو بن عوف بقُباء، وخرج أبو جهل بن هشام، والحارث بن هشام، إلى عيَّاش بن أبي ربيعة، وكان ابن عمِّهما، وأخاهما لأمِّهما، حتَّى قدما علينا المدينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكَّة، فكلَّماه، وقالا: إنَّ أمَّك قد نذرت ألا يمسَّ رأسها مشطٌ حتَّى تراك، ولا تستظلَّ من شمسٍ حتَّى تراك، فرقَّ لها، فقلت له: عيَّاش، إنَّه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك، فاحذرهم، فوالله لو قد آذى أمَّك القملُ، لامتشطت، ولو قد اشتدَّ عليها حرُّ مكة لاستظلَّت.

قال: أبرُّ قسم أمِّي، ولي هناك مالٌ، فآخذه. قال: فقلت: والله إنك لتعلم أنِّي لَمِنْ أكثر قريشٍ مالاً، فلك نصفُ مالي، ولا تذهب معهما، قال: فأبى عليَّ إلا أن يخرج معهما، فلـمَّا أبى إلا ذلك، قلت له: أما إذ قد فعلت ما فعلت؛ فخذ ناقتي هذه، فإنها ناقةٌ نجيبةٌ ذلول، فالزمْ ظهرها، فإن رابك من القوم ريبٌ؛ فانجُ عليها، فخرج عليها معهما، حتَّى إذا كانوا ببعض الطريق، قال له أبو جهل: يا أخي، والله! لقد استغلظتُ بعيري هذا، أفلا تُعْقِبني على ناقتك هذه؟ قال: بلى، قال: فأناخ، وأناخ، ليتحوَّل عليها، فلما استَوَوْا بالأرض، عدوا عليه، فأوثقاه، ثمَّ دخلا به مكَّة، وفتناه، فافتتن.

قال: فكنَّا نقول: ما الله بقابل ممَّن افتتن صَرفاً، ولا عدلاً، ولا توبةً، قوم عرفوا الله، ثمَّ رجعوا إلى الكفر لبلاءٍ أصابهم! قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، فلـمَّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؛ أنزل الله تعالى فيهم، وفي قولنا، وقولهم لأنفسهم: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ﴾ [الزمر: 53 - 55] .

قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: فكتبتها بيدي في صحيفةٍ، وبعثت بها إلى هشام بن العاص، قال: فقال هشام: فلـمَّا أتتني؛ جعلت أقرؤها بذي طَوَى أُصَعِّد بها فيه، وأصَوِّبُ، ولا أفهمها، حتَّى قلت: اللهمَّ فهِّمنيها، قال: فألقى الله تعالى في قلبي أنَّها إنَّما أنزلت فينا، وفيما كنا نقول في أنفسنا، ويُقال: فينا، قال: فرجعت إلى بعيري، فجلست عليه، فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو بالمدينة. [البزار (1746) والبيهقي في الدلائل (2/461-462) ومجمع الزوائد (6/61)] .

هذه الحادثة تظهر لنا كيف أعدَّ عمر رضي الله عنه خطَّة الهجرة له، ولصاحبيه عيَّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل السَّهميِّ، وكان ثلاثتهم كلُّ واحدٍ من قبيلةٍ، وكان مكان اللِّقاء الَّذي اتَّعَدوا فيه بعيداً عن مكَّة، وخارج الحرم، على طريق المدينة، ولقد تحدَّد الزمان، والمكان بالضَّبط؛ بحيث إنَّه إذا تخلف أحدهم؛ فليمضِ صاحباه، ولا ينتظرانه؛ لأنَّه قد حُبس، وكما توقعوا، فقد حبس هشام بن العاص رضي الله عنه، بينما مضى عمر، وعيَّاش بهجرتهما، ونجحت الخطَّة كاملة، ووصلا المدينة سَالِمَيْنِ.

إلا أنَّ قريشاً صمَّمت على متابعة المهاجرين، ولذلك أعدَّت خطَّةً محكمةً، قام بتنفيذها أبو جهل، والحارث، وهما أَخَوَا عياش من أمِّه، الأمر الذي جعل عياشاً يطمئنُّ لهما، وبخاصَّةٍ إذا كان الأمر يتعلَّق بأمِّه، فاختلق أبو جهل هذه الحيلة؛ لعلمه بمدى شفقة ورحمة عيَّاش بأمِّه، والَّذي ظهر جليّاً عندما أظهر موافقته على العودة معهما، كما تُظهر الحادثة الحسَّ الأمني الرَّفيع؛ الَّذي كان يتمتَّع به عمر رضي الله عنه؛ حيث صدقت فراسته في أمر الاختطاف.

كما يظهر المستوى العظيم من الأخوَّة التي بناها الإسلام في هذه النُّفوس؛ فعمر يضحِّي بنصف ماله حرصاً على سلامة أخيه، وخوفاً عليه من أن يفتنه المشركون بعد عودته، ولكن غلبت عياشاً عاطفتُه نحو أمِّه، وبرِّه بها؛ ولذلك قرَّر أن يمضي لمكَّة فيبرَّ قسم أمِّه، ويأتي بماله من هناك، وتأبى عليه عفَّته أن يأخذ نصف مال أخيه عمر رضي الله عنه، وماله قائم في مكَّة لم يُمسَّ، غير أنَّ أفق عمر رضي الله عنه كان أبعد، فكأنه يرى رأي العين، المصير المشؤوم، الَّذي سينزل بعياشٍ لو عاد إلى مكَّة، وحين عجز عن إقناعه؛ أعطاه ناقته الذَّلول النَّجيبة، وحدث لعياش ما توقَّعه عمر من غدر المشركين به.

وساد في الصفِّ المسلم: أنَّ الله تعالى لا يقبل صرفاً، ولا عدلاً، من هؤلاء الذين فُتِنوا، فافتتنوا، وتعايشوا مع المجتمع الجاهليِّ، فنزل قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، وما إن نزلت هذه الآيات، حتَّى سارع الفاروق رضي الله عنه، فبعث بهذه الآية إلى أخَوَيه الحميمين عيَّاش، وهشام؛ ليجدِّدوا محاولاتهما في مغادرة معسكر الكفر .. أيُّ سموٍّ عظيمٍ عند ابن الخطَّاب رضي الله عنه؟! لقد حاول مع أخيه عياش، أعطاه نصف ماله على ألاَّ يغادر المدينة، وأعطاه ناقته ليفرَّ عليها، ومع هذا كلِّه، فلم يشمت بأخيه، ولم يَتَشَفَّ منه لأنَّه خالفه، ورفض نصيحته، وألقى برأيه خلف ظهره؛ إنَّما كان شعور الحبِّ، والوفاء لأخيه هو الَّذي يسيطر عليه، فما إن نزلت الآية، حتَّى سارع ببعثها إلى أخويه في مكَّة، ولكلِّ المستضعفين هناك؛ ليقوموا بمحاولاتٍ جديدةٍ للانضمام إلى المعسكر الإسلاميِّ.

3 - أسلوب الحبس:

لجأت قريش إلى الحبس كأسلوبٍ لمنع الهجرة، فكلُّ من تقبض عليه، وهو يحاول الهجرة كانت تقوم بحبسه داخل أحد البيوت مع وضع يديه، ورجليه في القيد، وتفرض عليه رقابةً، وحراسةً مشدَّدةً حتَّى لا يتمكَّن من الهرب، وأحياناً يكون الحبس داخل حائطٍ بدون سقف، كما فُعل مع عيَّاش، وهشام بن العاص رضي الله عنهما، حيث كانا محبوسَيْن في بيتٍ لا سَقف له، وذلك زيادة في التَّعذيب؛ إذ يضاف إلى وحشة الحبس، حرارة الشَّمس، وسط بيئةٍ جبليَّةٍ شديدة الحرارة مثل مكَّة.

فقيادة قريش تريد بذلك تحقيق هدفين؛ أوَّلهما: منع المحبوسين من الهجرة، والآخر: أن يكون هذا الحبس درساً وعِظَةً، لكلِّ مَنْ يحاول الهجرة من أولئك الَّذين يفكِّرون بها ممَّن بقي من المسلمين بمكَّة، ولكن لم يمنع هذا الأسلوب المسلمين من الخروج إلى المدينة المنَّورة، فقد كان بعض المسلمين محبوسين في مكَّة؛ مثل عيَّاش، وهشام رضي الله عنهما، ولكنَّهما تمكَّنا من الخروج، واستقرّا بالمدينة.

كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بعد هجرته يقْنُتُ، ويدعو للمستضعفين في مكَّة عامَّةً، ولبعضهم بأسمائهم خاصَّةً، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الرَّكعة الأخيرة؛ يقول: «اللَّهم أَنْجِ عيَّاش بن أبي ربيعة، اللَّهمَّ أنج سَلَمَةَ بن هشام، اللَّهم أنج الوليدَ بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللَّهم اشْدُدْ وطأتك على مُضَر، اللهم اجعلها سنينَ كسِنِي يوسفَ» [البخاري (1006) وأحمد (2/418)] .

ولم يترك المسلمون أمر اختطاف عيَّاش؛ فقد ندب الرَّسول صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه، وفعلاً استعدَّ للمهمَّة، ورتَّب لها ما يحقِّق نجاحها، وذهب إلى مكَّة، واستطاع بكلِّ اقتدارٍ، وذكاءٍ، أن يصل إلى البيت الَّذي حُبسا فيه، وفكَّ قيدهما، ورجع بهما إلى المدينة المنوَّرة.

4 - أسلوب التَّجريد من المال:

كان صهيب بن سنان النَّمَري من النَّمر بن قاسط، أغارت عليهم الرُّوم، فسُبي وهو صغيرٌ، وأخذ لسان أولئك الَّذين سَبَوْه، ثمَّ تقلَّب في الرِّق، حتَّى ابتاعه عبد الله بن جُدعان ثمَّ أعتقه، ودخل الإسلام هو، وعمَّار بن ياسر رضي الله عنهما في يومٍ واحدٍ.

وكانت هجرة صهيب رضي الله عنه، عملاً تتجلَّى فيه روعة الإيمان، وعظمة التَّجرُّد لله؛ حيث ضحَّى بكلِّ ما يملك في سبيل الله، ورسوله صلى الله عليه وسلم ، واللُّحوق بكتيبة التَّوحيد، والإيمان، فعن أبي عثمان النَّهْديِّ - رحمه الله - قال: بلغني: أنَّ صهيباً حين أراد الهجرة إلى المدينة، قال له أهل مكَّة: أتيتنا هاهنا صُعْلُوكاً، حقيراً، فكثر مالك عندنا، وبلغت ما بلغتَ، ثمَّ تنطلق بنفسك ومالك؟ والله لا يكون ذلك. فقال: أرأيتم إن تركت مالي؛ تخلون أنتم سبيلي؟ قالوا: نعم، فجعل لهم ماله أجمع، فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: «ربح صهيبٌ! ربح صهيبٌ!» [المطالب العالية (4063) وابن هشام (2/121)] .

وعن عكرمة - رحمه الله - قال: لـمَّا خرج صهيب مهاجراً؛ تبعه أهل مكَّة، فنثل كنانته، فأخرج منها أربعين سهماً، فقال: لا تَصِلُون إليَّ حتى أضع في كلِّ رجلٍ منكم سهماً، ثمَّ أصيرُ بعد إلى السَّيف، فتعلمون أنِّي رجلٌ، وقد خلَّفت بمكَّة قينتين، فهما لكم» [الحاكم (3/398)]، وقال عكرمة: ونزلت على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [البقرة: 207].

فلـمَّا رآه  النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قال: «أبا يحيى! ربح البيع!» قال: وتلا عليه الآية [الحاكم (3/398)] لكأنِّي بصهيبٍ رضي الله عنه يقدِّم الدَّليل القاطع على فساد عقل أولئك الماديين؛ الَّذين يَزِنُون حركات التَّاريخ، وأحداثَه كلَّها بميزان المادَّة، فأين هي المادَّة الَّتي سوف يكسبها صهيبٌ في هجرته، والَّتي ضحَّى من أجلها بكلِّ ما يملك؟! هل تراه  ينتظر أن يعطيـه محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم منصباً يعوِّضه عمَّا فقده ؟! أو هل ترى محمَّداً صلى الله عليه وسلم يُمنِّيه بالعيش الفاخر في جوار أهل يثرب؟ إنَّ صهيباً ما فعل ذلك، وما انحاز إلى الفئة المؤمنة، إلا ابتغاء مرضاة الله، بالغاً ما بلغ الثَّمن؛ ليضرب لشباب الإسلام مثلاً في التَّضحية عزيزة المنال، عساهم يسيرون على الدَّرب، ويقتفون الأثر.

إنَّ هذه المواقف الرائعة، لم تكن هي كلَّ مواقف العظمة والشُّموخ في الهجرة المباركة، بل امتلأ هذا الحدث العظيم، بكثيرٍ من مشاهد العظمة والتَّجرُّد والتَّضحية، الَّتي تعطي الأمَّة دروساً بليغةً في بناء المجد، وتحصيل العزَّة.

مراجع البحث:

 

  1. علي محمد محمد الصّلابيّ، السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث (دروس وعبر)، الطبعة الأولى، 2004.ص.ص (411:402).
  2. إبراهيم علي محمَّد، في السِّيرة النَّبويَّة جوانب الحذر والحماية، الطَّبعة الأولى ، وزارة الأوقاف الدوحة، قطر، 1996، ص 130.
  3. محمَّد أبو شهبة، السِّيرة النَّبويَّة في ضوء القران والسنة، الطبعة الثالثة، دار القلم – دمشق سوريا، 1996، (الجزء الأول/ ص 461).
  4. عبد العزيز الحميديُّ، التَّاريخ الإسلاميُّ - مواقف وعبرٌ، الطبعة الأولى، دار الدَّعوة الإسكندريَّة، مصر، 1997، (الجزء الثالث، ص 128).
  5. منير الغضبان، التَّربية القياديَّة، الطبعة الأولى، دار الوفاء – المنصورة، مصر، 1998، (الجزء الثاني/ ص 160).

بيوتات الأنصار الحاضنة وأثرها في النُّفوس (3)

د. علي محمد محمد الصّلابيّ

لقد كان من نتائج إيمان الأنصار، ومبايعتهم، وتعهُّدهم بالنُّصرة أن دعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى الهجرة إلى المدينة، كما كان من نتائج ذلك أن ظهرت ظاهرةٌ عظيمةٌ من التَّكافل بين المسلمين، ففتحت بيوت الأنصار أبوابها، وقلوب أصحابها لوفود المهاجرين، واستعدَّت لاحتضانهم رجالاً، ونساءً؛ إذ  أصبح المسكن الواحد يضمُّ المهاجر، والأنصاريَّ، والمهاجرة، والأنصاريَّة، يتقاسمون المال، والمكان، والطَّعام والمسؤوليَّة الإسلاميَّة؛ فمن هذه البيوتات الحاضنة:

1 - دار مبشِّر بن عبد المنذر بن زَنْبَر بقُباء: ونزل بها مجموعةٌ من المهاجرين، نساءً، ورجالاً، وقد ضمَّت هذه الدُّور، عمر بن الخطاب، ومن لحق به من أهله وقومه، وابنته حفصة، وزوجها، وعيَّاش بن أبي ربيعة.

2 - دار خُبَيب بن إساف أخي بَلْحارث بن الخزرج بالسُّنْح: نزل بها طلحة بن عبيد الله بن عثمان، وأمُّه، وصهيب بن سنان.

3 - دار أسعد بن زُرارةَ من بني النَّجار، قيل: نزل بها حمزة بن عبد المطَّلب.

4 - دار سعد بن خيثمة أخي بني النَّجار، وكان يسمَّى: بيت العزاب، ونزل بها العُزَّاب من المهاجرين.

5 - دار عبد الله بن سلمة أخي بَلْعجلان بقُباء، ونزل بها عُبيدة بن الحارث، وأمُّه سُخيلة، ومِسْطَح بن أُثاثة بن عبَّاد بن المطلب، والطُّفيل بن الحارث، وطُليب بـن عُمير، والحُصَيْن بـن الحارث؛ نزلوا جميعاً على عبد الله بـن سلمة بقُبـاء.

6 - دار بني جَحْجَبَى، والْمُحتَضِن هو منذر بن محمَّد بن عُقبة، نزل عنده الزُّبير بن العوَّام، وزوجه أسماء بنت أبي بكر، وأبو سَبْرة بن أبي رُهْم، وزوجته أمُّ كلثوم بنت سُهيل.

7 - دار بني عبد الأشهل، والمُحْتَضِن هو سعد بن معاذ بن النُّعمان من بني عبد الأشهل، نزل بها مصعب بن عمير، وزوجته حَمْنة بنت جحش.

8 - دار بني النَّجار، والمُحتضن هو أوس بن ثابت بن المنذر، نزل بها عثمان بن عفان، وزوجته رقيَّة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم  .

فهذه المقاسمة، وهذا التَّكافل الاجتماعيُّ كان من أهمِّ العناصر الَّتي مهَّدت لإقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته المهاجرين معه، وبعده، إقامةً طيِّبةً، تنبض بالإيثار على النَّفس، وبودِّ الأخوَّة الصَّادقة المؤمنة.

بهذه الروح العالية، والإيمان الوثيق، والصِّدق في المعاملة تمَّت المؤاخاة، وتمَّ الوفاق بين المهاجرين، والأنصار، وقد يحدث تساؤلٌ، فيقال: لماذا لم نسمع، ولم تسجِّل المصادر، ولم تكتب المراجع: أنَّ خلافاتٍ وقعت في هذه البيوت؟ وأين النِّساءُ وما اشتهرن به من مشاكسات؟

إنَّه الدِّين الحقُّ؛ الَّذي جعل تقوى الله أساساً لتصرُّف كلِّ نفسٍ، والأخلاق السَّامية الَّتي فرضت الأخوة بين المسلمين، ونصرة الدَّعوة، إنَّها المبايعة، وأثرها في النُّفوس، إنَّه الصِّدق، والعمل من أجل الجماعة، خوفاً من العقاب، ورهبةً من اليوم الآخر، ورغبةً في الثواب، وطمعاً في الجنة، إنَّه دفء حضانة الإيمان، واستقامة النَّفس والسُّلوك، وصدق الطَّويَّة، فكلُّ مَنْ أسلم، وكلُّ من بايع، وكلُّ من أسلمت، وبايعت، يعملون جميعهم ما يؤمرون به، ويخلصون فيما يقولون، يخافون الله في السِّر، والعلن، آمنت نفوسهم فاحتضنت المناصرةُ المهاجرةَ، فالكلُّ يعمل من أجل مصلحة الكلِّ، فهذا هو التَّكافل الاجتماعيُّ في أجلى صورةٍ، وأقدس واقعةٍ، رغب الكلُّ في الثَّواب؛ حتَّى إنَّ الواحد منهم يخاف ذهاب المناصر بالأجر كلِّه.

إنَّ جانب البذل، والعطاء ظاهرةٌ، نحن بحاجة إلى الإشارة إليها في كلِّ وقتٍ؛ إنَّنا في عالمنا المعاصر، وفي الصَّفِّ الإسلاميِّ، وفي رحلةٍ لبضعة أيام تتكشَّف النُّفوس والعيوب، والحزازات والظُّنون، وهذا مجتمعٌ يبنى؛ ولـمَّا يصلْ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد، ومع ذلـك تفتح البيوت للوافديـن الجُدُد، ليس على مستوى فـردٍ فقط؛ بل على مستوى جماعيٍّ كذلك، ويقيم المهاجرون في بيوت الأنصار شهوراً عدَّةً، والمعايشة اليوميَّة مستمرةٌ، والأنصار يبذلون المال، والحبَّ، والخدمات لإخوانهم القادمين إليهم، نحن أمام مجتمعٍ إسلاميٍّ، بلغ الذِّروة في لُحْمَتِهِ، وانصهاره، ولم يكن المهاجرون إلا القدوة للأنصار بالبذل، والعطاء، فلم يكونوا أصلاً فقراء؛ بل كانوا يملكون المال، ويملكون الدَّار، وتركوا ذلك كلَّه ابتغاء مرضاة الله، وبذلوه كلَّه لطاعته جلَّ وعلا، فكانوا كما وصفهم القرآن الكريم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 8 - 9] .كان هذا المجتمع المدنيُّ الجديد يتربَّى على معاني الإيمان، والتَّقوى، ولم يصل النَّبيُّ (ﷺ) بعد، ولكن تحت إشراف النُّقباء الاثنى عشر، الَّذين كانوا في كفالتهم لقومهم، ككفالة الحواريِّين لعيسى ابن مريم، وبإشراف قيادات المهاجرين الكبرى، الَّتي وصلت المدينة، والذين استقوا جميعاً من النَّبع النَّبويِّ الثَّرِّ، واقتبسوا من هديه.

ومن معالم هذا المجتمع الجديد ذوبان العصبية؛ فقد كان إمامُ المسلمين، سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه؛ لأنه كان أكثرهم قرآناً، فهذا المجتمع الَّذي يوجد فيه عِلْيَةُ أصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم ؛ من المهاجرين، والأنصار، وسادة العرب من قريش، والأوس والخزرج، يقوده ويؤمُّه حامل القرآن، فالكرامة العليا فيه لقارئ كتاب الله وحامله، وحامل القرآن في المجتمع الإسلاميِّ هو نفسه حامل اللِّواء في الحرب، فليس بينهما ذلك الانفصام الَّذي نشهده اليوم، بين حملـة القرآن من الحفَّـاظ، وبين المجاهدين في سبيل الله، فقد كان حامل لواء المهاجرين في معركة اليمامة سالم مولى أبي حذيفة، وكان شعاره: (بئس حامل القرآن) - يعني: إن فررت -، فقطعت يمينه، فأخذ اللواء بيساره، فقطعت، فاعتنقه إلى أن صُرع، واستُشهد في سبيل الله.

ومن معالم المجتمع الإسلاميِّ الجديد حرِّيَّة الدَّعوة إلى الله علانيةً، فقد أصبح واضحاً عند الجميع: أنَّ معظم قيادات يثرب دخلت في هذا الدِّين، ونشط الشَّباب، والنِّساء، والرِّجال في الدَّعوة إلى الله، والتبشير بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قدمٍ وساقٍ. ولابدَّ من المقارنة بين المجتمع الَّذي قام بالحبشة من المسلمين، وبين المجتمع الإسلاميِّ في يثرب؛ فلقد كانت الحبشة تحمل طابع اللُّجوء السِّياسيِّ، والجالية الأجنبيَّة أكثر ممَّا كانت تحمل طابع المجتمع الإسلاميِّ الكامل؛ صحيحٌ: أن المسلمين ملكوا حرِّيَّة العبادة هناك؛ لكنَّهم معزولون عن المجتمع النَّصرانيِّ، لم يستطيعوا أن يؤثِّروا فيه التَّأثير المنشود، وإن كانت هجرة الحبشة خطوةً متقدِّمةً على جو مكَّة؛ حيث لا تتوفر حرِّيَّة الدَّعوة، وحرِّيَّة العبادة، ولكنَّه دون المجتمع الإسلاميِّ في المدينة بكثير، ولذلك شرع مهاجرو الحبشة بمجرَّد سماع خبر هجرة المدينة، بالتوجُّـه نحوها مباشرة، أو عن طريق مكَّة؛ إلا من طلبت منه القيادة العليا البقاء هناك، لقد أصبحت المدينة مسلمةً بعد أن عاشت قروناً وثنيَّـةً مشركةً.

لقد أصبح المجتمع المدنيُّ مسلماً، وبدأ نموُّه، وتكوينه الفعليُّ بعد عودة الاثني عشر صحابيّاً من البيعة الأولى، والَّتي كان على رأسها، الصحابيُّ الجليل أسعد بن زُرَارةَ والَّتي حملت المسؤوليَّة الدَّعويَّة فقط، دون الوجود السِّياسيِّ، وبلغ أوج توسُّعه، وبنائه بعد عودة السَّبعين، الَّذين ملكوا الشَّارع السِّياسيَّ والاجتماعيَّ، وقرَّروا أن تكون بلدهم عاصمة المسلمين الأولى في الأرض، وهم على استعدادٍ أن يواجهوا كلَّ عدوٍّ خارجيٍّ، يمكن أن ينال من هذه السِّيادة، حتَّى قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم في المدينة.

إنَّ القاعدة الصُّلبة، الَّتي بذل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتاً وجهداً في تربيتها، بدأت تعطي ثمارها أكثر، بعد أن التحمت بالمجتمع المدنيِّ الجديد، وانصهر كلاهما في معاني العقيدة، وأخوَّة الدين.

لقد أعدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأفراد، وصقلهم في بوتقة الجماعة، وكوَّن بهم القاعدة الصُّلبة، ولم يقم المجتمع الإسلاميُّ الَّذي تقوم عليه الدَّولة إلا بعد بيعة الحرب وبذلك نقول: إنَّ المجتمع الإسلاميَّ قام بعدما تهيَّأت القوَّة المناسبة لحمايته في الأرض.

وهكذا انتقلت الجماعة المسلمة المنظَّمة القويَّة إلى المدينة، والتحمت مع إخوانها الأنصار، وتشكَّل المجتمع المسلم؛ الَّذي أصبح ينتظر قائده الأعلى صلى الله عليه وسلم ؛ ليعلن ولادة دولة الإسلام، الَّتي صنعت - فيما بعد - حضارةً؛ لم يعرفِ التَّاريخ مثلها حتَّى يومنا هذا.

سادساً: لماذا اختيرت المدينة كعاصمةٍ للدَّولة الإسلاميَّة؟

كان من حكمة الله تعالى في اختيار المدينة داراً للهجرة، ومركزاً للدَّعوة - عدا ما أراده الله من إكرام أهلها - أسرارٌ لا يعلمها إلا الله؛ إنَّها امتازت بتحصُّن طبيعيٍّ حربيٍّ، لا تزاحمها في ذلك مدينةٌ قريبةٌ في الجزيرة، فكانت حَرَّة الوَبْرَة، مُطبقةً على المدينة من النَّاحية الغربية، وحَرَّة واقِم مطبقةً على المدينة من النَّاحية الشَّرقيَّة، وكانت المنطقة الشَّمالية من المدينة هي الناحية الوحيدة المكشوفة - وهي الَّتي حصَّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق سنة خمس في غزوة الأحزاب - وكانت الجهة الأخرى من أطراف المدينة، محاطة بأشجار النَّخيل والزُّروع الكثيفة، لا يمرُّ منها الجيش إلا في طرقٍ ضيِّقةٍ، لا يتَّفق فيها النِّظام العسكريُّ، وترتيب الصُّفوف.

وكانت خفاراتٌ عسكريَّةٌ صغيرةٌ، كافيةٌ لإفساد النِّظام العسكريِّ، ومنعه من التقدُّم، يقول ابن إسحاق: «كان أحد جانبي المدينة عورةً، وسائر جوانبها مشكَّكةً بالبنيان، والنَّخيل، لا يتمكَّن العدوُّ منها».

ولعلَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ، قد أشار إلى هذه الحكمة الإلهيَّة في اختيار المدينة بقوله لأصحابه قبل الهجرة: «إني أُرِيتُ دار هجرتكم، ذات نخيلٍ بين لابتين، وهما الحرَّتان» [سبق تخريجه]، فهاجر مَنْ هاجر قِبَلَ المدينة، ورجع عامَّةُ من كان هاجرَ بأرض الحبشة إلى المدينة.

وكان أهل المدينة من الأوس، والخزرج أصحاب نخوةٍ، وإباءٍ، وفروسيَّةٍ، وقوَّةٍ، وشكيمةٍ، ألفوا الحرِّيَّة، ولم يخضعوا لأحدٍ، ولم يدفعوا إلى قبيلةٍ، أو حكومةٍ إتاوةً، أو جبايةً. يقول ابن خلدون: ولم يزل هذان الحيَّان قد غلبوا على يثرب، وكان الاعتزاز والمنعة تعرف لهم في ذلك، ويدخل في ملَّتهم مَنْ جاورهم من قبائل مُضَر.

وكان بنو عديِّ بن النَّجار أخواله صلى الله عليه وسلم ، فأمُّ عبد المطلب بن هاشم بن عديِّ بن النَّجار إحدى نسائهم، فقد تزوَّج هاشم بسلمى بنت عمرو أحد بني عديِّ بن النَّجار، وولدت لهاشم عبد المطلب، وتركه هاشم عندها، حتَّى صار غلاماً دون المراهقة، ثمَّ احتمله عمُّه المطَّلب، فجاء به إلى مكَّة، وكانت الأرحام يحسب لها حسابٌ كبيرٌ، في حياة العرب الاجتماعيَّة، ومنهم أبو أيوبٍ الأنصاريُّ؛ الَّذي نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره في المدينة.

وكان الأوس، والخزرج من قحطان، والمهاجرون وَمَنْ سبق إلى الإسلام في مكَّة، وما حولها من عدنان، ولـمَّا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وقام الأنصار بنصره؛ اجتمعت بذلك عدنان، وقحطان تحت لواء الإسلام، وكانوا كجسدٍ واحدٍ، وكانت بينهما مفاضلةٌ، ومسابقةٌ في الجاهليَّة، وبذلك لم يجد الشَّيطان سبيلاً إلى قلوبهم؛ لإثارة الفتنة، والتَّعزِّي بعزاء الجاهليَّة، باسم الحميَّة القحطانيَّة، أو العدنانيَّة، فكانت لكلِّ ذلك مدينة يثرب أصلحَ مكانٍ لهجرة الرَّسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واتِّخاذهم لها داراً، وقراراً، حتَّى يقوى الإسلام، ويشقَّ طريقه إلى الأمام، ويفتح الجزيرة، ثمَّ يفتح العالم المتمدِّن.

مراجع البحث:

 

  1. علي محمد محمد الصّلابيّ، السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث (دروس وعبر)، الطبعة الأولى، 2004.ص.ص (416:411).
  2. عبد الرحمن البر، الهجرة النَّبويَّة المباركة، الطبعة الأولى، دار الكلمة، المنصورة – مصر، 1997، ص 120.
  3. عصمة الدِّين كركر، المرأة في العهد النَّبويِّ، الطبعة الأولى، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1993، ص 116.
  4. محمَّد أبو شهبة، السِّيرة النَّبويَّة في ضوء القران والسنة، الطبعة الثالثة، دار القلم – دمشق سوريا، 1996، (الجزء الأول/ ص 468-469).
  5. منير الغضبان، التَّربية القياديَّة، الطبعة الأولى، دار الوفاء – المنصورة، مصر، 1998، (الجزء الثاني/ ص 174-175).

بين يثرب والمدينة المنورة...

الفضائل العظيمة لمدينة رسول الله (4)

د. علي محمد محمد الصّلابيّ

لقد عظم شرف المدينة المنوَّرة المباركة، بهجرة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إليها، حتَّى فضلت على سائر بقاع الأرض - حاشا مكَّة المكرَّمة - وفضائلها كثيرةٌ منها:

1 - كثرة أسمائها:

إنَّ كثرة الأسماء تدلُّ على شرف المُسمَّى، ولا توجد بلدةٌ في الدُّنيا لها من الأسماء، مثل ما للمدينة المنوَّرة، أو نصفه، أو حتَّى ربعه، وقد بلغ العلماء بأسمائها حوالي مئة اسمٍ(1)، وقد ذكر هذه الأسماء الزَّركشي في (إعلام السَّاجد بأحكام المساجد)، والمجد الفيروز ابادي صاحب (القاموس المحيط)، ونور الدِّين السَّمهودي في (وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى)، ومحمَّد بن يوسف الصَّالحي في (سبل الهدى والرَّشاد في سيرة خير العباد).

وأشهر هذه الأسماء:

(أ) يثرب: قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا ﴾ [الأحزاب: 13] .

وقد ورد النَّهي عن تسميتها بهذا الاسم، وأمَّا تسميتها في القرآن «يثرب» فذلك حكاية عن قول المنافقين.

(ب) طابة: فعن البراء بن عازبٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من سمَّى المدينة يثرب؛ فليستغفر الله؛ فإنَّما هي طابة» وفي روايةٍ: «هي طابة، هي طابة، هي طابة».

(ج) المدينة: وهذا أشهر أسمائها، وهذا الاسم إذا أطلق؛ أريدت به المدينة المنوَّرة دون غيرها من مدن الدُّنيا، وقد جاءت الآيات الكثيرة بهذا الاسم، كقوله تعالى: ﴿وَمِمَنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ [التوبة 101]، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لأِهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [التوبة: 120] وقد وصفت المدينة بالمباركة، والمنوَّرة، والمشرَّفة، وغير ذلك من الأوصاف الفاضلة.

2 - محبته صلى الله عليه وسلم لها، ودعاؤه برفع الوباء عنها:

دعا النَّبي صلى الله عليه وسلم ربَّه قائلاً: «اللَّهمَّ حبِّب إلينا المدينة كحبِّنا مكَّة، أو أشدَّ!» وعن أنسٍ رضي الله عنه: «أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفرٍ، فنظر إلى جُدُرات المدينة؛ أوْضَعَ راحلته، وإن كان على دابةٍ حرَّكها؛ من حُبِّها» [البخاري (1802، 1886)].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لـمَّا قدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينة؛ وُعِكَ أبو بكر، وبلالٌ، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمَّى يقول:

كُلُّ امْرِئ مُصَبَّحٌ في أهْلِهِ  والموْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ

 وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمَّى يرفع عقيرته، يقول: .... وقال: «اللَّهمَّ العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأميَّة بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء!» ثمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهمَّ حبِّبْ إلينا المدينة كحبنا مكَّة، أو أشدَّ! اللَّهمَّ بارك لنا في صاعنا، وفي مُدِّنا، وصحِّحْها لنا، وانقُلْ حُمَّاها إلى الجُحْفَةِ!» [البخاري (1889) ومسلم (1376)] .

3 - دعاء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لها بضعفي مافي مكَّة من البركة:

فعن أنس رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «اللَّهمَّ اجعل بالمدينة ضِعْفي ما جعلت بمكَّة من البركة!» [البخاري (1885) ومسلم (1369)] .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان النَّاس إذا رأوا أوَّل الثَّمر؛ جاؤوا به إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال: «اللَّهمَّ بارك لنا في ثمرنا!، وبارك لنا في مدينتنا! وبارك لنا في صاعنا! وبارك لنا في مُدِّنا! اللَّهمَ إنَّ إبراهيم عبدُك، وخليُلك ونبيُّك وإنِّي عبدك، ونبيُّك، وإنَّه دعاك لمكَّة، وإنِّي أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكَّة، ومثلهِ معه» قال: ثمَّ يدعو أصْغَرَ وليدٍ له، فيعطيه ذلك الثَّمر. [مسلم (1373) والترمذي (3454) والنسائي في عمل اليوم والليلة (302) وابن ماجه (3329) وابن السني (279)] .

4 - عصمتها من الدَّجال والطَّاعون ببركته صلى الله عليه وسلم:

إنَّ الله تعالى قيَّض لها ملائكةً يحرسونها، فلا يستطيع الدَّجال إليها سبيلاً؛ بل يلقي إليها بإخوانه من الكفَّار، والمنافقين، كما أنَّ من لوازم دعاء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالصِّحَّة ورفع الوباء ألاَّ ينزل بها الطَّاعون، كما أخبر بذلك المعصوم صلى الله عليه وسلم . [البخاري (1880) ومسلم (1379)] .

5 - فضيلة الصَّبر على شدَّتها:

فقد وعد النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من صبر على شدَّة المدينة، وضيق عيشها، بالشَّفاعة يوم القيامة، فعن سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحدٌ رغبةً عنها إلا أبدل الله فيها مَنْ هو خيرٌ منه، ولا يثبت أحدٌ على لأْوَائِهَا وجَهْدِها، إلا كنتُ له شفيعاً - أو شهيداً - يوم القيامة» [مسلم (1361)] .

6 - فضيلة الموت فيها: فعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من استطاع أن يموت بالمدينة؛ فليَمت بها، فإنِّي أشفع لمن يموت بها» [الترمذي (3917) وابن ماجه (3112) وابن حبان (3733) والبيهقي في الشعب (4184)]، وكان عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يدعو بهذا الدُّعاء: «اللَّهم ارزقني شهادةً في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم» [البخاري (1890)] .

وقد استجاب الله للفاروق رضي الله عنه، فاستُشهد في محراب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يؤمُّ المسلمين في صلاة الفجر.

7 - هي كهف الإيمان، وتنفي الخبث عنها:

الإيمان يلجأ إليها مهما ضاقت به البلاد، والأخباث، والأشرار لا مقام لهم فيها، ولا استقرار، ولا يخرج منها أحدٌ رغبةً عنها إلا أبدلها الله خيراً منه من المؤمنين الصادقين.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّ الإيمان ليأْرِزُ إلى المدينة كما تَأْرِزُ الحيةُ إلى جُحرها» [البخاري (1876) ومسلم (147)]، وقال صلى الله عليه وسلم : «... والَّذي نفسي بيده! لا يخرج منها أحدٌ رغبةً عنها إلا أخلف الله فيها خيراً منه، ألا إنَّ المدينة كالكير، تُخرِج الخبث، لا تقوم السَّاعة حتى تنفي المدينة شرارها، كما ينفي الكيرُ خبَثَ الحديد» [مسلم (1381) وأحمد (2/439)] .

8 - تنفي الذُّنوب والأوزار:

عن زيد بن ثابت رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّها - أي: المدينة - طَيْبَةُ تنفي الذُّنوب، كما تنفي النَّار خبث الفضَّة» [البخاري (4589) ومسلم (1384)] .

9 - حفظ الله إيَّاها ممَّن يريدها بسوء:

قد تكفَّل الله بحفظها من كلِّ قاصدٍ إيَّاها بسوءٍ، وتوعَّد النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مَنْ أحدث فيها حدثاً، أو آوى فيها مُحدِثاً، أو أخاف أهلها، بلعنة الله، وعذابه، وبالهلاك العاجل، فعن سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يكيد أهلَ المدينة أحدٌ إلا انماع، كما ينماع الملحُ في الماء» [البخاري (1822) ومسلم (1387)]، وقال صلى الله عليه وسلم : «المدينة حَرَمٌ، فمن أحدث فيها حَدَثاً أو آوى مُحدثاً؛ فعليه لعنةُ اللهِ، والملائكة، والنَّاس أجمعين، لا يُقْبَلُ منه يومَ القيامة عَدْلٌ، ولا صَرْفٌ» [مسلم (1371)].

10 - تحريمها:

قد حرَّمها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بوحيٍ من الله، فلا يُراق فيها دمٌ، ولا يُحْمل فيها سلاحٌ، ولا يروَّع فيها أحدٌ، ولا يقطع فيها شجرٌ، ولا تَحِلُّ لُقطتُها إلا لمنشدٍ، وغير ذلك ممَّا يدخل في تحريمها، قال صلى الله عليه وسلم : «إنَّ إبراهيم حرَّم مكَّةَ ودعا لها، وحرَّمتُ المدينة كما حرَّم إبراهيم مكَّةَ، ودعوتُ لها في مُدِّها، وصَاعها مِثْلَ ما دَعا إبراهيم - عليه السَّلام - لمكَّة» [البخاري (2129) ومسلم (1360)].

وقال صلى الله عليه وسلم : «هذا جبلٌ يحبُّنا ونحبُّه، اللَّهمَّ! إنَّ إبراهيم حرَّم مكة، وإني حرَّمت ما بين لابتيها» [البخاري (4084) ومسلم (1362)] يعني: المدينة، وقال صلى الله عليه وسلم : «لا يُخْتلى خلاها، ولا ينفَّر صيدها، ولا تحلُّ لُقَطَتُها إلا لمن أشادها، ولا يصلح لرجلٍ أن يحمل فيها السِّلاح لقتالٍ، ولا يصلح أن يقطع منها شجرٌ، إلا أن يعلف رجلٌ بعيرَه» [أحمد (1/119)] .

إن هذه الفضائل العظيمة جعلت الصَّحابة يتعلَّقُون بها، ويحرصون على الهجرة إليها، والمقام فيها، وبذلك تجمَّعت طاقات الأمَّة فيها، ثمَّ توجَّهت نحو القضاء على الشِّرك بأنواعه، والكفر بأشكاله، وفتحوا مشارق الأرض، ومغاربَها.

مراجع البحث:

  1. علي محمد محمد الصّلابيّ، السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث (دروس وعبر)، الطبعة الأولى، 2004.ص.ص (422:417).
  2. عبد الرحمن البر، الهجرة النَّبويَّة المباركة، الطبعة الأولى، دار الكلمة، المنصورة – مصر، 1997، ص، 155.

هجرة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصِّدِّيق رضي الله عنه

رحلةُ مصاعبٍ تكللت باستقبال جماهري مهيب... (5)

د. علي محمد محمد الصّلابيّ

فشل خطَّة المشركين لاغتيال النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:

بعد أن مُنيت قريش بالفشل في منع الصَّحابة رضي الله عنهم من الهجرة إلى المدينة على الرَّغم من أساليبها الشَّنيعة، والقبيحة، فقد أدركت قريش خطورة الموقف، وخافوا على مصالحهم الاقتصاديَّة، وكيانهم الاجتماعيِّ القائم بين قبائل العرب؛ لذلك اجتمعت قيادة قريش في دار النَّدوة للتشاور في أمر القضاء على قائد الدَّعوة، وقد تحدَّث ابن عباس في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [الآنفال: 30]

فقال: تشاورت قريش ليلةً بمكَّة، فقال بعضهم: إذا أصبح؛ فأثبتوه بالوُثُق [خبر اجتماع قريش: ذكره ابن هشام (2/124 - 126) وابن سعد (1/227 - 228) والبيهقي في دلائل النبوة (2/466 - 468) وأبو نعيم في دلائله (63 - 64) والطبري في تاريخه (2/372) والهيثمي في مجمع الزوائد (6/52 - 53)]، يريدون النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع اللهُ نبيَّه على ذلك، فبات عليٌّ على فراش النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم - تلك اللَّيلة [أحمد (10/348) وعبد الرزاق في المصنف (5/389) والطبري في تاريخه (2/372) ومجمع الزوائد (6/52 - 53)] . وخرج النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فلـمَّا أصبحوا؛ ثاروا إليه، فلـمَّا رأوا عليّاً؛ ردَّ الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري! فاقتصُّوا أثره، فلـمَّا بلغوا الجبل؛ اختلط عليهم الأمر، فصعدوا الجبل، فمرُّوا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن ينسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاثاً.

قال سيِّد قطب - رحمه الله - في تفسيره للآيات الَّتي تتحدَّث عن مكر المشركين بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّه التَّذكير بما كان في مكَّة قبل تغيُّر الحال، وتبدلُّ الموقف، وإنَّه ليوحي بالثِّقة واليقين في المستقبل، كما ينبِّه إلى تدبير قدر الله، وحكمته فيما يقضي به ويأمر. ولقد كان المسلمون الَّذين يخاطَبون بهذا القرآن أوَّل مرَّةٍ يعرفون الحالين معرفة الَّذي عاش، ورأى، وذاق، وكان يكفي أن يذكَّروا بهذا الماضي القريب، وما كان فيه من خوفٍ، وقلقٍ في مواجهة الحاضر الواقع، وما فيه من أمنٍ، وطمأنينة، وما كان من تدبير المشركين، ومكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في مواجهة ما صار إليه من غلبةٍ عليهم، لا مجرَّد النَّجاة منهم.

لقد كانوا يمكرون؛ ليوثقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويحبسوه حتَّى يموت؛ أو ليقتلوه، ويتخلَّصوا منه، أو ليخرجوه من مكَّة منفيّاً مطروداً، ولقد ائتمروا بهذا كلِّه، ثمَّ اختاروا قتله، على أنَّ يتولَّى ذلك المنكر فتيةٌ من القبائل جميعاً؛ ليتفرَّق دمه في القبائل، ويعجز بنو هاشم عن قتال العرب جميعاً، فيرضوا بالدِّية، وينتهي الأمر.

إنَّها صورةٌ ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾، وهي في الوقت ذاته صورةٌ مفزعةٌ؛ فأين هؤلاء البشر الضِّعاف المهازيل، من تلك القدرة القادرة، قدرة الله الجبَّار، القاهر فوق عباده، الغالب على أمره، وهو بكلِّ شيءٍ محيط؟!.

التَّرتيب النَّبويُّ للهجرة:

عن عائشة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها قالت: كان لا يخطئ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بيت أبي بكرٍ أحد طرفي النَّهار، إمَّا بُكرةً، وإمَّا عشيَّةً، حتَّى إذا كان اليوم الَّذي أُذِن فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، والخروج من مكَّة من بين ظهري قومه؛ أتانا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة، في ساعةٍ كان لا يأتي فيها، قالت: فلـمَّا رآه  أبو بكر، قال: ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه السَّاعة إلا لأمرٍ حَدَث.

قالت: فلـمَّا دخل؛ تأخَّر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وليس عند أبي بكر إلا أنا، وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أخْرِجْ عنِّي مَنْ عندك»؛ فقال: يا رسول الله! إنَّما هما ابنتاي، وما ذاك؟ فداك أبي، وأمِّي! فقال: «إنَّه قد أُذن لي في الخروج والهجرة». قالت: فقال أبو بكر رضي الله عنه: الصُّحبة يا رسول الله! قال: «الصُّحبة». قالت: فوالله ما شعرت قطُّ قبل ذلك اليوم: أنَّ أحداً يبكي من الفرح، حتَّى رأيت أبا بكر يبكي يومئذٍ، ثمَّ قال: يا نبيَّ الله! إنَّ هاتين راحلتان، قد كنت أعددتهما لهذا. فاستأْجَرَا عبد الله بن أريقط - رجلاً من بني الدَّيْل بن بكر، وكانت أمُّه امرأةً من بني سهم بن عمرو، وكان مشركاً - يدلُّهما على الطَّريق، فدفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما. [ابن هشام (2/128 - 129)] .

وروى البخاريُّ عن عائشة رضي الله عنها في حديثٍ طويل، وفيه: «... قالت عائشة: فبينما نحن يوماً جلوسٌ في بيت أبي بكر، في نحر الظَّهيرة؛ قال قائلٌ لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنِّعاً؛ في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداءً له أبي وأمِّي! والله ما جاء به في هذه السَّاعة إلا أمرٌ! قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكرٍ رضي الله عنه: «أخْرِجْ من عندك»، فقال أبو بكر: إنَّما هم أهلك. قال: «فإنِّي قد أُذِنَ لي في الخروج»، فقال أبو بكر: الصُّحبةَ بأبي أنت يا رسول الله! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «نعم»، قال أبو بكر رضي الله عنه: فخذ بأبي أنت يا رسول الله! إحدى راحلتيَّ هاتين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «بالثَّمن»، قالت عائشة رضي الله عنها: فجهَّزناهما أحثَّ الجهاز (من الحثِّ وهو الإسراع)، وصنعنا لهم سُفرةً في جِرابٍ، فقطعت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قطعةً من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سمِّيت ذات النطاقين، ثمَّ لحق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر بغارٍ في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليالٍ، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكرٍ رضي الله عنهما، وهو غلامٌ، شابٌّ، ثَقِفٌ، لَقِنٌ، فيُدلجُ من عندهما بسَحَرٍ، فيصبح مع قريشٍ بمكَّة كبائتٍ، فلا يسمع أمراً يُكتادانِ به إلا وَعَاهُ، حتَّى يأتيهما بخبر ذلك، حين يختلط الظَّلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر رضي الله عنه منحةً من غَنَم، فيريحها عليهما حين تذهبُ ساعةٌ من العِشاء، فيبتان في رسْلٍ - وهو لَبَنُ مِنْحتِهِما ورَضِيفهما - حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بَغَلسٍيفعل ذلك في كلِّ ليلةٍ من تلك اللَّيالي الثَّلاث، واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر رجلاً من بني الدَّيْل، وهو من بني عبد بن عديِّ - هادياً خِرِّيتاً - والخرِّيت: الماهر بالهداية، قد غمس حلفاً في ال العاص بن وائل السَّهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمِناهُ، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثورٍ بعد ثلاث ليالٍ براحلتيهما صُبْحَ ثلاثٍ، وانطلق معهما عامر بن فهيرة، والدَّليل، فأخذ بهم طريق السَّواحل» [البخاري (3905)، وأحمد (6/198 - 199)، والبيهقي في دلائل النبوة (2/473 - 475)، وعبد الرزاق في المصنف (5/388)، والطبري في تاريخه (2/375 - 378)] .

خروج الرَّسول صلى الله عليه وسلم ووصوله إلى الغار:

لم يعلم بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدٌ حين خرج إلا عليُّ بن أبي طالبٍ، وأبو بكر الصِّدِّيق، وآل أبي بكرٍ. أمَّا عليٌّ رضي الله عنه، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يتخلَّف؛ حتَّى يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع؛ الَّتي كانت عنده للنَّاس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس بمكَّة أحدٌ عنده شيءٌ يُخشى عليه إلا وضعه عنده؛ لما يعلم من صدقه، وأمانته، وكان الميعاد بين الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكرٍ رضي الله عنه، فخرجا من خوخة، لأبي بكر في ظَهْرِ بيته، وذلك للإمعان في الاستخفاء؛ حتَّى لا تتبعهما قريشٌ، وتمنعهما من تلك الرِّحلة المباركة، وقد اتَّعَدا مع اللَّيل على أن يلقاهما عبد الله بن أريقط، في غار ثور، بعد ثلاث ليالٍ.

دعاء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عند خروجه من مكَّة:

وقد دعا النَّبي صلى الله عليه وسلم عند خروجه من مكَّة إلى المدينة قائلاً: «الحمد لله الَّذي خلقني ولم أَكُ شيئاً! اللَّهمَّ أعنِّي على هول الدُّنيا، وبوائق الدَّهر، ومصائب اللَّيالي والأيام! اللَّهمَّ اصحبني في سفري، واخلفني في أهلي، وبارك لي فيما رزقتني، ولك فذَلِّلني، وعلى خلقي فقوِّمني، وإليك رب فحبِّبني، وإلى النَّاس فلا تكلْني! ربَّ المستضعفين! وأنت ربي، أعوذ بوجهك الكريم الَّذي أشرقت له السَّموات، والأرض، وكُشِفت به الظُّلمات، وصلُح عليه أمر الأوَّلين، والآخرين أن تحلَّ عليَّ غضبك، أو تُنزل بي سخطك! أعوذ بك من زوال نعمتك، وَفُجَاءَة نقمتك، وتحوُّل عافيتك، وجميع سخطك، لك العُتْبَى عندي خير ما استطعت، لا حول، ولا قوَّة إلا بك» [عبد الرزاق في المصنف (9234)]. ووقف الرَّسول صلى الله عليه وسلم عند خروجه بالحَزْوَرَة في سوق مكَّة، وقال: «والله إنَّكِ لخيرُ أرض الله، وأحبُّ أرض الله إلى الله، ولولا أنِّي أُخْرِجتُ منكِ ما خَرَجْتُ» [الترمذي (3925) وأحمد (4/305) وابن ماجه (3108)] . ثمَّ انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصاحبه، وقد حفظهما الله من بطش المشركين، وصرفهم عنهما.

روى الإمام أحمد عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: «أنَّ المشركين اقتصُّوا أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلـمَّا بلغوا الجبل - جبل ثور - اختلط عليهم، فصعدوا الجبل، فمرُّوا بالغار، فرأوا على بابه نسيج العنكبوت؛ فقالوا: لو دخل هاهنا، لم يكن نسج العنكبوت على بابه» [أحمد (1/348)]، وهذه من جنود الله - عزَّ وجلَّ - التَّي يخذل بها الباطل، وينصر بها الحق؛ لأنَّ جنود الله - جلَّت قدرته - أعمُّ من أن تكون مادِّيَّةً، أو معنويةً، وإذا كانت مادِّيَّة؛ فإنَّ خطرها لا يتمثَّل في ضخامتها، فقد تفتك جرثومة لا تراها العين بجيشٍ ذي لَجَبٍ. قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ﴾ [المدثر: 31] . أي: وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو، فجنود الله غير متناهيةٍ، لأنَّ مقدوراته غير متناهيةٍ، كما أنَّه لا سبيل لأحدٍ إلى حصر الممكنات، والوقوف على حقائقها، وصفاتها، ولو إجمالاً، فضلاً عن الاطِّلاع على تفاصيل أحوالها من كمٍّ، وكَيْفٍ، ونسبةٍ.

عناية الله سبحانه وتعالى ورعايته لرسوله صلى الله عليه وسلم:

بالرَّغم من كلِّ الأسباب الَّتي اتخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنَّه لم يركن إليها مطلقاً؛ وإنَّما كان كاملَ الثِّقة في الله، عظيم الرَّجاء في نصره، وتأييده، دائم الدُّعاء بالصِّيغة الَّتي علَّمه الله إيَّاها. قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيرًا ﴾ [الإسراء: 80].وفي هذه الآية الكريمة، «دعاء يعلِّمه الله لنبيِّه ليدعوه به، ولتتعلَّم أمَّته كيف تدعو الله، وكيف تتَّجه إليه؟ دعاء بصدق المُدْخَل، وصدق المُخْرَج، كنايةً عن صدق الرِّحلة كلِّها؛ بدئها، وختامها، أوَّلها، وآخرها، وما بين الأوَّل والآخر، وللصِّدق هنا قيمته بمناسبة ما حاوله المشركون من فتنته عما أنزله الله عليه؛ ليفتري على الله غيره، وللصدق كذلك ظلاله: ظلال الثَّبات، والاطمئنان والنَّظافة، والإخلاص. ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيرًا ﴾، وهيبةً أستعلي بهما على سلطان الأرض، وقوَّة المشركين، وكلمة تصوِّر ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾، والاتِّصال بالله، والاستمداد من عونه مباشرةً، واللُّجوء إلى حماه.

وصاحب الدَّعوة لا يمكن أن يستمدَّ السُّلطان إلا من الله، ولا يمكن أن يُهاب إلا بسلطان الله، ولا يمكن أن يستظلَّ بحاكمٍ، أو ذي جاهٍ، فينصره، ويمنعه ما لم يكن اتجاهه قبل ذلك إلى الله، والدَّعوة قد تغزو قلوب ذوي السُّلطان، والجاه، فيصبحون لها جنداً، وخدماً، فيفلحون، ولكنَّها هي لا تفلح إن كانت من جند السُّلطان، وخدمه، فهي من أمر الله، وهي أعلى من ذوي السُّلطان، والجاه».

وعندما أحاط المشركون بالغار، وأصبح منهم رأيَ العين؛ طمأن الرَّسول صلى الله عليه وسلم الصِّدِّيق بمعيَّة الله لهما، فعن أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه قال: قلت للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأنا في الغار: لو أنَّ أحدهم نظر تحت قدميه؛ لأبصرنا، فقال صلى الله عليه وسلم : «ما ظنُّك يا أبا بكر! باثنين الله ثالثُهما؟» [البخاري (3653) ومسلم (2381)]. وفي روايةٍ: «اسكت يا أبا بكر! اثنان الله ثالثهما» [البخاري (3922)] .

وسجّل الحقُّ - عزَّ وجلَّ - ذلك في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40] .

وقد تحدَّث الطَّبريُّ في تفسيره عن هذه الآية الكريمة، فقال: هذا إعلامٌ من الله لأصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم : أنَّه المتكفِّل بنصر رسوله على أعداء دينه، وإظهاره عليهم دونهم؛ أعانوه، أو لم يعينوه، وتذكيرٌ منه لهم بفعل ذلك به، وهو من العدد في قلَّةٍ، والعدوُّ في كثرةٍ، فكيف به؛ وهو من العدد في كثرةٍ؛ والعدوُّ في قلَّة؟! يقول لهم جلَّ ثناؤه: إلا تنفروا - أيُّها المؤمنون - مع رسولي؛ إذا استنصركم فتنصروه؛ فالله ناصره، بالله من قريش، من وطنه، وداره يقول: أخرجوه وهو أحد ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾، وإنَّما عنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ الله (ﷺ) ، وأبا بكرٍ رضي الله عنه؛ لأنَّهما كانا اللَّذين خرجا هاربين من قريش؛ إذ همُّوا بقتل رسول الله (ﷺ) ، واختفيا في الغار، وقوله: (إذ هما في الغار) يقول: إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه في الغار﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ يقول: إذ يقول الرَّسول لصاحبه أبي بكر: لا تحزن؛ وذلك: أنَّه خاف من الطَّلب أن يعلموا بمكانهما، فجزع من ذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحزن؛ لأنَّ الله معنا، والله ناصرنا، فلن يعلم المشركون بنا، ولن يصلوا إلينا، يقول جلَّ ثناؤه: فقد نصره على عدوِّه وهو بهذه الحال من الخوف، وقلَّة العدد، فكيف يخذله، ويحوجه إليكم وقد كثَّر الله من أنصاره وعدد جنوده. [الطبري في تفسيره (10/135 - 136)] .

وقد تحدَّث الدكتور عبد الكريم زيدان، عن المعيَّة في هذه الآية الكريمة، فقال: «وهذه المعيَّة الرَّبانية المستفادة من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، أعلى من معيَّته للمتَّقين، والمحسنين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقُوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 128] ؛ لأنَّ المعيَّة هنا هي لذات الرَّسول، وذات صاحبه، غير مقيَّدةٍ بوصفٍ هو عملٌ لهما، كوصف التَّقوى، والإحسان؛ بل هي خاصَّةٌ برسوله، وصاحبه، مكفولةٌ هذه المعيَّة بالتأييد بالآيات، وخوارق العادات».

وتحدَّث صاحب الظِّلال عن هذه الآيات، فقال: «ذلك حين ضاقت قريش بمحمدٍ ذرعاً، كما تضيق القوَّة الغاشمة دائماً بكلمة الحقِّ، لا تملك لها دفعاً، ولا تطيق عليها صبراً، فائتمرت به، وقرَّرت أن تتخلَّص منه، فأطلعه الله على ما ائتمرت به، وأوحى إليه بالخروج وحيداً، إلا من صاحبه الصِّدِّيق، لا جيش، ولا عدَّة، وأعداؤه كُثُرٌ، وقوَّتهم إلى قوته ظاهرةٌ، ثمَّ ماذا كانت العاقبة، والقوة المادية كلُّها من جانبٍ، والرَّسول صلى الله عليه وسلم مع صاحبه منها مجرَّد؟ كان النَّصر المؤزَّر من عند الله بجنود لم يرها النَّاس، وكانت الهزيمة لِلَّذين كفروا والذُّلُّ والصَّغار، ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾، وظلَّت كلمة الله في مكانها العالي منتصرةً قويَّةً نافذةً.

ذلك مثلٌ على نصرة الله لرسوله، ولكلمته، والله قادرٌ على أن يعيده على أيدي قومٍ آخرين؛ غير الَّذين يتثاقلون ويتباطؤون وهو مثل من الواقع إن كانوا في حاجةٍ بعد قول الله إلى دليلٍ!».

خيمة أم معبد في طريق الهجرة:

وبعد ثلاث ليالٍ من دخول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الغار خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه من الغار، وقد هدأ الطَّلب، ويئس المشركون من الوصول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد قلنا: إنَّ رسول الله (ﷺ) وأبا بكر، قد استأجرا رجلاً من بني الدَّيْل، يُسمَّى عبد الله ابن أريقط، وكان مشركاً، وقد أمِنَاهُ، فدَفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليالٍ براحلتيهما، وقد جاءهما فعلاً في الموعد المحدَّد، وسلك بهما طريقاً غير معهودةٍ؛ ليخفي أمرهما عمَّن يلحق بهم من كفار قريش.

وفي الطريق إلى المدينة، مرَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بأمِّ مَعْبَد في قُدَيْد حيث مساكن خزاعة، وهي أخت خُنَيْس بن خالدٍ الخزاعيِّ؛ الَّذي روى قصَّتها، وهي قصَّةٌ تناقلها الرُّواة، وأصحاب السِّير، وقال عنها ابن كثير: «وقصَّتها مشهورةٌ مرويَّةٌ من طرقٍ يشدُّ بعضها بعضاً»، فعن خالد بن خُنَيْس الخزاعيِّ رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من مكَّة، وخرج منها مهاجراً إلى المدينة، هو وأبو بكر، ومولى أبي بكرٍ عامر بن فهيرة رضي الله عنه، ودليلهما اللَّيثي عبد الله بن أريقط، مرُّوا على خيمة أمِّ معبد الخزاعيَّة، وكانت بَرْزَة، جَلْدَة، تحتبي بفناء القبَّة، ثمَّ تسقي وتطعم، فسألوها لحماً، وتمراً؛ ليشتروه منها، فلم يصيبوا عندها شيئاً من ذلك، وكان القوم مُرْمِلين مُسْنِتين، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاةٍ في كَسْر الخيمة ، فقال: «ما هذه الشَّاة يا أمَّ معبد؟!» قالت: خلَّفها الجَهْد عن الغنم، قال: «فهل بها من لبنٍ؟» قالت: هي أجهد من ذلك. قال: «أتأذنين أن أحلبها؟» قالت: بلى بأبي أنت وأمِّي! نعم إن رأيت بها حَلْباً؛ فاحلبها!

فدعا بها رسول الله (ﷺ) فمسح بيده ضرعها، وسمَّى الله عزَّ وجلَّ، ودعا لها في شاتها، فتفاجَّت عليه، ودَرَّت، واجترَّت ودعا بإناءٍ يُرْبِضُ الرَّهط، فحلب فيها ثجّاً؛ حتَّى علاه البهاء، ثمَّ سقاها حتَّى رَوِيت، وسقى أصحابه؛ حتَّى رَوَوْا، وشرب آخرهم صلى الله عليه وسلم، ثمَّ أراضوا، ثمَّ حلب فيها ثانياً بعد بدءٍ حتَّى ملأ الإناء، ثمَّ غادره عندها، ثمَّ بايعها، وارتحلوا عنها.

فقلَّما لبثت حتَّى جاء زوجها أبو معبد، يسوق أعنزاً عجافاً، يتساوَكن هُزلاً ضحىً، مخُّهنَّ قليلٌ، فلـمَّا رأى أبو معبد اللبن؛ عجب، وقال: من أين لك هذا اللَّبن يا أمَّ معبد! والشَّاة عازبٌ حِيال، ولا حَلُوبة في البيت؟ قالت: لا والله! إلا أنَّه مرَّ بنا رجلٌ مبارك، من حاله كذا، وكذا. قال: صفيه لي يا أم معبد! قالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، أَبْلَج الوجه، حسنُ الخَلْقِ، لم تَعِبْه نُحْلَة، ولم تُزْر به صَعْلةٌ، وسيمٌ، في عينيه دَعَجٌ، وفي أشفاره وَطَفٌ، وفي صوته صَهَلٌ، وفي عنقه سَطَع، وفي لحيته كثاثةٌ، أزجُّ، أقرن، إن صمت؛ فعليه الوقار، وإن تكلَّم سما وعلاه البهاء، أجمل النَّاس، وأبهاهم من بعيدٍ، وأحلاهم وأحسنهم من قريبٍ، حُلْوُ المنطق، فَصْلٌ، لا هذر، ولا نزر كأنَّ منطقه خرزات نظمٍ يتحدَّرن، رَبْعٌ، لابأس من طولٍ، ولا تقتحمه العين من قصرٍ، غُصْنٌ بين غصنين، فهو أنضر الثَّلاثـة منظراً، وأحسنهم قـدراً، لـه رفقـاء يحفُّون به؛ إن قال؛ استمعوا لقوله، وإن أمر؛ تبادروا إلى أمره، محْفُودٌ، محشودٌ، لا عابسٌ، ولا مُفنَّدٌ.

قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش؛ الَّذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكَّة، ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلنَّ إن وجدت إلى ذلك سبيلاً. فأصبح صوتٌ بمكَّة عالياً، يسمعون الصوت، ولا يدرون مَنْ صاحبه، وهو يقول:

جَزَى اللهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جزائهِ
 

رَفِيْقَيْنِ قالا خَيْمَتَيْ أمِّ مَعْبَدِ
 

هُمَا نَزَلا بالبِرِّ ثُمَّ تروَّحا
 

فَقَدْ فازَ مَنْ أَمْسَى رَفِيْقَ مُحَمَّدِ
 

فيا لَقُصَيٍّ ما زَوَى الله عَنْكُمُ
 

بهِ مِنْ فِعَالٍ لا تُجَارَى وسُؤدُدِ
 

لِيَهْنِ بَنِي كَعْبٍ مَكَان فَتَاتِهِمْ
 

ومَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنينِ بِمَرْصَدِ
 

سَلُوا أختَكمْ عنْ شاتِهَا وإنَائِهَا
 

فإنَّكُمْ إِنْ تَسْأَلُوا الشَّاةَ تَشْهَد
 

دَهَاهَا بِشَاةٍ حَائِلٍ فَتَحَلَّبتْ
 

عَلَيْهِ صَرِيْحاً ضَرَّةُ الشَّاةِ مُزْبِدِ
``

فغَادَرَهَا رَهْناً لَدَيْهَا لِحَالبٍ
 

يُرَدِّدُهَا في مَصْدِرٍ ثُمَّ مَوْرِدِ
 

 

سراقة بن مالك يلاحق رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أعلنت قريش في نوادي مكَّة: أنَّه من يأتِ بالنَّبيِّ (ﷺ)، حيَّاً، أو ميتاً، فله مئة ناقةٍ، وانتشر هذا الخبر عند قبائل الأعراب، الَّذين في ضواحي مكَّة، وطمع سراقة بن مالك بن جُعْشُم في نيل الكسب، الَّذي أعدَّته قريش لمن يأتي برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأجهد نفسه لينال ذلك، ولكن الله بقدرته الَّتي لا يغلبها غالب جعله يرجع مدافعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما كان جاهداً عليه.

قال ابن شهاب: وأخبرني عبد الرَّحمن بن مالك المُدْلِجيُّ - وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ -: أنَّ أباه أخبره، أنَّه سمع سراقة بن جُعْشُم يقول: جاءنا رُسُلُ كفَّار قريش، يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكرٍ ديةَ كلِّ واحدٍ منهما، لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلسٍ من مجالس قومي بني مُدْلِج؛ إذ أقبل رجلٌ منهم حتَّى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة! إنِّي قد رأيت آنفاً أَسْوِدةًبالسَّاحل، أراها محمَّداً وأصحابه، قال سراقة: فعرفتُ: أنَّهم هم، فقلت له: إنَّهم ليسوا بهم، ولكنَّك رأيتَ فلاناً، وفلاناً، انطلَقوا بأعيننا، ثمَّ لبثتُ في المجلس ساعةً، ثمَّ قمتُ، فدخلتُ، فأمرتُ جاريتي أن تَخْرُجَ بفرسي - وهو من وراء أكمةٍ- فتَحْبِسَهَا عليَّ، وأخذت رُمْحي، فخرجت به من ظَهْر البيت، فخططت بِزُجِّهِ الأرضَ، وخَفَضْت عاليه، حتَّى أتيتُ فرسي فركبتُها، فرفعتُها (أي: أسرعت بها السَّير) تُقَرِّب بي، حتَّى دنوت منهم، فَعَثَرت بي فرسي، فخررتُ عنها، فقمت، فأهويت يدي إلى كنانتي، فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها: أضُرُّهم، أم لا؟ فخرج الَّذي أكره، فركبت فرسي، وعصيت الأزلام، تُقرِّب بي، حتَّى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو لا يلتفتُ، وأبو بكر يكثر الالتفات، سَاخَتْ يدا فرسي في الأرض؛ حتَّى بلغتا الرُّكبتين، فخررتُ عنها، ثُمَّ زجرتها، فنهضتْ، فلم تكد تُخْرِجُ يديها، فلمَّا استوت قائمةً؛ إذا لأثر يديها عُثانساطعٌ في السَّماء مثلُ الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الَّذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي؛ حتَّى جئتُهم، ووقع في نفسي حين لَقِيتُ ما لَقِيتُ من الحبس عنهم، أن سَيظهرُ أمرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت له: إنَّ قومك قد جعلوا فيك الدِّية، وأخبرتهم أخبار ما يريد النَّاس بهم، وعرضت عليهم الزَّاد والمتاع، فلم يَرْزاني، ولم يسألاني، إلا أن قال: أخْفِ عنا، فسألته أن يكتب لي كتابَ أمنٍ، فأمرَ عامرَ بن فهيرة، فكتب في رقعةٍ من أدَمٍ، ثُمَّ مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم . [البخاري (3906) ومسلم (2009/91)] .

وكان ممَّا اشتهر عند النَّاس من أمر سراقة، ما ذكره ابن عبد البرِّ، وابن حجر، وغيرهما.

قال ابن عبد البرِّ: روى سفيان بن عيينة عن أبي موسى، عن الحسن: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسراقة بن مالك: «كيف بك إذا لبستَ سواري كسرى؟!» قال: فلـمَّا أُتِيَ عمرُ بسواري كسرى، ومِنْطَقَته وتاجه؛ دعا سراقة بن مالكٍ، فألبسه إيَّاها، وكان سراقة رجلاً أزَبَّ كثير شعر السَّاعدين، وقال له: ارفع يديك، فقال: الله أكبر، الحمد للهِ الَّذي سلبهما كسرى بن هُرْمز، الَّذي كان يقول: أنا ربُّ النَّاس، وألبسهما سراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ أعرابيَّاً من بني مُدْلِج، ورفع بها عمر صوته، ثمَّ أركب سُراقة، وطوَّف به المدينة، والنَّاس حوله، وهو يرفع عقيرته مردداً قول الفاروق: الله أكبر، الحمد للهِ الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة بن جُعْشُمٍ أعرابيّاً من بني مُدْلِج.

سبحان مقلِّب القلوب:

كان سراقة في بداية أمره يريد القبض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتسليمه لزعماء مكَّة؛ لينال مئة ناقة، وإذا بالأمور تنقلب رأساً على عَقِب، ويصبح يردُّ الطلب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل لا يلقى أحداً من الطَّلب إلا ردَّه، قائلاً: كُفيتم هذا الوجه، فلـمَّا اطمأنَّ إلى أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وصل إلى المدينة المنوَّرة، جعل سراقة يقصُّ ما كان من قصَّته، وقصَّة فرسه، واشتهر هذا عنه، وتناقلته الألسنة؛ حتَّى امتلأت به نوادي مكَّة، فخاف رؤساء قريش أن يكون ذلك سبباً لإسلام بعض أهل مكَّة، وكان سراقة أمير بني مُدْلِج، ورئيسهم، فكتب أبو جهل إليهم:

بني مُدْلِجٍ إنِّي أخاف سَفيهَكُمْ
 

سراقةَ مستغوٍ لِنَصْرِ مُحَمَّدِ
 

عَلَيْكُمْ به ألاَّ يُفَرِّقَ جَمْعَكُمْ
 

فَيُصْبِحَ شَتَّى بَعْدَ عِزٍّ وسُؤْدُدِ
 

 

فقال سراقة يردُّ على أبي جهلٍ:

أبا حَكَمِ الَّلاتِ لوْ كنتَ شاهداً
 

لأَمرِ جَوَادِي إذْ تسيخُ قَوائِمُهْ
 

عَجِبْتَ وَلَمْ تَشْكُكْ بأنَّ مُحَمَّداً
 

رَسُولٌ بِبُرْهَانٍ فَمَنْ ذَا يُقَاوِمُهْ
 

عَلَيْكَ فكُفَّ القَوْمَ عَنْهُ فإنَّنِي
 

أَرَى أَمْرَهُ يَوْماً سَتَبْدُو مَعالِمُهْ
 

بأَمْرٍ تَوَدُّ النَّاسُ فِيْهِ بأَسْرِهِمْ

 

بأنَّ جَمِيْعَ النَّاسِ طُرّاً مُسَالِمُهْ
 

 

استقبال الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ولـمَّا سمع المسلمون بالمدينة مَخْرَجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكَّةَ، فكانوا يغدون كلَّ غداةٍ إلى الحَرَّة فينتظرونه، حتَّى يردَّهم حرُّ الظَّهيرة، فانقلبوا يوماً بعدما أطالوا انتظارهم، فلـمَّا أَوَوْا إلى بيوتهم؛ أوفى رجلٌ من يهود على أُطُمٍ من آطامهم، لأمرٍ ينظر إليه، فبصُرَ برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مُبَيَّضين، يزولُ بهم السَّرابُ، فلم يملكِ اليهوديُّ أن قال بأعلى صوته: يا معاشرَ العرب! هذا جَدُّكم الَّذي تنتظرونَ، فثار المسلمون إلى السِّلاح، فتلقَّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحَرَّة، فعدل بهم ذات اليمين، حتَّى نَزَل بِهِم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأوَّل، فقام أبو بكر للنَّاس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتاً، فطفق من جاء من الأنصار - ممَّن لم يَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم - يُحَيِّي أبا بكرٍ، حتَّى أصابت الشَّمْسُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبل أبو بكر حتَّى ظلَّلَ عليه بردائه، فعرف النَّاس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك، فلبث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضعَ عَشْرَةَ ليلةً، وأُسِّسَ المسجدُ الذي أُسِّسَ على التَّقوى، وصلَّى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثمَّ ركب راحلته» [البخاري (3906)] .

وبعد أن أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم المدَّة الَّتي مكثها بقُباء، وأراد أن يدخل المدينة؛ «بعث إلى الأنصار» فجاؤوا إلى نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، فسلَّموا عليهما، وقالوا: اركبا آمِنَيْن مُطَاعَيْن، فركب نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكرٍ، وحَفُّوا دونَهما بالسِّلاح». وعند وصوله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، قيل في المدينة: «جاء نبيُّ الله، جاء نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم ، فأشرفوا ينظرون، ويقولون: جاء نبيُّ الله» [البخاري (3911)].

فكان يوم فرحٍ وابتهاجٍ، لم ترَ المدينة يوماً مثله، ولبس النَّاس أحسن ملابسهم، كأنَّهم في يوم عيدٍ، ولقد كان حقّاً يوم عيدٍ؛ لأنَّه اليوم الَّذي انتقل فيه الإسلام من ذلك الحيِّز الضَّيِّق في مكَّة، إلى رحابة الانطلاق والانتشار، بهذه البقعة المباركة (المدينة)، ومنها إلى سائر بقاع الأرض، لقد أحسَّ أهل المدينة بالفضل الَّذي حباهم الله به، وبالشَّرف الَّذي اختصَّهم به أيضاً، فقد صارت بلدتهم موطناً لإيواء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصحابته المهاجرين، ثم لنصرة الإسلام، كما أصبحت موطناً للنِّظام الإسلاميِّ العامِّ، والتَّفصيليِّ بكلِّ مقوِّماته، ولذلك خرج أهل المدينة يهلِّلون في فرحٍ وابتهاجٍ، ويقولون: يا رسول الله! يا محمد! يا رسول الله! روى الإمام مسلمٍ بسنده، قال: «عندما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؛ صعد الرِّجال، والنِّساء فوق البيوت، وتفرَّق الغِلْمَان، والخدم في الطُّرق، ينادون: يا محمد! يا رسول الله! يا محمَّد! يا رسول الله!!» [مسلم (3014/م)] .

وبعد هذا الاستقبال الجماهيريِّ العظيم؛ الَّذي لم يرد مثله في تاريخ الإنسانيَّة سار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى نزل في دار أبي أيوبٍ الأنصاريِّ رضي الله عنه، فعن أنسٍ رضي الله عنه في حديث الهجرة الطَّويل: «فأقبل يسيرُ حتَّى نزل جانب دار أبي أيوب، فإنَّه ليُحَدِّثُ أهلَه؛ إذ سمع به عبد الله بن سَلاَم، وهو في نخلٍ لأهله يَخْتَرِف لهم، فعجَّل أن يضع الَّذي يَخْتَرِف لهم فيها، فجاء وهي معه، فسمع من نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم ، ثمَّ رجع إلى أهله، فقال نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم : أيُّ بيوتِ أهلنا أقرب؟ فقال أبو أيوب: أنا يا نبيَّ الله! هذه داري، وهذا بابي، قال: فانَطَلِقْ فهيىءْ لنا مقيلاً....» [البخاري (3911)]، ثمَّ نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي أيوبٍ حتَّى بنى مسجده، ومساكنه.

وبهذا قد تمَّت هجرته صلى الله عليه وسلم ، وهجرة أصحابه رضي الله عنهم؛ ولم تنته الهجرة بأهدافها، وغاياتها، بل بدأت بعد وصول رسول الله صلى الله عليه وسلم سالماً إلى المدينة، وبدأت معها رحلة المتاعب، والمصاعب، والتَّحدِّيات، فتغلَّب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم للوصول للمستقبل الباهر للأمَّة، والدَّولة الإسلاميَّة؛ الَّتي استطاعت أن تصنع حضارةً إنسانيَّةً رائعةً، على أسس من الإيمان، والتَّقوى، والإحسان، والعدل بعد أن تغلَّبت على أقوى دولتين كانتا تحكمان العالم، وهما: دولة الفرس، ودولة الرُّوم.

مراجع البحث:

  1. علي محمد محمد الصّلابيّ، السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث (دروس وعبر)، الطبعة الأولى، 2004.ص.ص (438:423).
  2. إبراهيم علي محمَّد، في السِّيرة النَّبويَّة جوانب الحذر والحماية، الطَّبعة الأولى ، وزارة الأوقاف الدوحة، قطر، 1996، ص، 135.
  3. سيد قطب، في ظلال القرآن، الطبعة التاسعة، دارالشُّروق، بيروت، لبنان، 1980، (3/1501).
  4. أحزمي سامعون جزولي، الهجرة في القرآن الكريم، الطبعة الأولى، مكتبة الرُّشد، الرِّياض، السعودية، 1996، ص، 334.
  5. عبد الكريم زيدان، المستفاد من قصص القرآن للدَّعوة والدُّعاة الطبعة الأولى، مؤسَّسة الرِّسالة، بيروت، لبنان، 1997، (2/100)
  6. محمَّد أبو شهبة، السِّيرة النَّبويَّة في ضوء القران والسنة، الطبعة الثالثة، دار القلم – دمشق، سوريا، 1996، (1/495).

الهجرة النَّبويَّة نقطة تحوُّلٍ في التاريخ الإنساني...

الدروس والعبر المستفادة (6)

د. علي محمد محمد الصّلابيّ

إن التأمل والتدبر في تفاصيل الهجرة النبوية المباركة، يجعلنا نتيقن وبما لا يدع مجالا للشك، أن الهجرة النبوية كانت حدثا حاسما في الدعوة المحمدية، أرست الأسس والنواة الصلبة لدولة الإسلامية الناشئة، كما حملت لنا عبرا ودروسا وافرة نستفيد منها، ونستجلي منها قيما وأخلاقا حميدة، وهي كالتالي:

1 - الصِّراع بين الحقِّ والباطل صراعٌ قديمٌ، وممتدٌّ:

  وهـو سنَّـةٌ إلهيَّـةٌ نافـذةٌ، قـال عـزَّ وجـلَّ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 40] . ولكنَّ هذا الصِّراع معلومُ العاقبة: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: 21].

2 - مكر خصوم الدَّعوة بالدَّاعية أمرٌ مستمرٌ متكرِّرٌ:

سواءٌ عن طريق الحبس، أو القتل، أو النَّفي، والإخراج من الأرض، وعلى الدَّاعية أن يلجأ إلى ربِّه، وأن يثق به، ويتوكَّل عليه، ويعلم: أنَّ المكر السَّيئ لا يحيق إلا بأهله، كما قال عزَّ وجل: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [الآنفال: 30] . ومن مكر أهل الباطل وخصوم الدَّعوة استخدام سلاح المال لإغراء النُّفوس الضَّعيفة، للقضاء على الدَّعوة والدُّعاة، ولذلك رصدوا مئة ناقةٍ، لمن يأتي برسول الله صلى الله عليه وسلم حيّاً، أو ميتاً، فتحرَّك الطَّامعون، ومنهم سراقة؛ الَّذي عاد بعد هذه المغامرة الخاسرة ماديّاً، بأوفر ربحٍ، وأطيب رزقٍ، وهو رزق الإيمان، وأخذ يعمِّي الطريق على الطَّامعين الآخرين، الَّذين اجتهدوا في الطَّلب، وهكذا يردُّ الله عن أوليائه والدُّعاة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾ [الآنفال: 36] .

3 - دقَّة التَّخطيط، والأخذ بالأسباب:

إنَّ مَنْ تأمَّل حادثة الهجرة، ورأى دقَّة التَّخطيط فيها، ودقَّة الأخذ بالأسباب من ابتدائها إلى انتهائها، ومن مقدِّماتها إلى ما جرى بعدها؛ يدرك أنَّ التَّخطيط المسدَّد بالوحي في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قائماً، وأنَّ التَّخطيط جزءٌ من السُّنَّة النَّبويَّة، وهو جزءٌ من التَّكليف الإلهيِّ في كل ما طولب به المسلم، وأنَّ الَّذين يميلون إلى العفوية؛ بحجة أنَّ التخطيط، وإحكام الأمور ليسا من السُّنَّة؛ أمثال هؤلاء مخطئون، ويجنون على أنفسهم، وعلى المسلمين. فعندما حان وقت الهجرة للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وشرع النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في التَّنفيذ، نلاحظ الآتي:

•     وجود التَّنظيم الدَّقيق للهجرة حتَّى نجحت، برغم ما كان يكتنفها من صعابٍ، وعقباتٍ، وذلك أنَّ كلَّ أمرٍ من أمور الهجرة، كان مدروساً دراسةً وافيةً؛ فمثلاً:

  • جاء صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر، في وقت شدَّة الحرِّ - الوقت الذي لا يخرج فيه أحدٌ -؛ بل من عادته لم يكن يأتي له في ذلك الوقت، لماذا؟ حتَّى لا يراه  أحد.
  • إخفاء شخصيته صلى الله عليه وسلم في أثناء مجيئه للصِّدِّيق، وجاء إلى بيت الصِّدِّيق متلثماً؛ لأنَّ التلثُّم يقلِّل من إمكانية التعرُّف على معالم الوجه المتلثم.
  • أمر صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يُخْرِج مَن عنده، ولما تكلَّم لم يبيِّن إلا الأمر بالهجرة، دون تحديد الاتجاه.
  • كان الخروج ليلاً، ومن بابٍ خلفيٍّ في بيت أبي بكرٍ.
  • بلغ الاحتياط مداه، باتِّخاذ طرقٍ غير مألوفةٍ للقوم، والاستعانة في ذلك بخبيرٍ يعرف مسالك البادية، ومسارب الصَّحراء، ولو كان ذلك الخبير مشركاً، ما دام على خُلُقٍ ورزانةٍ، وفيه دليلٌ على أنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم كان لا يحجم عن الاستعانة بالخبرات مهما يكن مصدرها.
    • انتقاء شخصياتٍ عاقلةٍ لتقوم بالمعاونة في شؤون الهجرة، ويلاحظ أنَّ هذه الشَّخصيات كلَّها تترابط برباط القرابة، أو برباط العمل الواحد، ممَّا يجعل من هؤلاء الأفراد، وحدةً متعاونةً على تحقيق الهدف الكبير.
    • وضع كلِّ فردٍ من أفراد هذه الأسرة في عمله المناسب؛ الذي يجيد القيام به على أحسن وجهٍ؛ ليكون أقدر على أدائه، والنُّهوض بتبعاته.
    • فكرة نوم عليِّ بن أبي طالب مكان الرَّسول صلى الله عليه وسلم فكرةٌ ناجحةٌ، قد ضلَّلت القوم، وخدعتهم، وصرفتهم عن الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، حتَّى خرج في جنح اللَّيل، تحرسه عناية الله، وهم نائمون، ولقد ظلَّت أبصارهم معلَّقةً بعد اليقظة، بمضجع الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، فما كانوا يشكُّون في أنَّه ما يزال نائماً، مُسجّىً في بردته، في حين أنَّ النَّائم هو عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه.
    • وقد كان عملُ أبطال هذه الرِّحلة على النَّحو التالي:
  • عليٌّ رضي الله عنه: ينام في فراش الرَّسول صلى الله عليه وسلم ؛ ليخدع القوم؛ ويُسلِّم الودائع، ويلحق بالرَّسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك.
  • عبد الله بن أبي بكر: رجل المخابرات الصَّادق، وكاشف تحرُّكات العدوِّ.
  • أسماء ذات النِّطاقين: حاملة التموين من مكَّة إلى الغار، وسط جنون المشركين؛ بحثاً عن محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ليقتلوه.
  • عامر بن فهيرة: الرَّاعي البسيط الذي قدَّم اللَّحم واللَّبن إلى صاحبي الغار، وبدَّد آثار أقدام المسيرة التَّاريخيَّة بأغنامه كي لا يتفرَّسها القوم!! لقد كان هذا الرَّاعي يقوم بدور الإمداد، والتَّموين، والتَّعمية.
  • عبد الله بن أريقط: دليل الهجرة الأمين، وخبير الصَّحراء البصير ينتظر في يقظةٍ إشارة البدء من الرَّسول صلى الله عليه وسلم ؛ ليأخذ الرَّكبُ طريقه من الغار إلى يثرب.

فهذا تدبيرٌ للأمور على نحوٍ رائعٍ دقيقٍ، واحتياطٌ للظُّروف بأسلوبٍ حكيمٍ، وَوَضْعٌ لكلِّ شخصٍ من أشخاص الهجرة في مكانه المناسب، وسدٌّ لجميع الثَّغرات، وتغطيةٌ بديعةٌ لكلِّ مَطالب الرِّحلة، واقتصارٌ على العدد اللازم من الأشخاص من غير زيادةٍ، ولا إسرافٍ.

لقد أخذ الرَّسول صلى الله عليه وسلم بالأسباب المعقولة، أخذاً قوياً حسب استطاعته، وقدرته؛ ومن ثمَّ باتت عنايةُ الله متوقَّعةً.

4 - الأخذ بالأسباب أمرٌ ضروريٌّ:

إنَّ اتخاذ الأسباب أمرٌ ضروريٌّ وواجبٌ؛ ولكن لا يعني ذلك دائماً حصول النتيجة؛ ذلك لأنَّ هذا أمرٌ يتعلَّق بأمر الله ومشيئته، ومن هنا كان التوكُّل أمراً ضروريّاً، وهو من باب استكمال اتِّخاذ الأسباب. إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعدَّ كلَّ الأسباب، واتَّخذ كلَّ الوسائل؛ ولكنَّه في الوقت نفسه مع الله، يدعوه، ويستنصره أن يكلِّل سعيه بالنَّجاح، وهنا يُستجاب الدُّعاء، وينصرف القوم بعد أن وقفوا على باب الغار، وتسيخ فرس سراقة في الأرض، ويكلَّل العمل بالنَّجاح.

5 - الإيمان بالمعجزات الحسِّـيَّة:

وفي هجرة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وقعت معجزاتٌ حسِّيَّةٌ، وهي دلائل ملموسةٌ على حفظ الله، ورعايته لرسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك - على ما روي - نسيج العنكبوت على فم الغار، ومنها ما جرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمِّ معبد، وما جرى له مع سراقة، ووعده إيَّاه بأن يلبس سواري كسرى، فعلى الدُّعاة ألا يتنصَّلوا من هذه الخوارق، بل يذكروها ما دامت ثابتةً بالسُّنَّة النَّبويَّة، على أن ينبِّهوا الناس على أن هذه الخوارق، هي من جملة دلائل نبوَّته، ورسالته عليه السَّلام.

6 - جواز الاستعانة بالكافر المأمون:

ويجوز للدُّعاة أن يستعينوا بمن لا يُؤمنون بدعوتهم ما داموا يثقون بهم، ويأتمنونهم؛ فقد رأينا: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وأبا بكرٍ استأجرا مشركاً ليدلهما على طريق الهجرة، ودفعا إليه راحلتيهما، وواعداه عند غار ثور، وهذه أمورٌ خطيرةٌ أطلعاه عليها، ولاشكَّ: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ، وأبا بكر وثقا به، وأمَّناه، ممَّا يدلُّ على أنَّ الكافر، أو العاصي، أو غير المنتسب إلى الدُّعاة، قد يوجد عند هؤلاء ما يستدعي وثوق الدُّعاة بهم، كأن تربطهم رابطة القرابة، أو المعرفة القديمة، أو الجوار، أو عمل معروف كان قد قدَّمه الدَّاعية لهم، أو لأن هؤلاء عندهم نوعٌ جيِّدٌ من الأخلاق الأساسيَّة؛ مثل الأمانة، وحبِّ عمل الخير، إلى غير ذلك من الأسباب، والمسألة تقديريَّة، يترك تقديرها إلى فطنة الدَّاعي، ومعرفته بالشَّخص(1).

7 - دور المرأة في الهجرة:

وقد لمعت في سماء الهجرة أسماءٌ كثيرةٌ، كان لها فضلٌ كبيرٌ، ونصيبٌ وافرٌ من الجهاد؛ منها: عائشة بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق؛ الَّتي حفظت لنا القصَّة، ووعتها، وبلَّغتها للأمَّة، وأمُّ سلمة المهاجرة الصَّبور، وأسماء ذات النِّطاقين، الَّتي أسهمت في تموين الرَّسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار، بالماء، والغذاء، وكيف تحمَّلت الأذى في سبيل الله، فقد حدَّثتنا عن ذلك، فقالت: «لـمَّا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكرٍ رضي الله عنه أتانا نفرٌ من قريشٍ، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكرٍ، فخرجتُ إليهم، فقالوا: أين أبوك يا بنتَ أبي بكرٍ؟ قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي! قالت: فرفع أبو جهل يده - وكان فاحشاً خبيثاً - فلطم خَدِّي لطمةً، طرح منها قُرْطِي، قالت: ثمَّ انصرفوا» [الطبري في تاريخه (2/379 - 380) وابن هشام (2/131 - 132)].

فهذا درسٌ من أسماء رضي الله عنها؛ تعلِّمه لنساء المسلمين جيلاً بعد جيل، كيف تخفي أسرار المسلمين عن الأعداء، وكيف تقف صامدةً شامخةً أمام قوى البغي والظُّلم! وأمَّا درسها الثَّاني البليغ، فعندما دخل عليها جدُّها أبو قحافة، وقد ذهب بصره، فقال: «والله إنِّي لأراه  قد فجعكم بماله مع نفسه»، قالت: «كلا يا أبت! ضع يدك على هذا المال» قالت: «فوضع يده عليه»، فقال: «لابأس، إذا كان ترك لكم هذا؛ فقد أحسن»، وفي هذا بلاغ لكم، قالت: «ولا والله ما ترك لنا شيئاً، ولكنِّي أردت أن أسكِّن الشَّيخ بذلك». وبهذه الفطنة، والحكمة، سترت أسماء أباها، وسكَّنت قلب جدِّها الضرير، من غير أن تكذب فإنَّ أباها قد ترك لهم حقاً هذه الأحجار الَّتي كوَّمتها؛ لتطمئن لها نفس الشَّيخ! إلا أنه قد ترك لهم معها إيماناً بالله لا تزلزله الجبال، ولا تحرِّكه العواصف الهوج، ولا يتأثر بقلَّةٍ أو كثرةٍ في المال، وورَّثهم يقيناً، وثقةً به لا حدَّ لها، وغرس فيهم همَّةً تتعلَّق بمعالي الأمور، ولا تلتفت إلى سفاسفها، فضرب بهم للبيت المسلم مثالاً عزَّ أن يتكرَّر، وقلَّ أن يوجد نظيره.

لقد ضربت أسماء رضي الله عنها بهذه المواقف لنساء، وبنات المسلمين مثلاً هُنَّ في أمسِّ الحاجة إلى الاقتداء به، والنَّسج على مِنواله. وظلَّت أسماء مع أخواتها في مكَّة، لا تشكو ضيقاً، ولا تظهر حاجةً، حتَّى بعث النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة، وأبا رافع مولاه، وأعطاهما بعيرين وخمسمئة درهمٍ إلى مكَّة، فقدما عليه بفاطمة، وأم كلثوم ابنتيه، وسودة بنت زمعة زوجه، وأسامة بن زيد، وأُمُّه بركة المكنَّاة بأم أيمن، وخرج معهم عبد الله بن أبي بكرٍ بعيال أبي بكرٍ، فيهم عائشة، وأسماء، فقدموا المدينة، فأنزلهم في بيت حارثة بن النُّعمان.

8 - أمانات المشركين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم:

في إيداع المشركين ودائعهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مع محاربتهم له، وتصميمهم على قتله دليلٌ باهرٌ على تناقضهم العجيب، الَّذي كانوا واقعين فيه؛ ففي الوقت الَّذي كانوا يكذِّبونه، ويزعمون: أنَّه ساحرٌ، أو مجنونٌ، أو كذَّابٌ، لم يكونوا يجدون فيمن حولهم مَنْ هو خيرٌ منه أمانةً وصدقاً، فكانوا لا يضعون حوائجهم، ولا أموالهم الَّتي يخافون عليها إلا عنده! وهذا يدلُّ على أنَّ كفرانهم، لم يكن بسبب الشَّكِّ لديهم في صدقه؛ وإنَّما بسبب تكبُّرهم، واستعلائهم على الحقِّ الَّذي جاء به، وخوفاً على زعامتهم، وطغيانهم، وصدق الله العظيم؛ إذ يقول: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيات اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ [الآنعام: 33] .

وفي أمر الرَّسول صلى الله عليه وسلم لعليٍّ رضي الله عنه بتأدية هذه الأمانات لأصحابها في مكَّة؛ برغم هذه الظُّروف الشَّديدة؛ الَّتي كان من المفترض أن يكتنفها الاضطراب، بحيث لا يتَّجه التَّفكير إلا إلى إنجاح خطَّة هجرته فقط؛ برغم ذلك فإنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم ما كان لينسى، أو ينشغل عن ردِّ الأمانات إلى أهلها، حتَّى ولو كان في أصعب الظُّروف الَّتي تُنسي الإنسان نفسه، فضلاً عن غيره.

9 - الرَّاحلة بالثَّمن:

لم يقبل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يركب الرَّاحلة، حتَّى أخذها بثمنها من أبي بكرٍ رضي الله عنه، واستقرَّ الثَّمن دَيْناً بذمَّته، وهذا درسٌ واضحٌ بأنَّ حملة الدَّعوة لا ينبغي أن يكونوا عالةً على أحدٍ في وقتٍ من الأوقات، فهم مصدر العطاء في كلِّ شيءٍ. إنَّ يدهم إن لم تكن العليا، فلن تكون السُّفلى، وهكذا يصرُّ صلى الله عليه وسلم أن يأخذها بالثَّمن، وسلوكه ذلك هو التَّرجمة الحقَّة لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 109] .

إنَّ الذين يحملون العقيدة والإيمان، ويبشِّرون بهما، ما ينبغي أن تمتدَّ أيديهم إلى أحدٍ إلا الله؛ لأنَّ هذا يتناقض مع ما يدعون إليه، وقد تعوَّد النَّاس أن يعوا لغة الحال؛ لأنَّها أبلغ من لغة المقال، وما تأخَّر المسلمون، وأصابهم ما أصابهم من الهوان إلا يوم أصبحت وسائل الدَّعوة، والعاملون بها خاضعين لِلُغة المادَّة؛ إذ ينتظر الواحد منهم مرتَّبه، ويومها تحوَّل العمل إلى عملٍ ماديٍّ؛ فقَد الرُّوح، والحيويَّة، والوضاءة، وأصبح للأمر بالمعروف موظَّفون، وأصبح الخطباء موظَّفين، وأصبح الأئمَّة موظَّفين. إنَّ الصَّوت الَّذي ينبعث من حنجرةٍ وراءها الخوف من الله، والأمل في رضاه، غير الصَّوت الَّذي ينبعث ليتلقَّى دراهم معدودة، فإذا توقَّفت؛ توقف الصَّوت، وقديماً قالوا: «ليست النَّائحة كالثَّكلى»؛ ولهذا قلَّ التأثير، وبَعُدَ النَّاس عن جادَّة الصَّواب.

10 - الدَّاعية يَعفُّ عن أموال النَّاس:

لـمَّا عفا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن سراقة؛ عرض عليه سراقة المساعدة، فقال: «وهذه كنانتي فخذ منها سهماً؛ وإنَّك ستمرُّ بإبلي، وغنمي في موضع كذا، وكذا، فخذ منها حاجتك». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا حاجة لي فيها» [أحمد (1/3) ومسلم (3014/م)] . فحين يزهد الدُّعاة فيما عند النَّاس، يحبُّهم الناس، وحين يطمعون في أموال النَّاس، ينفر النَّاس منهم، وهذا درسٌ بليغٌ للدُّعاة إلى الله تعالى.

11 - الجندية الرَّفيعة والبكاء من الفرح:

تظهر أثر التَّربية النَّبويَّة، في جندية أبي بكرٍ الصِّدِّيق، وعليِّ بن أبي طالب رضي الله عنهما؛ فأبو بكرٍ رضي الله عنه عندما أراد أن يهاجر إلى المدينة، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا تعجل؛ لعلَّ الله يجعل لك صاحباً»؛ بدأ في الإعداد والتَّخطيط للهجرة؛ فابتاع راحلتين، واحتبسهما في داره يعلفهما إعداداً لذلك، وفي رواية البخاريِّ: «وعلف راحلتين كانتا عندهُ ورقَ السَّمُر - وهو الخَبَط - أربعة أشهر» [البخاري (3905) والبيهقي في الدلائل (2/473)] لقد كان يدرك بثاقب بصره رضي الله عنه - وهو الَّذي تربَّى؛ ليكون قائداً -: أنَّ لحظة الهجرة صعبةٌ، قد تأتي فجأةً، ولذلك هيّأ وسيلة الهجرة، ورتَّب تموينها، وسخَّر أسرته لخدمة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وعندما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخبره: أنَّ الله قد أذن له في الخروج، والهجرة؛ بكى من شدَّة الفرح، وتقول عائشة رضي الله عنها في هذا الشأن: «فوالله! ما شعرت قطُّ قبل ذلك اليوم: أنَّ أحداً يبكي من الفرح؛ حتَّى رأيت أبا بكرٍ يبكي يومئذٍ»، إنَّها قمَّة الفرح البشريِّ أن يتحوَّل الفرح إلى بكاءٍ، فالصِّدِّيق رضي الله عنه، يعلم: أنَّ معنى هذه الصُّحبة: أنَّه سيكون وحدَه برفقة رسول ربِّ العالمين، بضعة عشر يوماً على الأقلِّ، وهو الَّذي سيقدِّم حياتـه لسيِّده، وقائده، وحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم، فأيُّ فوزٍ في هذا الوجود يفوق هذا الفوز: أن يتفرَّد الصِّدِّيق وحدَه من دون أهل الأرض، ومن دون الصَّحب جميعاً برفقة سيِّد الخلق صلى الله عليه وسلم وصحبته كلَّ هذه المدَّة. وتظهر معاني الحبِّ في الله في خوف أبي بكرٍ، وهو في الغار من أن يراهما المشركون؛ ليكون الصِّدِّيق مثلاً لما ينبغي أن يكون عليه جنديُّ الدَّعوة الصَّادق مع قائده الأمين حين يحدق به الخطر من خوفٍ، وإشفاقٍ على حياته؛ فما كان أبو بكر ساعتئذٍ بالَّذي يخشى على نفسه الموت، ولو كان كذلك؛ لما رافق رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في هذه الهجرة الخطيرة، وهو يعلم: أنَّ أقلَّ جزائه القتلُ؛ إن أمسكه المشركون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ولكنَّه كان يخشى على حياة الرَّسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وعلى مستقبل الإسلام؛ إن وقع الرَّسول صلى الله عليه وسلم في قبضة المشركين.

ويظهر الحسُّ الأمنيُّ الرَّفيع للصِّدِّيق في هجرته مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، في مواقف كثيرةٍ؛ منها: حين أجاب السَّائل: مَنْ هذا الرَّجل الَّذي بين يديك؟ فقال: هذا هادٍ يهديني السَّبيل، فظنَّ السائل بأنَّ الصِّدِّيق يقصد الطريق، وإنَّما كان يقصد سبيل الخير. [البخاري (391)]، وهذا يدلُّ على حسن استخدام أبي بكرٍ للمعاريض فراراً من الكذب، وفي إجابته للسَّائل توريةٌ، وتنفيذٌ للتَّربية الأمنيَّة؛ الَّتي تلقَّاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنَّ الهجرة كانت سرّاً، وقد أقرَّه الرَّسول صلى الله عليه وسلم على ذلك.

وفي موقف عليِّ بن أبي طالبٍ مثالٌ للجنديِّ الصَّادق المخلص لدعوة الإسلام؛ حيث فدى قائده بحياته، ففي سلامة القائد سلامةٌ للدَّعوة، وفي هلاكه خذلانها، ووهنها، وهذا ما فعله عليٌّ رضي الله عنه ليلة الهجرة؛ من بياته على فراش الرَّسول صلى الله عليه وسلم ؛ إذ كان من المحتمل أن تهوي سيوف فتيان قريش على رأس عليٍّ رضي الله عنه، ولكنَّ عليّاً رضي الله عنه لم يبالِ بذلك، فحسبه أن يَسْلَم رسول الله صلى الله عليه وسلم نبيُّ الأمَّة، وقائد الدَّعوة.

12 - فنُّ قيادة الأرواح، وفنُّ التَّعامل مع النُّفوس:

يظهر الحبُّ العميق؛ الَّذي سيطر على قلب أبي بكرٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، كما يظهر حبُّ سائر الصَّحابة أجمعين في سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهذا الحبُّ الرَّبَّانيُّ كان نابعاً من القلب وبإخلاصٍ، لم يكن حبَّ نفاقٍ، أو نابعاً من مصلحة دنيويَّةٍ، أو رغبةٍ في منفعةٍ، أو رهبةٍ لمكروه قد يقع، ومن أسباب هذا الحبِّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم صفاته القياديَّة الرَّشيدة، فهو يسهر؛ ليناموا، ويتعب؛ ليستريحوا، ويجوع؛ ليشبعوا، كان يفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، فمن سلك سنن الرَّسول صلى الله عليه وسلم مع صحابته، في حياته الخاصَّة والعامَّة، وشارك النَّاس في أفراحهم، وأتراحهم، وكان عمله لوجه الله، أصابه شيءٌ من هذا الحبِّ؛ إنْ كان من الزُّعماء أو القادة أو المسؤولين في أمَّة الإسلام. وصدق الشَّاعر اللِّيبيُّ عندما قال:

فَإِذَا أَحَـــبَّ اللهُ بَاطِنَ عبدِهِ      ظَهَرَتْ عَلَيْهِ مَوَاهِبُ الفَتَّاحِ

وإِذَا صَفَتْ للهِ نِيَّــــةُ مُصْلِحٍ      مَــالَ العِبَــــــادُ عَلَيْـــــهِ بالأَرْوَاحِ

إنَّ القيادة الصَّحيحة هي الَّتي تستطيع أن تقود الأرواح قبل كلِّ شيءٍ، وتستطيع أن تتعامل مع النُّفوس قبل غيرها، وعلى قدر إحسان القيادة، يكون إحسان الجنود، وعلى قدر البذل من القيادة يكون الحبُّ من الجنود، فقد كان صلى الله عليه وسلم رحيماً، وشفيقاً بجنوده، وأتباعه، فهو لم يهاجر إلا بعد أن هاجر معظم أصحابه، ولم يبقَ إلا المستضعفون، والمفتونون، ومن كانت له مهمَّاتٌ خاصَّةٌ بالهجرة.

13 - وفي الطَّريق أسلم بُريدة الأسْلَمِيُّ رضي الله عنه في ركبٍ من قومه:

إنَّ المسلم الَّذي تغلغلت الدَّعوة في شغاف قلبه، لا يفتر لحظة واحدةً عن دعوة النَّاس إلى دين الله تعالى، مهما كانت الظُّروف قاسيةً، والأحوال مضطربةً، والأمن مفقوداً؛ بل ينتهز كلَّ فرصـةٍ مناسبةٍ لتبليغ دعوة الله تعالى، فهذا نبيُّ الله تعالى يوسف عليه السلام حينما زُجَّ به في السِّجن ظُلْماً، واجتمع بالسُّجناء في السِّجن لم يندُبْ حظَّهُ، ولم تشغله هذه الحياة المظلمة عن دعوة التَّوحيد، وتبليغها للنَّاس، ومحاربة الشِّرك، وعبادة غير الله، والخضوع لأيِّ مخلوقٍ.

قال تعالى: ﴿قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخرةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إبراهيم وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ * يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ *مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾[يوسف: 37  40]. وسورة يوسف عليه السلام مكِّيَّة، وقد أمر الله تعالى رسوله محمَّداً صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بالأنبياء والمرسلين في دعوته إلى الله؛ ولذلك نجده صلى الله عليه وسلم في هجرته من مكَّة إلى المدينة - وقد كان مطارداً من المشركين، قد أهدروا دمه، وأغروا المجرمين منهم بالأموال الوفيرة، ليأتوا برأسه حيّاً أو ميتاً - لا ينسى مهمَّته، ورسالته، فقد لقي صلى الله عليه وسلم في طريقه رجلاً يقال له: بُرْيَدة بن الحُصَيب الأسلميُّ رضي الله عنه، في رَكْبٍ من قومه، فدعاهم إلى الإسلام، فآمنوا، وأسلموا.

وذكر ابن حجرٍ العسقلانيُّ - رحمه الله -: «أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم في طريق هجرته إلى المدينة لقي بُريدة بن الحُصَيْب بن عبد الله بن الحارث الأسلميَّ، فدعاه إلى الإسلام، وقد غزا مع الرَّسول صلى الله عليه وسلم ست عَشْرَة غَزْوة، وأصبح بُرَيْدَةُ بعد ذلك من الدُّعاة إلى الإسلام، وفتح الله لقومه «أسْلَم» على يديه أبوابَ الهداية، واندفعوا إلى الإسلام، وفازوا بالوسام النَّبويِّ؛ الَّذي نتعلَّم منه منهجاً فريداً في فقه النُّفوس. قال صلى الله عليه وسلم : «أسْلَمُ سالمها الله، وغِفَارُ غَفَرَ الله لها، أَما إنِّي لم أَقُلْهَا، ولكنْ قالها اللهُ» [البخاري (3514) ومسلم (2516)] .

14 - وفي طريق الهجرة أسلم لصَّان على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كان في طريقه صلى الله عليه وسلم بالقرب من المدينة لصَّان من أَسْلم، يقال لهما: المُهَانَانِ، فقصدهما صلى الله عليه وسلم ، وعرض عليهما الإسلام، فأسلما، ثمَّ سألهما عن اسميهما، فقالا: نحن المهانان، فقال: بل أنتما المُكْرمان، وأمرهما أن يقدما عليه المدينة [أحمد (4/74)] وفي هذا الخبر يظهر اهتمامه صلى الله عليه وسلم بالدَّعوة إلى الله؛ حيث اغتنم فرصةً في طريقـه، ودعـا اللِّصَّين إلى الإسلام، فأسلما، وفي إسلام هذين اللِّصين مع ما ألفاه من حياة البطش، والسَّلب، والنَّهب دليلٌ على سرعة إقبال النُّفوس على اتِّباع الحقِّ؛ إذا وجد مَنْ يمثِّله بصدقٍ وإخلاصٍ، وتجرَّدت نفس السَّامع من الهوى المنحرف، وفي اهتمام الرَّسول صلى الله عليه وسلم بتغيير اسمي هذين اللِّصين، من المُهَانَيْن إلى المُكْرَمَيْن دليلٌ على اهتمامه صلى الله عليه وسلم بسمعة المسلمين، ومراعاته مشاعرهم، إكراماً لهم، ورفعاً لمعنوياتهم.

وإنَّ في رفع معنوية الإنسان تقويةً لشخصيته، ودفعاً له إلى الأمام؛ ليبذل كل طاقته في سبيل الخير، والفلاح.

15 - الزُّبير، وطلحة ، والتقاؤهما برسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق الهجرة:

وممَّا وقع في الطَّريق إلى المدينة: أنَّه صلى الله عليه وسلم لقي الزُّبير بن العوَّام في ركبٍ من المسلمين كانوا تجاراً قافلين من الشَّام، فكسا الزُّبيرُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياباً بيضاء. [البخاري (3906) والبيهقي في الدلائل (2/498)]، وكذا روى أصحاب السِّيَر: أنَّ طلحة بن عبيد الله لقيهما أيضاً وهو عائد من الشَّام، وكساهما بعض الثِّياب [البيهقي في الدلائل (2/498)]

16 - أهمِّيَّة العقيدة والدِّين في إزالة العداوة والضَّغائن:

إنَّ العقيدة الصَّحيحة السَّليمة، والدِّين الإسلاميَّ العظيم لهما أهمِّـيَّـةٌ كبرى في إزالة العداوات، والضَّغائن، وفي التَّأليف بين القلوب والأرواح، وهو دورٌ لا يمكن لغير العقيدة الصَّحيحة أن تقوم به، وهاقد رأينا كيف جمعت العقيدة الإسلاميَّة بين الأوس، والخزرج، وأزالت آثار معارك استمرَّت عقوداً من الزَّمن، وأغلقت ملف ثاراتٍ كثيرةٍ في مدَّةٍ قصيرةٍ، بمجرَّد التَّمسُّك بها، والمبايعة عليها، وقد رأينا ما فعلته العقيدة في نفوس الأنصار، فقد استقبلوا المهاجرين بصدورٍ مفتوحةٍ، وتآخوا معهم في مثاليَّةٍ نادرةٍ، لا تزال مثارَ الدَّهشة، ومضرب المثل، ولا توجد في الدُّنيا فكرةٌ، أو شعارٌ آخر فعل مثلما فعلت عقيدة الإسلام الصَّافية في النُّفوس.

ومن هنا ندرك السِّرَّ في سعي الأعداء الدَّائب إلى إضعاف هذه العقيدة، وتقليل تأثيرها في نفوس المسلمين، واندفاعهم المستمرِّ نحو تزكية النَّعرات العصبيَّة، والوطنيَّة، والقوميَّة، وغيرها، وتقديمها كبديلٍ للعقيدة الصَّحيحة.

17 - فرحة المهاجرين والأنصار بوصول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:

كانت فرحة المؤمنين من سكان يثرب؛ من أنصارٍ، ومهاجرين بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصوله إليهم سالماً فرحةً أخرجت النِّساء من بيوتهنَّ، والولائد، وحملت الرِّجال على ترك أعمالهم، وكان موقف يهود المدينة، موقف المشارك لسكَّانها في الفرحة ظاهراً، والمتألِّم من منافسة الزَّعامة الجديدة باطناً، أمَّا فرحة المؤمنين بلقاء رسولهم؛ فلا عجب فيها، فهو الَّذي أخرجهم من الظُّلمات إلى النُّور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وأما موقف اليهود، فلا غرابة فيه؛ فهم الذين عُرِفوا بالملق، والنِّفاق للمجتمع؛ الَّذي فقدوا السَّيطرة عليه، وبالغيظ، والحقد الأسود ممَّن يسلبهم زعامتهم على الشُّعوب، ويَحُول بينهم وبين سلب أموالهم باسم القروض، وسفك دمائها باسم النُّصح، والمشورة، وما زال اليهود يحقدون على كلِّ من يخلِّص الشُّعوب من سيطرتهم، وينتهون من الحقد إلى الدَّسِّ، والمؤامرات، ثمَّ إلى الاغتيال إن استطاعوا، ذلك دينهم، وتلك جِبِلَّتُهم.

ويستفاد من استقبال المهاجرين والأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، مشروعية استقبال الأمراء والعلماء عند مقدمهم، بالحفاوة والإكرام، فقد حدث ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان هذا الإكرام، وهذه الحفاوة، نابعين من حبٍّ للرسول صلى الله عليه وسلم ؛ بخلاف ما نراه  من استقبال الزعماء والحكام في عالمنا المعاصر، ويستفاد كذلك التنافس في الخير، وإكرام ذوي العلم والشرف، فقد كانت كل قبيلة تحرص أن تستضيف رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، وتعرض أن يكون رجالها حُراساً له، ويؤخذ من هذا، إكرام العلماء والصالحين، واحترامهم وخدمتهم.

18 - مقارنة بين الهجرة، والإسراء والمعراج:

كانت الهجرة النَّبويَّة الشَّريفة على النَّحو الَّذي كانت عليه، وسارت على الوضع الَّذي يسلكه كلُّ مهاجرٍ؛ حتَّى توجد القدوة، وتتحقَّق الأسوة، ويسير المسلمون على نهجٍ مألوفٍ، وسبيلٍ معروفٍ، ولذلك، فلم يرسلِ الله - عزَّ وجلَّ - له صلى الله عليه وسلم البراق ليهاجر عليه - كما حدث في ليلة الإسراء - مع أنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم في يوم هجرته أحوج إلى البراق منه في أيِّ وقتٍ آخر؛ لأنَّ القوم يتربَّصون به هنا، ولم يكن هناك تربُّص في ليلة الإسراء، ولو ظفروا به في هجرته؛ لشفوا نفوسهم منه بقتله.

والحكمة في ذلك - والله أعلم -: أنَّ الهجرة كانت مرحلةً طبيعيَّةً من مراحل تطوُّر الدَّعوة، ووسيلةً من أهمِّ وسائل نشرها، وتبليغها، ولم تكن خاصةً برسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ بل كان غيره من المؤمنين مكلَّفين بها، حين قطع الإسلام الولاية بين المهاجرين وغير المهاجرين القادرين على الهجرة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمنوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمنوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [الآنفال  72] .

أمَّا رحلة الإسراء، والمعراج، فكانت رحلةَ تشريفٍ، وتقديرٍ، كما كانت إكراماً من الله - عزَّ وجلَّ - لنبيِّه صلى الله عليه وسلم ؛ ليطلعه على عالم الغيب، ويريه من آياته الكبرى، فالرِّحلة من أولها إلى آخرها خوارق، ومعجزاتٌ، ومشاهد للغيبيَّات، فناسب أن تكون وسيلتها مشابهةً لغايتها. زِدْ على ذلك: أنَّ رحلة الإسراء خصوصيَّةٌ للرسول صلى الله عليه وسلم ، وليس لأحدٍ من النَّاس أن يتطلَّع لمثلها، ولسنا مطالبين بالاقتداء به فيها، ولذا فإنَّ حصولها على النَّحو؛ الَّذي كانت عليه، هو أنسب الأوضاع لحدوثها.

19 - وضوح سنَّة التَّدرُّج:

نلاحظ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما تقابل مع طلائع الأنصار الأولى، لم يفعل سوى ترغيبهم في الإسلام، وتلاوة القرآن عليهم، فلـمَّا جاؤوا في العام التالي، بايعهم بيعة النِّساء على العبادات، والأخلاق، والفضائل، فلـمَّا جاؤوا في العام التالي؛ كانت بيعة العقبة الثَّانية على الجهاد، والنَّصر، والإيواء. وجديرٌ بالملاحظة: أنَّ بيعة الحرب لم تتمَّ إلا بعد عامين كاملين، أي بعد تأهيلٍ، وإعدادٍ استمرَّ عامين كاملين، وهكذا تمَّ الأمر على تدرُّجٍ ينسجم مع المنهج التَّربويِّ الَّذي نهجت عليه الدَّعوة من أوَّل يومٍ.

إنَّه المنهج الَّذي هدى الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم إلى التزامه، ففي البيعة الأولى، بايعه هؤلاء الأنصار الجدد على الإسلام؛ عقيدةً، ومنهاجاً، وتربية، وفي البيعة الثانية، بايعه الأنصار على حماية الدَّعوة، واحتضان المجتمع الإسلاميِّ؛ الذي نضجت ثماره، واشتدَّت قواعده قوَّةً وصلابةً.

إنَّ هاتين البيعتين أمران متكاملان ضمن المنهج التَّربويِّ للدَّعوة الإسلاميَّة، وإنَّ الأمر الأول هو المضمون، والأمر الثاني - وهو بيعة الحرب - هو السِّياج الَّذي يحمي ذلك المضمون، نعم كانت بيعة الحرب بعد عامين من إعلان القوم الإسلام، وليس فور إعلانهم.

بعد عامين؛ إذ تمَّ إعدادهم حتَّى غدوا موضع ثقةٍ، وأهلاً لهذه البيعة، ويلاحظ: أنَّ بيعة الحرب لم يسبق أن تمَّت قبل ذلك اليوم مع أيِّ مسلم؛ إنَّما حصلت عندما وجدت الدَّعوة في هؤلاء الأنصار، وفي الأرض الَّتي يقيمون فيها المعقل الملائم؛ الَّذي ينطلق منه المحاربون؛ لأنَّ مكَّة لوضعها عندئذٍ لم تكن تصلح للحرب.

وقد اقتضت رحمة الله بعباده «ألاَّ يُحَمِّلَهم واجبَ القتال إلى أن توجد لهم دار إسلام، تكون لهم بمثابة معقلٍ يأوون إليه، ويلوذون به، وقد كانت المدينة المنوَّرة أوَّل دار إسلامٍ». لقد كانت البيعة الأولى قائمةً على الإيمان بالله، ورسوله صلى الله عليه وسلم ، والبيعة الثَّانية على الهجرة، والجهاد، وبهذه العناصر الثلاثة: الإيمان بالله، والهجرة، والجهاد، يتحقَّق وجود الإسلام في واقع جماعيٍّ ممكنٍ، والهجرة لم تكن لتتمَّ لولا وجود الفئة المستعدَّة للإيواء؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمنوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمنوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الآنفال: 72]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمنوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الآنفال: 75]. وقد كانت بيعة الحرب هي التَّمهيد الأخير لهجرة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، وبذلك وَجَدَ الإسلامُ موطنَه؛ الَّذي ينطلق منه دعاةً الحقِ بالحكمة، والموعظة الحسنة، وتنطلق منه جحافل الحقِّ المجاهدة أوَّل مرَّةٍ، وقامت الدَّولة الإسلاميَّة المحكِّمة لشرع الله.

20 - الهجرة تضحيةٌ عظيمةٌ في سبيل الله:

كانت هجرة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه من البلد الأمين تضحيةً عظيمةً، عبَّر عنها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله: «والله! إنك لخير أرض الله، وأحبُّ أرض الله إلى الله، ولولا أنِّي أُخرِجت منك ما خرجتُ» [أحمد (4/305) والترمذي (3925) وابن ماجه (3108)] .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لـمَّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؛ قدمها، وهي أوبأ أرض الله من الحمَّى، وكان واديها يجري نجلاً - يعني ماءً آجناً - فأصاب أصحابَه منها بلاءٌ، وسقمٌ، وصرف الله ذلك عن نبيِّه، قالت: فكان أبو بكر، وعامر بن فهيرة، وبلال، في بيتٍ واحدٍ، فأصابتهم الحمَّى، فاستأذنتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في عيادتهم، فأذن، فدخلت إليهم أعودهم، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدَّة الوعك، فدنوت من أبي بكرٍ، فقلت: يا أبتِ كيف تجدُك؟ فقال:

كلُّ امْرِئ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ    والمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ

قالت: فقلت: والله! ما يدري أبي ما يقول، ثم دنوت من عامر بن فهيرة، فقلت: كيف تجدُك يا عامر؟! فقال:

لَقَدْ وَجَدْتُ المَوْتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ     إنَّ الجَبَانَ حَتْفُهُ مــنْ فَوْقِهِ

كُلُّ امْـــــــرِئ مُجَـــــــــاهِدٌ بِطَـــــــــــوْقِهِ     كالثَّوْرِ يَحْمِي جِلْدَهُ بِرَوْقِهِ

 قالت: فقلت: والله! ما يدري عامر ما يقول. قالت: وكان بلال إذا أقلع عنه الحمَّى، اضطجع بفناء البيت، ثمَّ يرفع عقيرته، ويقول:

ألا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيْتَنَّ لَيْلَةً     بِــــــوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِـــــــرٌ وجَـــــلِيْلُ

وهَـــــــلْ أَرِدَنْ يَوْمـــــاً مِيَاهَ مَجَـــــــــنَّةٍ     وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شامَةٌ وَطَفِيْلُ

قالت: فأخبرت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: «اللهمَّ! حبِّبْ إلينا المدينة، كما حببت إلينا مكَّة، أو أشدَّ، وانقل حُمَّاها إلى الجُحْفَةِ. اللَّهمَّ! باركْ لنا في مُدِّنا، وصاعنا» [البخاري (1889) ومسلم (1376)]. وقد استجاب الله دعاء نبيِّه صلى الله عليه وسلم ، وعُوفي المسلمون بعدها من هذه الحمَّى، وغدت المدينة موطناً ممتازاً لكلِّ الوافدين، والمهاجرين إليها، من المسلمين على تنوُّع بيئاتهم، ومواطنهم.

21 - مكافأة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأمِّ معبد:

وقد روي: أنَّها كثرت غنمها، ونمت؛ حتَّى جلبت منها جَلَباً إلى المدينة، فمرَّ أبو بكر، فرآه ابنها فعرفه، فقال: يا أُمَّه! هذا هو الرَّجل الَّذي كان مع المبارك.

فقامت إليه فقالت: يا عبد الله! مَنِ الرَّجل الَّذي كان معك؟ قال: أو ما تدرين من هو؟! قالت: لا! قال: هو نبيُّ الله، فأدخلها عليه، فأطعمها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وأعطاها، وفي روايةٍ: فانطلقت معي، وأهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من أقطٍ، ومتاع الأعراب، فكساها، وأعطاها، قال: ولا أعلمه إلا قال: وأسلمت، وذكر صاحب (الوفاء): أنَّها هاجرت هي وزوجها، وأسلم أخوها خُنَيْس، واستشهد يوم الفتح.

22 - أبو أيُّوبٍ الأنصاريُّ رضي الله عنه ومواقف خالدة:

قال أبو أيوب الأنصاريُّ رضي الله عنه: «لـمَّا نزل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي؛ نزل في السُّفْل، وأنا وأمُّ أيوبٍ في العُلْو، فقلت له: يا نبيَّ الله - بأبي أنت، وأمي! إنِّي لأكره وأُعْظِمُ أن أكون فوقك، وتكون تحتي، فاظْهَرْ أنت، فكن في العلوِّ، وننزل نحن فنكون في السُّفل، فقال: يا أبا أيوب! إنَّ أرفق بنا، وبمن يغشانا أن نكون في سُفْل البيت.

قال: فلقد انكسر حُبٌّ لنا فيه ماءٌ، فقمت أنا، وأمُّ أيوب بقطيفة لنا، مالنا لحاف غيرها، ننشِّفُ بها الماء؛ تخوفاً أن يقطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيءٌ، فيؤذيه» [ابن هشام (2/144)] .

23 - هجرة عليٍّ رضي الله عنه وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر في المجتمع الجديد:

بعد أن أدَّى عن رسول الله (ﷺ) الأمانات الَّتي كانت عنـده للنَّـاس لحـق برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأدركه بقُباء بعد وصوله بليلتين، أو ثلاثٍ، فكانت إقامته بقُباء ليلتين، ثمَّ خرج مع النَّبيِّ (ﷺ) إلى المدينة يوم الجمعة، وقد لاحظ سيِّدنا عليٌّ مدَّة إقامته بقُباء امرأةً مسلمة لا زوج لها، ورأى إنساناً يأتيها من جوف اللَّيل، فيضرب عليها بابها، فتخرج إليه، فيعطيها شيئاً معه، فتأخذه، قال: فاستربت بشأنه، فقلت لها: يا أمةَ الله! مَنْ هذا الرجل الذي يضرب عليك بابك كلَّ ليلةٍ فتخرجين إليه، فيعطيك شيئاً لا أدري ما هو! وأنت امرأةٌ مسلمةٌ لا زوج لك؟ قالت: هذا سهلُ بن حُنيف، قد عرف أني امرأةٌ لا أحد لي، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه، فكسرها، ثمَّ جاءني بها، فقال: احتطبي بهذا، فكان عليٌّ رضي الله عنه يأثر ذلك من أمر سهل بن حنيف، حين هلك عنده بالعراق.

24 - الهجرة النَّبويَّة نقطة تحوُّلٍ في تاريخ الحياة:

«كانت الهجرة النَّبويَّة من مكَّة المشرَّفة إلى المدينة المنوَّرة أعظم حدثٍ حوَّل مجرى التَّاريخ، وغيَّر مسيرة الحياة، ومناهجها؛ التي كانت تحياها، وتعيش محكومةً بها في صورة قوانين، ونظمٍ، وأعرافٍ، وعاداتٍ، وأخلاقٍ، وسلوكٍ للأفراد والجماعات، وعقائد، وتعبُّداتٍ، وعلمٍ، ومعرفةٍ، وجهالةٍ، وسفه، وضلالٍ، وهدًى، وعدلٍ، وظلمٍ».

25 - الهجرة من سنن الرُّسل الكرام:

إنَّ الهجرة في سبيل الله سنَّةٌ قديمة، ولم تكن هجرة نبيِّنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بدعاً في حياة الرُّسل لنصرة عقائدهم، فلئن كان قد هاجر من وطنه، ومسقط رأسه من أجل الدَّعوة حفاظاً عليها، وإيجاداً لبيئةٍ خصبةٍ تتقبلها، وتستجيب لها، وتذود عنها؛ فقد هاجر عددٌ من إخوانه من الأنبياء قبله من أوطانهم؛ للأسباب نفسها، التي دعت نبيَّنا للهجرة. وذلك: أنَّ بقاء الدَّعوة في أرضٍ قاحلةٍ لا يخدمها؛ بل يعوق مسارها، ويشلُّ حركتها، وقد يعرضها للانكماش داخل أضيق الدوائر، وقد قصَّ علينا القرآن الكريم نماذج من هجرات الرُّسل، وأتباعهم من الأمم الماضية؛ لتبدو لنا في وضوحٍ سنَّةٌ من سنن الله في شأن الدَّعوات، يأخذ بها كلُّ مؤمن من بعدهم؛ إذا حيل بينه وبين إيمانه، وعزَّته، واستُخفَّ بكيانه، ووجوده، واعتُدِيَ على مروءته وكرامته.

هذه بعض الفوائد، والعبر، والدروس، وأترك للقارئ الكريم أن يستخرج غيرها، ويستنبط سواها من الدُّروس، والعبر، والفوائد الكثيرة النَّافعة من هذا الحدث العظيم.

مراجع البحث:

  1. علي محمد محمد الصّلابيّ، السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث (دروس وعبر)، الطبعة الأولى، 2004.ص.ص (459:438)
  2. محمَّد أبو شهبة، السِّيرة النَّبويَّة في ضوء القران والسنة، الطبعة الثالثة، دار القلم – دمشق سوريا، 1996 (1/497).
  3. منير الغضبان، التَّربية القياديَّة، الطبعة الأولى، دار الوفاء – المنصورة، مصر، 1998، (2/310)
  4. محمد توفيق رمضان،بناء المجتمع الإسلاميِّ في عصر النَّبوَّة، الطبعة الأولى، دار ابن كثيرٍ، دمشق، 1989، ص،119.
  5. محمد السيد الوكيل ،تأمُّلات في سيرة الرَّسول(ﷺ) الطبعة الأولى، دار المجتمع، جدة، السعودية، 1987، ص.ص(104:103).
  6. أحزمي سامعون جزولي، الهجرة في القرآن الكريم، الطبعة الأولى، مكتبة الرُّشد، الرِّياض، السعودية، 1996، ص، 365.
  7. عبد الرحمن البر، الهجرة النَّبويَّة المباركة، الطبعة الأولى، دار الكلمة، المنصورة،القاهرة، مصر، 1997، ص،405

مكانة المهاجرين عند الله تعالى

الصفات الحميدة والمزايا الفاضلة (7)

د. علي محمد محمد الصّلابيّ

تُعَدُّ الهجرةُ النَّبويَّة المباركة من مكَّة إلى المدينة أهمَّ حدثٍ في تاريخ الدَّعوة الإسلاميَّة؛ إذ كانت نقطة تحوُّل في تاريخ المسلمين؛ فقد كان المسلمون قبل الهجرة أمَّة دعوةٍ، يبلغون دعوة الله للنَّاس، دون أن يكون لهم كيانٌ سياسيٌّ، يحمي الدَّعاة، أو يدفع عنهم الأذى من أعدائهم.

وبعد الهجرة تكوَّنت دولة الدَّعوة، هذه الدَّولة الَّتي أخذت على عاتقها نشر الإسلام، في داخل الجزيرة العربيَّة وخارجها، ترسل الدُّعاة إلى الأمصار، وتتكفَّل بالدِّفاع عنهم، وحمايتهم من أيِّ اعتداءٍ قد يقع عليهم، ولو أدَّى ذلك إلى قيام حربٍ، أو حروبٍ. وبجانب هذا، فإنَّ الهجرة النَّبويَّة لها مكانتها في فهم القرآن وعلومه؛ حيث فرَّق العلماء بين المكِّيِّ، والمدنيِّ؛ فالمكِّيِّ: ما نزل قبل الهجرة - وإن كان بغير مكَّة - والمدني: ما نزل بعد الهجرة - وإن كان بغير المدينة - وترتَّب على ذلك فوائد؛ من أهمِّها:

1 - تذوُّق أساليب القرآن الكريم، والاستفادة منها في أسلوب الدَّعوة إلى الله.

2 - الوقوف على السِّيرة النَّبويَّة من خلال الآيات القرآنيَّة.

وقد أثنى الله - سبحانه وتعالى - على المهاجرين في القرآن الكريم، ووصفهم بأوصافٍ حميدةٍ متميِّزةٍ؛ وذلك لأنَّهم أُخرِجوا من ديارهم وأموالهم، أكرههم على الخروج الأذى والاضطهاد والتنكُّر لهم من قرابتهم، وعشيرتهم في مكَّة، وما أُخرِجوا إلا أن يقولوا ربُّنا الله، فمن أهمِّ الصِّفات المميِّزة للمهاجرين:

1 - الإخلاص:

قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [الحشر: 8]؛ قوله تعالى: يدلُّ على أنَّهم لم يخرجوا من ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾، وأموالهم إلا أن يكونوا مخلصين لله، مبتغين مرضاته، ورضوانه.

2 - الصَّبر:

ومن صفات المهاجرين، وأخلاقهم المتميِّزة؛ الَّتي أثنى الله عليهم بها الصَّبر. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخرةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [النحل: 41، 42]، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النحل: 110]

3 - الصِّدق:

ومن الصفات الحميدة الَّتي أثنى الله - سبحانـه وتعالى - بها على المهاجريـن الصِّدق. قـال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [الحشر: 8]. قال البغـويُّ في تفسيـره قولـه: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ أي: في إيمانهم. قال قتادة: هؤلاء المهاجرون الَّذين تركوا الدِّيار، والأموال، والعشائر، وخرجوا حبّـاً لله، ولرسوله (ص)، واختاروا الإسلام على ما كانوا فيـه من شـدَّةٍ، حتَّى ذُكِر لنـا: أنَّ الرَّجل كان يعصب الحجـر على بطنـه؛ ليقيـم بـه صلبـه من الجوع، وكان الرَّجل يتَّخذ الحصيرة في الشِّتـاء، ما له من دثارٍ غيرها.

4 - الجهاد والتَّضحية:

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمنوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ [التوبة: 20]. تركَّزت دعوة الرُّسل على التَّضحية، والفداء؛ إذ إنَّها تواجه عناداً، وتكذيباً وعداءً مستحكماً، وهذا لابدَّ من مواجهته بصلابة عودٍ، وقوَّة إيمانٍ، ورسوخ عقيدةٍ، وعظيم بذل، والحياة في ظلِّ العقيدة حياةُ جهادٍ وكفاحٍ، ومنذ مطلع الدَّعوة كان نزول جبريل بالوحي إيذاناً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بإيذاء قومه؛ حيث قال له ورقة بن نوفل: «هذا النَّاموسُ الَّذي أُنزل على موسى. يا ليتني فيها جَذَعاً! يا ليتني أكون حيّاً حين يخرجك قومك! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أومخرجيَّ هم؟» فقال ورقة: «نعم، لم يأتِ رجلٌ قطُّ بما جئتَ به إلا عُودي، وإن يُدركْني يومُك؛ أنصرك نصراً مؤزَّراً».

وقد اشتمل حدث الهجرة على أنواعٍ من التَّضحية، والفداء، وبذل النَّفس، والمال في سبيل الله.

ولعلَّ الملاحظة الجديرة بالتأمُّل في هذا المجال: أنَّ التَّضحية ملازمةٌ للجهاد في سبيل الله؛ إذ لا جهاد دون تضحيةٍ.

5 - نصرُهم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم:

قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [الحشر: 8] .

امتدح الله - سبحانه وتعالى - في هذه الآية الكريمة المهاجرين، بأنهم ينصرون الله ورسوله؛ ذلك لأنَّهم ما خرجوا من بين الكفار مراغمين لهم، مهاجرين إلى المدينة إلا لنصرة الله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم ونَصْرُ الله شرطٌ لتحقيق النَّصر، والتثبيت. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ [محمد: 7] .

قال سيِّد قطب: وكيف يَنْصُرُ المؤمنون الله؛ حتَّى يقوموا بالشَّرط، وينالوا ما شرط لهم من النَّصر، والتثبيت؟ إنَّ للهِ في نفوسهم أن تتجرَّد له، وألا تشرك به شيئاً شركاً ظاهراً، أو خفيّاً، وألا تستبقي فيها معه أحداً، ولا شيئاً، وأن يكون الله أحبَّ إليها من ذاتها، ومن كلِّ ما تحبُّ وتهوى، وأن تحكِّمَه في رغباتها، ونزواتها، وحركاتها، وسكناتها، وسرِّها وعلانيتها، ونشاطها كلِّه، وخلجاتها، فهذا نصر الله في ذوات النُّفوس. وإنَّ للهِ شريعةً، ومنهاجاً للحياة، تقوم على قواعد، وموازين، وقيمٍ، وتصوُّر خاصٍّ للوجود كلِّه، وللحياة، ونصرُ الله يتحقَّق بنصرة شريعته، ومنهاجه، ومحاولة تحكيمها في الحياة كلِّها بدون استثناءٍ، فهنا نصر الله في واقع الحياة.

6 - التوكُّل على الله عزَّ وجلَّ:

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخرةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [النحل: 41 - 42] يمتدح الله - سبحانه وتعالى - المهاجرين، بأنَّهم يتوكَّلون على الله لا على غيره، والتوكُّل على الله خاصِّيَّةُ الإيمان، وعلامته، وهو منطق الإيمان، ومقتضاه. قال تعالى: ﴿قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾[المائدة: 23] .

وقال تعالـى: ﴿وَقَالَ مُوسَى ياقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ [يونس: 84] .

وقال الله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأَتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾[إبراهيم: 11] وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصحابتُه الكرام مثالاً يُقتدى به على مرِّ الدُّهور في ترجمة التَّوكُّل في واقع الحياة في حادثة الهجرة، ولحسن توكِّلهم على الله - سبحانه وتعالى - أثنى عليهم، وجزاهم أحسن الجزاء.

7 - الرَّجاء:

ومن صفات المهاجرين الحميدة؛ الَّتي مدحهم الله بها: الرَّجاء. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمنوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [البقرة: 218] .

وإنَّما قال: وقد مدحهم؛ لأنَّه ﴿يَرْجُونَ﴾ يعلم أحدٌ في هذه الدُّنيا: أنَّه صائر إلى الجنَّة، ولو بلغ في طاعة الله كلَّ مبلغٍ لأمرين: أحدهما: أنَّه لا يدري بما يُختم له، والثَّاني: لئلا يتَّكل على عمله، فهؤلاء قد غفر الله لهم، ومع ذلك يرجون رحمة الله، وذلك زيادة إيمانٍ منهم.

8 - اتِّباع الرَّسول صلى الله عليه وسلم:

وممَّا يدلُّ على أنَّ الهجرة لها مكانةٌ عظيمةٌ في القرآن الكريم: أنَّ الله - سبحانه وتعالى - وصف المهاجرين، وأنصارهم بأنَّهم يتَّبعون الرَّسول صلى الله عليه وسلم . قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنصار الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 117] فالمهاجرون، والأنصار، هم الذين يتَّبعون الرَّسول صلى الله عليه وسلم ؛ في أقواله، وأعماله؛ بل في ساعة العسرة، ممَّا يدلُّ على أنَّهم يستحقُّون بذلك الدَّرجة العظمى، والتَّوبة من الله عزَّ وجلَّ.

وقد نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، وذلك أنَّهم خرجوا إليها في شدَّةٍ من الأمر، في سَنَةٍ مُجْدبةٍ، وحرٍّ شديدٍ، وعُسْرٍ في الزَّاد، والماء.

قال قتادة: «خرجوا إلى الشَّام عام تبوك في لهبان الحرِّ، على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جهدٌ شديدٌ، حتَّى لقد ذُكِرَ لنا: أنَّ الرجلين كانا يشقَّان التَّمرة بينهما، وكان النَّفر يتداولون التَّمرة بينهم؛ يمصُّها هذا، ثمَّ يشرب عليها، ثم يمصُّها هذا، ثم يشرب عليها، فتاب الله عليهم، وأقفلهم من غزوتهم».

إنَّ اتِّباع الرَّسول صلى الله عليه وسلم يدلُّ على حقيقة الإيمان، وحقيقة الدِّين، ويفرِّق تفريقاً حاسماً بين الإيمان، والكفر في جلاءٍ، كما أنَّه دليلٌ على حبِّ الله، وحبُّ الله ليس دعوى باللِّسان، ولا هياماً بالوجدان، إلا أنْ يُصاحبه الاتِّباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والسَّير على هداه، وتحقيق منهجه في الحياة. إنَّ الإيمان ليس كلماتٍ تُقال، ولا مشاعر تَجيش، ولا شعائر تُقام، ولكنَّه طاعةُ الله، والرَّسول، وعملٌ بمنهج الله؛ الَّذي يحمله الرَّسول (ص) . قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 31 - 32] .

قال ابن كثيرٍ في تفسيره للآية: «هذه الآية الكريمة، حاكمةٌ على كلِّ مَنِ ادَّعى محبَّة الله؛ وليس هو على الطَّريقة المحمَّدية؛ فإنَّه كاذبٌ في نفس الأمر، حتَّى يتَّبع الشَّرع المحمَّديَّ، والدِّين النَّبويَّ، في جميع أقواله، وأعماله، كما ثبت في الصَّحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنَّه قال: «مَنْ عمل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ» [البخاري (2697) ومسلم (1718)] .

9 - حقُّ السَّبق في الإيمان والعمل:

قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنصار وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الآنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100] .

قال الرَّازي: والسَّبق موجبٌ للفضيلة؛ فإقدامهم على هذه الأفعال يُوجِبُ اقتداء غيرهم بهم. قال صلى الله عليه وسلم : «من سنَّ في الإسلام سنَّةً حسنةً، فله أجرُها، وأجر من عمل بها، إلى يوم القيامة» [أحمد (4/357 - 358) ومسلم (1017) والترمذي (2675) والنسائي (5/75 - 77) وابن ماجه (203)]. فدواعي النَّاس تَقوى بما يرون من أمثالهم، في أحوال الدِّين، والدُّنيا، وثبت بهذا: أنَّ المهاجرين هم رؤساء المسلمين وسادتهم.

وهكذا اختار الله - سبحانه وتعالى - السَّابقين من المهاجرين، من تلك العناصر الفريدة النَّادرة، الَّتي تحتمل الضغوط، والفتنة، والأذى، والجوع، والغربة، والعذاب، والموت في أبشع الصُّور في بعض الأحيان؛ ليكونوا هم القاعدة الصُّلبة لهذا الدِّين في مكَّة، ثمَّ ليكونوا هم القاعدة الصُّلبة لهذا الدِّين بعد ذلك في المدينة، مع السَّابقين من الأنصار الذين وإن كانوا لم يصطلوا بها في أوَّل الأمر كما اصطلاها المهاجرون، إلا أنَّ بيعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم (بيعة العقبة)، قد دلَّت على أنَّ عنصرهم ذو طبيعةٍ أصيلةٍ مكافئةٍ لطبيعة هذا الدِّين.

وبالمهاجرين، والأنصار تكوَّنت للإسلام قاعدةٌ صلبةٌ من أصلب العناصر عوداً في المجتمع العربيِّ، فأما العناصر الَّتي لم تحتمل هذه الضُّغوط؛ فقد فُتنت عن دينها، وارتدَّت إلى الجاهليَّة مرَّةً أخرى، وكان هذا النَّوع قليلاً، فقد كان الأمر كلُّه معروفاً مكشوفاً من قبل، فلم يكن يقدم ابتداء على الانتقال من الجاهليَّة إلى الإسلام، وقطع الطريق الشَّائك الخطر المرهوب إلا العناصر المختارة الممتازة الفريدة التَّكوين. وبذلك أيضاً تتَّضح لنا منزلة المهاجرين، وعلوُّ طبقتهم في الفضل؛ حيث أنفقوا، وقاتلوا؛ والعقيدة مطاردةٌ، والأنصار قلَّةٌ، وليس في الأفق ظلُّ منفعةٍ، ولا سلطانٍ، ولا رخاءٍ، مما يدلُّ على أنَّهم لا يستوون مع غيرهم من الَّذين أنفقوا وقاتلوا بعد تلك الظُّروف الصَّعبة. قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [الحديد: 10].

وقد تحدَّث ابن كثيرٍ عن آية سورة التَّوبة؛ الَّتي بيَّنت فضل السَّابقين من المهاجرين، والأنصار، فقال: فقد أخبر الله العظيم: أنَّه قد رضي عن السَّابقين الأوَّلين من المهاجرين، والأنصار، والذين اتَّبعوهم بإحسانٍ، فيا ويل من أبغضهم، أو سبَّهم أو أبغض، أو سبَّ بعضهم، ولا سيما سيِّد الصَّحابة بعد الرَّسول صلى الله عليه وسلم ؛ وخيرهم، وأفضلهم، أعني: الصِّديق الأكبر، والخليفة الأعظم، أبا بكرٍ بن أبي قحافة؛ فإنَّ الطَّائفة المخذولة من الرَّافضة يعادون أفضل الصَّحابة، ويبغضونهم، ويسبُّونهم، عياذاً بالله من ذلك! وهذا يدلُّ على أنَّ عقولهم معكوسةٌ، وقلوبهم منكوسةٌ، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن؛ إذ يسبُّون من رضي الله عنهم؟! وأمَّا أهل السُّنَّة فإنَّهم يترضَّون عمَّن رضي الله عنهم، ويسبُّون من سبَّه الله ورسولُه، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله، وهم متَّبعون، لا مبتدعون، ويقتدون، ولا يبتدعون؛ ولهذا هم حزب الله المفلحون، وعباده المؤمنون.

10 - الفوز:

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمنوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ [التوبة: 20]. قال أبو السُّعود في تفسيره: أي: المختصُّون بالفوز ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾، أو بالفوز المطلق، كأنَّ فوز من عداهم ليس بفوزٍ بالنِّسبة إلى فوزهم.

فهذا ثناءٌ من الله العليِّ العظيم، على المهاجرين، بأنَّهم يستحقُّون الفوز العظيم، والفوز يكون عظيماً لأنَّه يأتي من مصدر العظمة، وأيُّ فوزٍ أعظم من هذا الفوز! يخبرهم ربُّهم بأنَّهم من الفائزين في الآخرة، وذلك بدخولهم الجنَّة، وبُعْدهم عن النَّار. قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [آل عمران: 185] .

11 - الإيمان الحقيقيُّ:

ومن هذه الصِّفات الحميدة؛ الَّتي أثنى الله على المهاجرين بها في كتابه الكريم صفة الإيمان الحقِّ. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمنوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ [الآنفال: 74] .

فهذه شهادةٌ من الله العليم الخبير للمهاجرين بأنَّهم المؤمنون حقّاً، فالمهاجرون رضي الله عنهم هم النَّموذج الحقيقيُّ؛ الَّذي يتمثَّل فيه الإيمان - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما أنَّهم قدوةٌ حسنةٌ لمن جاء بعدهم وصورةٌ حقيقيَّةٌ في ترجمة الصِّفات الحميدة في واقع الحياة، فلذلك استحقُّوا هـذا الثناء الرَّبانيَّ بأنَّهم المؤمنون حقّاً. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ [الآنفال: 2 - 4]. وهذه الصِّفات الحميدة تتمثَّل في حياة المهاجرين، كما أنَّ المتَّصفين بهذه الصِّفات هم المؤمنون حقَّ الإيمان.

مراجع البحث:

  1. علي محمد محمد الصّلابيّ، السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث (دروس وعبر)، الطبعة الأولى، 2004.ص.ص (469:461).
  2. أبو محمَّد الحسين بن مسعود البغويِّ، شرح السنة،  تحقيق: علي محمد معوض، وعادل أحمد عبد الموجود، الطبعة الأولى، دار الكتب العلميَّة، القاهرة، 1965م (4/318).
  3. تفسير أبي السُّعود، المسمَّى إرشاد العقل السَّليم إلى مزايا الكتاب الكريم، لقاضي القضاة أبي السُّعود محمَّد العماديِّ الحنفيِّ، تحقيق عبد القادر أحمد عطا، مكتبة الرِّياض الحديثة الرِّياض،1981،(1/218).
  4. فخر الدين الرازي، تفسير الرَّازي، الطبعة الثالثة، دار إِحياء التُّراث العربيِّ، بيروت، 1999، (15/208).
  5. مناع القطان، مباحث في علوم القرآن، مكتبة المعارف - الرِّياض، الطَّبعة الثامنة، 1401 هـ  1981 م. ص، 59.
  6. أحزمي سامعون جزولي، الهجرة في القرآن الكريم، الطبعة الأولى، مكتبة الرُّشد، الرِّياض، السعودية، 1996، ص، 84.
  7. سيد قطب، في ظلال القرآن، الطبعة التاسعة، دارالشُّروق، بيروت، لبنان، 1980، (6/3288).

الهجرة النبوية... بين الوعد للمهاجرين والوعيد للمتخلِّفين عنها

(استجلاء لمعاني الجزاء والعقاب) (8)

د. علي محمد محمد الصّلابيّ

حثَّ القرآن الكريم المؤمنين على الهجرة في سبيل الله بأساليب متنوعةٍ، وذلك لأهمية الهجرة النَّبويَّة، مرَّةً بالثَّناء على المهاجرين بأوصافٍ حميدةٍ كما في الحلقة السابقة، وأخرى بالوعد للمهاجرين، وتارةً بالوعيد للمتخلِّفين عن الهجرة.

أولاً: الوعد للمهاجرين:

ذكر الله تعالى بعض النِّعم الَّتي وعد بها المهاجرين في الدُّنيا، والآخرة؛ ومن هذه النِّعم:

1 - سعة رزق الله لهم في الدُّنيا:

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 100] .

ومن سعة رزق الله لهم في الدُّنيا تخصيصهم بمال الفيء، والغنائم. قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: 8] فالمال لهؤلاء لأنَّهم أُخرجوا من ديارهم، فهم أحقُّ النَّاس به. ومن سعة الله لهم في الرِّزق أن خلَّص الله - عزَّ وجلَّ - الأنصار من شحِّ النفس، ووسَّع صدورهم للمهاجرين. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[الحشر: 9].

إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - وعد المهاجرين سعة الرِّزق في الدُّنيا، وتحقَّق ذلك الوعد الكريم؛ وذلك لأنَّ الله - عزَّ وجلَّ - في منهجه الرَّبانيِّ القرآني يعالج هذه النَّفس في وضوحٍ وفصاحةٍ، فلا يكتم عنها شيئاً من المخاوف، ولا يداري عنها شيئاً من الأخطار - بما في ذلك خطر الموت - ولكنَّه يسكب فيها الطُّمأنينة بحقائق أخرى، وبضمانة الله - سبحانه وتعالى - فهو يحدِّد الهجرة بأنَّها «في سبيل الله»، وهذه هي الهجرة المعتبرة في الإسلام، فليست هجرةً للثَّراء، أو هجرةً للنَّجاة من المتاعب، أو هجرةً للذائذ والشَّهوات، أو هجرةً لأيِّ عرضٍ من أعراض الحياة، ومَنْ يهاجر هذه الهجرة في سبيل الله يجد في الأرض فسحةً، ومنطلقاً، فلا تضيق به الأرض، ولا يعدم الحيلة، والوسيلة للنَّجاة، وللرِّزق، والحياة؛ لأنَّ الله سيكون في عونه، ويسدِّد خطاه.

2 - تكفير سيئاتهم، ومغفرة ذنوبهم:

ومن النِّعم الَّتي وعد بها الله - سبحانه وتعالى - المهاجرين تكفيرُ سيِّئاتهم، ومغفرة ذنوبهم. قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: 195] .

وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أحاديث كثيرةٌ تبيِّن: أنَّ الهجرة من أعظم الوسائل المكفِّرة للسَّيِّئات، وأنَّها سببٌ لمغفرة ذنوب أهلها، ومن هذه الأحاديث: عن ابن شماسة المهريِّ قال: حضَرنا عمرو بن العاص وهو في سياقةالموت، فبكى طويلاً، وحوَّل وجهه إلى الجدار، فجعل ابنُهُ يقول: يا أبتاهُ! أما بشَّرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ أمَا بشَّرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه، فقال: إنَّ أفضل ما نُعِدُّ شهادةُ أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّداً رسولُ الله. إنِّي كنت على أطباقٍ ثلاث، لقد رأيتني وما أحدٌ أشدَّ بغضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم منِّي، ولا أحبَّ إليَّ أن أكون قد استمكنتُ منه، فقتلْتُهُ، فلو مُتُّ على تلك الحال لكنت من أهل النَّار، فلـمَّا جعل اللهُ الإسلامَ في قلبي، أتيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ: ابسُطْ يمينك فلأبايعنَّك، فَبَسَطَ يمينَهُ، قال: فقبضتُ يدي، قال: «مالك يا عمرو؟» قال: قلتُ: أردت أن أشترط، قال: «تشترط بماذا؟» قلتُ: أن يُغْفَرَ لي. قال: «أما علمت أنَّ الإسلام يهدم ما كان قبله، وأنَّ الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأنَّ الحج يهدم ما كان قبله!» وما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أجلَّ في عيني منه، وما كنت أُطيق أن أملأ عينيَّ منه؛ إجلالاً له، ولو سُئِلْتُ أن أصفه ما أطَقْتُ؛ لأنِّي لم أكن أملأ عينيَّ منه، ولو مُتُّ على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنَّة، ثم ولينا أشياءَ ما أدري ما حالي فيها، فإذا أنا متُّ فلا تصحبني نائحةٌ، ولا نارٌ، فإذا دفنتموني؛ فشُنُّوا عليَّ التُّرابَ شنّاً، ثمَّ أقِيمُوا حول قبري قَدْرَ ما تُنْحَرُ جَزُورٌ، ويُقْسَمُ لحمُها؛ حتى أستأنسَ بكم، وأنظر ماذا أراجع به رُسُلَ ربِّي. [مسلم (121)] .

قال النَّوويُّ: فيه: عظم موقع الإسلام، والهجرة، والحجِّ، وأنَّ كلَّ واحدٍ منها يهدم ما كان قبله من المعاصي. وفيه: استحباب تنبيه المحتضر على إحسان ظنِّه بالله سبحانه وتعالى، وذكر آيات الرَّجاء، وأحاديث العفو عنده، وتبشيره بما أعدَّه الله تعالى للمسلمين، وذكر حسن أعماله عنده ليحسن ظنَّه بالله تعالى، ويموت عليه، وهذا الأدب مستحبٌّ بالاتفاق.

3 - ارتفاع منزلتهم، وعظمة درجتهم عند ربِّهم:

وعد الله - سبحانـه وتعالى - الَّذين نالوا أفضل الإيمان، والهجـرة، والجهاد في سبيل الله بأموالهم، وأنفسهم أعظم الدَّرجات عند الله. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمنوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ [التوبة: 20] .

يقول الفخر الرَّازي: إنَّ الموصوفين بهذه الصِّفات الأربعة، في غاية الجلالة والرِّفعة؛ لأنَّ الإنسان ليس له إلا مجموع أمورٍ ثلاثة: الرُّوح، والبدن، والمال، أمَّا الرُّوح؛ فلـمَّا زال عنها الكفر، وحصل فيها الإيمان؛ فقد وصلت إلى مراتب العادات اللاَّئقة بها، وأمَّا البدن، والمال؛ فبسبب الهجرة وقعا في النُّقصان، وبسبب الاشتغال بالجهاد صارا مُعرَّضَيْنِ للهلاك، والبطلان، ولا شكَّ: أنَّ كلاً من النَّفس، والمال؛ محبوبٌ للإنسان، والإنسان لا يعرض عن مجموعه إلا للفوز بمحبوبٍ أكمل من الأوَّل، فلولا أنَّ طلب الرِّضوان أتمُّ عندهم من النَّفس، والمال؛ لما رجَّحُوا جانب الآخرة على جانب النَّفس، والمال، ولما رَضُوا بإهدار النَّفس، والمال لطلب مرضاة الله تعالى.

فثبت: أنَّ عند حصول الصِّفات الأربعة صار الإنسان واصلاً إلى أعلى درجات البشريَّة، وأوَّل مراتب درجات الملائكة، وهم بذلك يكونون أفضل من كلِّ مَنْ سواهم من البشر على الإطلاق؛ لأنَّه لا يعقل حصول سعادةٍ، وفضيلةٍ للإنسان أعلى وأكمل من هذه الصِّفات.

فالذين آمنوا، وهاجروا، وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم، وأنفسهم أعظم، وأعلى مقاماً في مراتب الفضل، والكمال في حكم الله، وأكبر مثوبةً من أهل سقاية الحاجِّ وعمارة المسجد الحرام؛ الَّذين رأى بعض المسلمين: أنَّ عملهم إيَّاهما من أفضل القربات بعد الإسلام.

فالَّذين نالوا فضل الهجرة، والجهاد بنوعيه: النَّفسيِّ، والماليِّ أعلى مرتبةً، وأعظم كرامةً ممَّن لم يتَّصف بهما كائناً مَنْ كان، ويدخل في ذلك أهل السِّقاية، والعمارة.

وأنَّه تعالى لم يقل: أعظم درجةً من المشتغلين بالسِّقاية، والعمارة؛ لأنَّه لو عين ذكرهم لأوهم أنَّ فضيلتهم إنَّما حصلت بالنسبة إليهم، ولـمَّا ترك ذكر المرجوح؛ دلَّ ذلك على أنَّهم أفضل من كل مَنْ سواهم على الإطلاق؛ لأنَّه لا يعقل حصول سعادةٍ، وفضيلةٍ للإنسان أعلى، وأكمل من هذه الصِّفات. والتَّفضيل هنا في قوله: ليس على ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾، فهو لا يعني: أنَّ للآخرين درجةً أقلَّ؛ إنما هو التَّفضيل المطلق، فالآخرون ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾ فلا مفاضلة بينهم وبين المؤمنين المهاجرين المجاهدين في درجةٍ، ولا في نعيمٍ.

4 - استحقاقهم الجنَّة، والخلود فيها:

ومن النِّعم الَّتي أعدَّها الله - سبحانه وتعالى - للمهاجرين الجنَّةُ، والخلود فيها. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمنوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [التوبة: 20 - 22] قال الشَّوكاني في تفسيره: والتنكير في الرَّحمة، والرِّضوان، والجنَّات للتَّعظيم، والمعنى: أنَّها فوق وصف الواصفين، وتصوُّر المتصوِّرين. والنَّعيم المقيم: الدَّائم المستمرُّ الَّذي لا يفارق صاحبه، وَذِكْرُ الأبد بعد الخلود تأكيدٌ له. هذه بشرى ما بعدها بشرى، وقد وعد الله - سبحانه وتعالى - بها المؤمنين والمؤمنات. قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الآنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 72] .

5 - الفوز العظيم ورضوان الله عليهم:

ومن النِّعم الَّتي وعد الله - سبحانه وتعالى - بها المهاجرين: أنَّهم سينالون الفوز العظيم. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمنوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ [التوبة: 20] .

ورضوانُ الله تعالى عليهم أكبر، وأجلُّ، وأعظم ممَّا هم فيه من النَّعيم، وهو نهاية الإحسان، وهو أعلى النِّعم، وأكمل الجزاء، كما يدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 72] .

ورضا الله عنهم هو الرِّضا الَّذي تتبعه المثوبة، وهو في ذاته أعلى، وأكرم مثوبةً، ورضاهم عن الله هو الاطمئنان إليه على نعمائه، والصَّبر على ابتلائه، ولكن التَّعبير بالرِّضا هنا، وهناك يشيع جوَّ الرِّضا الشَّامل، الغامر، المتبادل، الوافر، الوارد، الصَّادر بين الله سبحانه وتعالى وهذه الصَّفوة المختارة من عباده، ويرفع من شأن هذه الصَّفوة من البشر؛ حتَّى إنَّهم ليبادلون ربهم الرِّضا، وهو ربُّهم الأعلى، وهم عبيده المخلوقون، وهو حالٌ، وشأنٌ وجوٌّ لا تملك الألفاظ البشرية أن تعبِّر عنه، ولكن يتَّسم، ويتشرَّف، ويستجلي من خلال النَّصِّ القرآنيِّ، بالرُّوح المتطلِّع، والقلب المتفتِّح، والحسِّ الموصول.

هذا بعض ما وعد الله به المهاجرين من الجزاء، والثَّواب بسبب جهادهم المرير. إنَّ المهاجرين بإيمانهم الرَّاسخ، ويقينهم الخالص لم يمكِّنوا الجاهليَّة في مكَّة من وأد الدَّعوة؛ وهي في مستهلِّ حياتها؛ لقد استمسكوا بما أُوحي إلى نبيِّهم، ولم تزدهم حماقة قريش إلا اعتصاماً بما اهتدوا إليه، وآمنوا به، فلـمَّا أسرفت الجاهليَّة في عسفها، واضطهادها، وأذن الله لهؤلاء المؤمنين الصَّابرين بالهجرة من مكَّة؛ خرجوا من ديارهم، وأموالهم، ويمَّموا صوب المدينة؛ ليس رهبة من الكفر، ولا رغبة في الدنيا؛ ولكنهم كانوا بذلك يرجون رحمة الله، ويبتغون فضلاً منه ورضواناً؛ ولذلك صاروا أهلاً لما أسبغه الله عليهم من فَضْلٍ في الدُّنيا، وما أعدَّه لهم يوم القيامة من ثوابٍ عظيم.

ثانياً: الوعيد للمتخلِّفين عن الهجرة:

إنَّ الأسلوب القرآنيَّ في الوعد، والوعيد يهدف إلى الخشية، والرَّجاء في النُّفوس: رجاء يدفعها إلى الطَّاعة، والاستقامة، وخشيةٍ تمنعها من المعصية، وتسرع بها إلى الاستغفـار، والتَّوبـة، والمؤمن بينهما في معادلةٍ جِدُّ دقيقةٍ؛ لئلا يقعَ فريسةً لليأس، والقنوط، ولا يندفع إلى الجرأة على محارم الله، أو التهاون فيما أمر الله، ولقد استطاع القرآن الكريم بسلاحيـه هذين أن يحفظ للفـرد شخصيته، وللمجتمع مقوِّماته؛ في الحياة، والمال، والعقل، والعِرْض، والدِّين، وهي كلِّياتٌ تقوم عليها الحياة الرَّشيدة الفاضلة. ولقد رأت الحياة النُّور في أجيالٍ عديدةٍ، أنارها القرآن بالوعد، والرجاء، وبالوعيد، والخشية، ولـمَّا خَفَتَ ذلك النورُ بِبُعد النَّاس عن القرآن؛ اصطدم الفردُ بفطرته، والمجتمعُ بواقعه؛ فاضطربت القيم، وانهارت الأخلاق، وفسدت المعاملات، والمناهج والتَّصوُّرات، ولن يصلح اخر هذه الأمَّة إلا بما صلح به أوَّلها، وأن تخشى الله لا تخشى سواه، وأن ترجوه لا ترجو إلا إيَّاه ومن العقوبات الَّتي توعَّد الله - عزَّ وجلَّ - بها المتخلِّفين عن الهجرة سوءُ المصير. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [النساء: 97] .

روى البخاريُّ عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أنَّ ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين، يُكثرون سوادَ المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يأتي السَّهم يُرْمَى به، فيُصيبُ أحدَهم فيقتُله، أو يُضْرَبُ، فيُقتل، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾.

عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: كان قومٌ من أهل مكَّة أسلموا، وكانوا يَسْتخْفُون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدرٍ معهم، فأُصيب بعضهم، فقال المسلمون: كان أصحابنا مسلمين، وأُكرهوا، فاستغفروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، قال: فكتب إلى من بقي بمكَّة من المسلمين بهذه الآية، لا عذر لهم، قال: فخرجوا، فلحقهم المشركون، فأعطوهم التَّقيَّة، فنزلت فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ﴾ [العنكبوت: 10] .

فكتب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا، وأيسوا من كلِّ خير، ثمَّ نزلت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النحل: 110] .

لقد وصف الله - سبحانه - المتخلِّفين عن الهجرة بأنَّهم ظلموا أنفسهم، والمراد بالظُّلم في هذه الآية: أنَّ الذين أسلموا في دار الكفر، وبقوا هناك، ولم يهاجروا إلى المدينة ظلموا أنفسهم بتركهم الهجرة. وبما أنَّهم حرموها من دار الإسلام، تلك الحياة الرَّفيعة النَّظيفة الكريمة الحرَّة الطَّليقة، وألزموها الحياة في دار الكفر، تلك الحياة الذَّليلة الخاسئة الضَّعيفة المضطهدة؛ توعَّدهم ممَّا يدلُّ على أنَّها تعني الَّذين فُتِنوا عن دينهم ﴿جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ هناك.

وفي هذه الآية الكريمة وعيد للمتخلِّفين عن الهجرة، بهذا المصير ، وبالتَّالي التزم الصَّحابة بأمر الله، وانضمُّوا إلى المجتمع الإسلامي في المدينة؛ تنفيذاً لأمر الله، وخوفاً من عقابه، وكان لهذا الوعيد أثرُه في نفوس الصَّحابة رضي الله عنهم، فهذا ضمْرَة بنُ جُنْدب لـمَّا  بلغه قوله تعالى: وهو ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، قال لبنيه: احملوني؛ فإنِّي لست من المستضعفين، وإنِّي لأهتدي الطريق، وإنِّي لا أبيت اللَّيلة بمكَّة، فحملوه على سريرٍ، متوجهاً إلى المدينة، وكان شيخاً كبيراً، فمات بالتَّنعيم، ولـمَّا أدركه الموت، أخذ يصفِّق بيمينه على شماله، ويقول: اللَّهمَّ هذه لك، وهذه لرسولك صلى الله عليه وسلم ، أبايعك على ما بايع عليه رسولك، ولـمَّا بلغ خبرُ موته الصَّحابة رضي الله عنهم، قالوا: ليته مات بالمدينة! فنزل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 100] .

وهذا الموقف يرينا ما كان عليه جيل الصَّحابة، من سرعةٍ في امتثال الأمر، وتنفيذه في النَّشاط، والشِّدَّة، كائنةً ما كانت ظروفهم، فلا يلتمسون لأنفسهم المعاذير، ولا يطلبون الرُّخص.

فهذا الصحابيُّ تفيد بعض الرِّوايات: أنَّه كان مريضاً، إلا أنَّه رأى أنَّه ما دام له مالٌ يستعين به، ويُحمل به إلى المدينة؛ فقد انتفى عذره، وهذا فقهٌ أملاه الإيمان، وزكَّاه الإخلاص، واليقين.

وبعد أن ذكر الله - عزَّ وجلَّ - وعيده للمتخلِّفين عن الهجرة بسوء مصيرهم استثنى من ذلك مَنْ لا حيلة لهم في البقاء في دار الكفر، والتَّعرُّض للفتنة في الدِّين، والحرمان من الحياة في دار الإسلام من الشُّيوخ، والضِّعاف، والنِّساء، والأطفال، فيعلقهم بالرَّجاء في عفو الله، ومغفرته، ورحمته بسبب عذرهم البيِّن، وعجزهم عن الفرار. قال تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾ [النساء: 98 - 99] .

مراجع البحث:

  1. علي محمد محمد الصّلابيّ، السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث (دروس وعبر)، الطبعة الأولى، 2004.ص.ص (479:471)
  2. عبد الرحمن البر، الهجرة النَّبويَّة المباركة، الطبعة الأولى، دار الكلمة، المنصورة – مصر، 1997، ص 124.
  3. أحزمي سامعون جزولي، الهجرة في القرآن الكريم، الطبعة الأولى، مكتبة الرُّشد، الرِّياض، السعودية، 1996، ص، 167.
  4. احمد عبد الغني النجولي الجمل، هجرة الرَّسول(ﷺ) وصحابتُه في القرآن والسُّنَّة، الطبعة الأولى، القاهرة دار الوفاء، 1409 هـ  1989 م، ص 332-333.
  5. سيد قطب، في ظلال القرآن، الطبعة التاسعة، دارالشُّروق، بيروت، لبنان، 1980، (3/1705).
  6. فخر الدين الرازي، تفسير الرَّازي، الطبعة الثالثة، دار إِحياء التُّراث العربيِّ، بيروت، 1999،(16/14).

 

المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة