المسيح عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله

الثلاثاء 04 يناير 2022 03:59 م بتوقيت القدس المحتلة

المسيح عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله

د. علي الصلابي

(قضية المباهلة بين النبي ﷺ وبين نصارى نجران في حقيقة المسيح ﷺ)

ذكرت كُتب السيرة والدلائل أن وفدًا من نصارى نجران قدِموا على النبيّ (ﷺ) وجادلوه وناظروه في أمر المسيح وألوهيته، وقد رويت هذه الواقعة بأسانيد متعددة وروايات كثيرة وألفاظ متقاربة في بعض الأحيان، ومختلفة في أحيان أخرى. ومعنى المباهلة: أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء فيقولوا لعنة الله على الظالم منّا، وأن يخلص كلا الطرفين في الدعاء واللعن على الكاذب منهم. (عجيبة، أحمد علي، نصارى نجران بين المجادلة والمباهلة، ص114)

وعندما فصل الله سبحانه وتعالى بين نبيّه محمد (ﷺ) وبين الوفد من نصارى نجران بالقضاء الفاصل والحكم العادل ـ أمره ـ إن هم تولّوا عما دعاهم إليه من الإقرار بوحدانية الله، وأنّه لا ولد له ولا صاحبة، وأنّ عيسى عبده ورسوله، وأبَوا إلا الجدل والمخاصمة أن يدعوهم إلى الملاعنة.

ولذلك قال الله لرسوله (ﷺ): ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61].

  • ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ﴾ أي: جادلك يا عيسى.
  • ﴿فِيهِ﴾ في المسيح عيسى ابن مريم.
  • ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ الذي بيّنه الله لك في عيسى أنّه عبد الله.
  • ﴿فَقُلْ﴾ لهم قولاً يظهر علمك الحق وارتيابهم.
  • ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ منّا ومنكم في أنّه عيسى عبد الله ورسوله.  

أي فإن استمروا على مُحاجّتهم إيّاك مكابرةً في هذا الحق أو في شأن عيسى فادعهم إلى المباهلة، والملاعنة، ذلك أنّ تصميمهم على معتقدهم بعد هذا البيان مكابرة محضة بعد ما جاءك من العلم وبيّنت لهم، فلم يبقَ أوضحُ مما حاججتهم به، فاعلم إنما يحاجّوك عن مكابرة وقلة يقين، فادعهم إلى المباهلة بالملاعنة الموصوفة في الآية السابقة. (عاشور، محمد الطاهر، التحرير 3/264)

ولذلك قال لهم رسول الله (ﷺ): إنّ الله تعالى أمرني إن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم، فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك. (الالوسي، محمد بن عبد الله، روح المعاني في تفسير القران العظيم والسبع المثاني، 3/188)

وبعد مشاورات بين وفد نصارى نجران كان القرار النهائي رفض المباهلة بأي حال من الأحوال، فأتوا رسول الله (ﷺ) فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا ألا نلاعنك وأن نتركك على دينك ونرجع على ديننا. (ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 2/162)

1 ـ لماذا امتنعوا عن المباهلة:

لقد امتنعوا عن المباهلة خوفًا من عذاب الله لما يعلمون من صدقه (ﷺ) وصحّة نبوّته، فقد أكدت الروايات الواردة عنهم اعتراضهم بأنّه النبيّ الذي بشّرت به الكتب.

ـ حيث قال عبد المسيح ـ العاقب ـ لهم: لقد علمتم ما لاعن قوم نبيًّا قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم.

ـ وقال السيد للعاقب: قد والله علمتم أنّ الرجل لنبيٌّ مرسل ولئن لاعنتموه إنه لاستئصالكم.

ـ ولما رأى وفد نصارى نجران رسول الله (ﷺ) ومعه فاطمة والحسن والحسين وعلي، قالوا: هذه وجوه لو أقسمت على الله أنّ يزيل الجبال لأزالها ولم يباهلوا. (عجيبة، أحمد علي، نصارى نجران بين المجادلة والمباهلة، ص139)

إنَّ امتناعهم عن المباهلة برهانٌ واضح على نبوّته (ﷺ)، فما الذي كان يمنعهم من المباهلة لولا أنّهم عرفوا يقينًا أنّه نبي، وأنهم عرفوا صحّة نبوّته بالدلائل وبما وجدوا من نعته في كتب الأنبياء المتقدمين.

وإذ كان امتناعهم عن المباهلة يدل على صحّة نبوّته (ﷺ) فإنّه أيضًا يدل بالضرورة على صحّة ما جاء به من أنّ عيسى عبد الله ورسوله وأنّه ليس كما يقول النصارى إله أو ابن إله، ولذلك لو كانوا متيقنين من صحّة ما يقولونه في عيسى لما خافوا من المباهلة والدعاء باللعنة على الكاذبين.

إنّه قد ظهر بالدعوة إلى المباهلة انقطاع حجج المكابرين، ودلّ نكولهم عنها على أنهم ليسوا على يقين من اعتقادهم ألوهية المسيح، وفاقد اليقين يتزلزل عندما يدعى إلى شيءٍ يخاف عاقبته (عجيبة، أحمد علي، نصارى نجران بين المجادلة والمباهلة، ص150)

2 ـ طلب وفد نجران الصلح:

رفض القوم المباهلة وأرادوا صلحًا يدفعون بسببه الجزية، ووافق رسول الله (ﷺ) على الصلح، وحدّد لهم الجزية وكيفية تأديتها، وشرح لهم فيه الحقوق والواجبات، وأسس التعامل بينهم وبين المسلمين.

وقالوا لرسول الله (ﷺ): إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلاً أمينًا ولا تبعث معنا إلا أمينًا، فقال (ﷺ): «لأبعثن معكم رجلاً أمينًا حق أمين»، فاستشرف له أصحاب رسول الله (ﷺ) فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجرّاح»، فلما قدم قال رسول الله (ﷺ): «هذا أمين هذه الأمّة».

وفي قولهم: (إنّا نعطيك ما سألتنا) أي ما صالحكم عليه النبي (ﷺ) ألف حلّة في رجب وألف حلّة في صفر. (العسقلاني، ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، 7/118)

وقد أكّد الكتاب الذي كتبه رسول الله (ﷺ) لأهل نجران عدالة الإسلام وسماحته في التعامل مع غير المسلمين، وفيه أيضًا التأكيد على حقوقهم وعلى التزام الدولة الإسلامية بحمايتهم وتوفير الأمن لهم، وعدم التدخل في شؤونهم الدينيّة بالتغيير أو خلافه، فلا يغير أسقف ولا راهب، ولا كاهن، ولا حق من حقوقهم ولا سلطانهم، لهم جوار الله ورسوله وأمانه وحمايته ما داموا ملتزمين بالصلح. (عجيبة، أحمد علي، نصارى نجران بين المجادلة والمباهلة، ص168)

3 ـ الدعوة إلى الإيمان بالله تعالى:

عندما بين الله سبحانه وتعالى القول الحق في شأن عيسى عليه السلام وأقام الحجج والدلائل على الغالين فيه ـ بجعله ربًّا وإلهًا ـ ثم إلزامهم عن طريق الوجدان بما دعاهم إلى المباهلة، لم يبقَ إلا أن يأمر نبيّه بأن يدعوهم إلى الحق الواجب اتّباعه في الإيمان، ويدعوهم إلى أصل الدين الذي اتفقت عليه دعوة الأنبياء والرسل. (رضا، محمد رشيد، تفسير المنار، 3/267)

قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ  فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64].

إنّ النّبيّ (ﷺ) كان حريصًا على هداية القوم، وأورد على نصارى نجران أنواع الدلائل وأقام الحجة عليهم، ودعاهم إلى المباهلة كما أمره ربّه، ثم بعد الصّلح أمره بدعوتهم إلى كلمة سواء، والوصول إلى الحقيقة الإيمانية المجرّدة من الهوى والتعصّب، والتقييد الأعمى.

فالإيمان بالله وحده لا شريك له هو هدف الرسالات السماويّة، ولذلك دعاهم النّبيّ إلى هذا الإيمان الذي هو الأساس والأصل الذي يربط بين الرسالات السماويّة كلها.

لقد دعاهم النّبيّ (ﷺ) إلى الالتقاء عند هذا الأصل المشترك الذي يؤمن به كل أتباع الرّسل ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 64].

ولذلك كان النّبيّ (ﷺ) يدعو بهذه الآية أهل الكتاب إلى الإسلام كما ثبت في كتبه إلى هرقل، والمقوقس، وغيرهما، ولولا أن هذه الآية الكريمة أساس الدين وعموده لما جعلها آية الدعوة إلى الإسلام. (عجيبة، أحمد علي، نصارى نجران بين المجادلة والمباهلة، ص179)

المصادر والمراجع:

  • التحرير والتنوير: محمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر، دون تاريخ.
  • تفسير المنار (تفسير القرآن الكريم)، محمد رشيد رضا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1990م.
  • روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، أبي الفضل شهاب الدين السيد محمود الألوسي البغدادي، باكستان: مكتبة إمدادية ملتان.
  • الكامل في التاريخ، أبو الحسن علي بن محمد بن الأثير، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1407هـ، 1987م.
  • المسيح عيسى ابن مريم الحقيقة الكاملة، د. علي محمد الصلابي، دار ابن كثير، الطبعة الأولى، 1440ه.
  • نصارى نجران بين المجادلة والمباهلة، د. أحمد علي عجيبة، القاهرة: دار الافاق العربية، ط1، 2004م.

 

المسيح عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله (2)

(مجادلة النبي ﷺ النصارى في ألوهية المسيح عليه السلام)

د. علي محمد الصلابي

ذكرت كُتب السيرة والدلائل أن وفدًا من نصارى نجران قدِموا على النبيّ (ﷺ) وجادلوه وناظروه في أمر المسيح وألوهيته، وقد رويت هذه الواقعة بأسانيد متعددة وروايات كثيرة وألفاظ متقاربة في بعض الأحيان، ومختلفة في أحيان أخرى. ومن أهم الموضوعات التي جادلوا رسول الله r بها:

1 ـ ادعاؤهم أُلوهية المسيح لولادته من غير أب:

ناقش رسول الله (ﷺ) نصارى نجران فيما يعتقدون بأن ولادة المسيح من غير أب هي دليل على ألوهيته، وقد رُويت روايات عديدة بشأن المناظرات حول هذه الشبهة، نذكر بعضًا منها فيما يلي:

روى ابن جرير الطبري عن الربيع في قوله تعالى: ﴿الم ۝ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 1-2] ، قال: إن النصارى أَتوا رسول الله (ﷺ) فخاصموه في عيسى بن مريم وقالوا من أبوه؟ وقالوا على الله الكذب والبهتان لا إله إلا هو لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا.

فقال لهم النّبيّ (ﷺ): ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟

قالوا: بلى. فقال: ألستم تعلمون أن الله حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟

قالوا: بلى. وقال: ألستم تعلمون أن ربنا قيّمٌ على كل شيءٍ يكلأه ويحفظه ويرزقه؟

قالوا: بلى. ثم قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئًا؟

قالوا: لا. فقال: أفلستم تعلمون أن الله عز وجل لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء؟

قالوا: بلى. فقال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيئًا إلا ما عُلِّم؟

قالوا: لا.

قال: فإن ربنا صوّرَ عيسى في الرحم كيف شاء فهل تعلمون ذلك؟

قالوا: بلى.

قال: ألستم تعلمون أن ربَّنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يُحدِث الحَدَث؟

قالوا: بلى.

قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمّه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غُذِّي كما يغذّى الصبي، ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب، ويُحدث الحدث؟

قالوا: بلى.

قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟

قال: فعرفوا، ثم أَبوا إلاّ جحودًا، فأنزل الله عز وجل: ﴿الم ۝ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 1-2]. (الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان في تأويل القران، 6/154)

وقد نزلت الآيات القرآنية تردُّ على عقائد النصارى في صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية اشتملت على الحجج الدامغة لبطلان شبه النصارى. (عجيبة، أحمد علي نصارى نجران بين المجادلة والمباهلة، ص78)

2 ـ ادعاؤهم ألوهية المسيح بسبب معجزاته:

روى ابن جرير الطبري عن ابن جريج عن عكرمة قوله تعالى: ِ ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ  خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]، قال: نزلت في العاقب والسيد من أهل نجران، قال ابن جريج: بلغنا أن نصارى أهل نجران قدم وفدهم على النّبيّ(ﷺ) فيهم السيّد والعاقب، وهما يومئذٍ سيدا أهل نجران، فقالوا: يا محمد، فيم تشتم صاحبنا؟ قال: من صاحبكما؟ قالا: عيسى ابن مريم، تزعم أنه عَبد. قال رسول الله (ﷺ): أجل، إنه عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. فغضبوا وقالوا: إن كنت صادقًا، فأرنا عبدًا يُحيي الموتى ويُبرئ الأكمه ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه، لكنه الله. فسكت حتى أتاه جبريل فقال: يا محمد: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ  خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]، قال: نزلت في العاقب والسيد من أهل نجران، قال ابن جريج: بلغنا أن نصارى أهل نجران قدم وفدهم على النّبيّ (ﷺ) فيهم السيّد والعاقب، وهما يومئذٍ سيدا أهل نجران، فقالوا: يا محمد، فيم تشتم صاحبنا؟ قال: من صاحبكما؟ قالا: عيسى ابن مريم، تزعم أنه عَبد. قال رسول الله (ﷺ): أجل، إنه عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. فغضبوا وقالوا: إن كنت صادقًا، فأرنا عبدًا يُحيي الموتى ويُبرئ الأكمه ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه، لكنه الله. فسكت حتى أتاه جبريل فقال: يا محمد: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 72].

ونزل القرآن الكريم وأوضح حقيقة هذه المعجزات كما بيّنتها في الصفحات السابقة، فالمسيح عليه السلام لم ينسب المعجزة إلى نفسه بل نسبها إلى الله، كما هو واضح في الآيات السابقة في قوله: (بِإِذنِ اللَّهِ)، أي بتكوين الله وتخليقه، فالخالق والمحيي في الحقيقة هو الله ولذلك لم ينسب المسيح إلى نفسه أي قدرة في فعل هذه المعجزات.

إن هذه المعجزات قد بينّا في حديثنا عنها أنها تدلُّ على نبوّته ورسالته لا على ألوهيته، فمن أراد التوسع فليرجع إلى ما فصّلنا.

3 ـ تأويلاتهم لوصف المسيح بأنه كلمة الله وروح منه:

ناقش النصارى رسول الله (ﷺ) وجادلوه في معنى وصف الله لعيسى بأنه روح الله وكلمته، حاجّوه وخاصموه وقالوا: ألست تزعم أنّه كلمة الله وروح منه؟

قال: بلى. قالوا: فحسبنا، وتأولوا في ذلك ما يقولون فيه من الكفر. (عجيبة، أحمد علي نصارى نجران بين المجادلة والمباهلة، ص78)

فأنزل الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: 7]، ثم إن الله جلّ ثناؤه أنزل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: 59].

بيّنت الآية الأولى أن سؤالهم فيه مغالطة، وردّت عليهم مفنّدة، إذ قرّرت أن هناك آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب، وفيها جوهر الدعوة وأسسها التي لا تتحمل تأويلاً، وهناك آيات متشابهات فلا يتمسّك بهذه ويتجاهل ذلك، أو يريد أن ينقض تلك بهذه على تأويل خاطئ، إلا من في قلبه زيغ.

لقد أورد النّبيّ (ﷺ) لهم الآيات المحكمة التي تقرّ بجلاء ووضوح وحدانية الله بحيث لا يجوز في حقه سبحانه أبوّة ولا نبوّة ولا تعدد ولا تجزّؤ، ولا انفصال، وعليه إذا جاء في القرآن الكريم أنّ عيسى كلمة الله ومن روحه الذي أريد به بالتنويه بالمعجزة الربانيّة التي تمت بولادته بلا أب، فلا يصح أن يحاول بهذه نقض تلك الآيات المحكمة، فوحدانيّة الله أمرٌ محكم لا يتحمل أي كلام أو تأويل. (دروزة، محمد عزت سيرة الرسول ﷺ، المؤتمر العالمي للسيرة النبوية، 2/243)

فعيسى عليه السلام مخلوق ويدلّ على ذلك قول الله تعالى:﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ۝ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ۝ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ  قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ  إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 45‑47].

فهذه الآيات تبيّن أنّ عيسى عليه السلام ليس كما يقول النصارى أنّ قوله تعالى: نكرة في الإثبات يقتضي أنه كلمة من كلمات الله وليس هو كلامه كما يقول ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾، وبيّن سبحانه مراده بقوله: (بِكَلِمَة مِّنهُ) حيث قال في الآيات التالية:

ـ قال تعالى: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ  إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 47].

ـ كما قال في الآية الأخرى:﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ  خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59].

ـ وقال تعالى في سورة مريم: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ  قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ۝ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ  سُبْحَانَهُ  إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: 34-35] ، فهذه الآيات كلها تبيّن أنه سبحانه وتعالى قال له (كُن فَيَكُونُ)، وهذا تفسير كونه كلمة منه.

وأما قول الله تعالى عن المسيح في سورة النساء: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: 171]، فقد بيّن مراده أنه خلقه بـ (كُن) من غير واسطة الأب، فالمراد بها كلمة التكوين، فكلمة كُنْ تدلّ على التكوين وقدرة الله عند إرادته إيجاد الشيء، وقد خلق المسيح بهذه (كُن) فكان عيسى، فالكُن من الله وعيسى بالكن كان ولذلك هو مخلوق. (قطب، سيد، في ظلال القران، 2/817)

وأمّا وصف المسيح بأنّه (وَرُوح مِّنهُ)، فلا يوجب أن يكون منفصلاً من ذات الله:

  • كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: 13].
  • وقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]. فهذه الأشياء كلها من الله وهي مخلوقة، وأبلغ من ذلك روح الله التي أرسلها إلى مريم وهي مخلوقة. (عجيبة، أحمد علي نصارى نجران بين المجادلة والمباهلة، ص83)

المصادر والمراجع:

  • جامع البيان في تأويل القران، الطبري، تحقيق: محمود شاكر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1992م.
  • سيرة الرسول (ﷺ)، محمد عزت دروزة، الدوحة: المؤتمر العالمي للسيرة النبوية، مطابع الدوحة، ط3، 1400هـ.
  • المرأة في القصص القرآني، د. أحمد الشرقاوي، القاهرة: دار السلام، ط1، 1421هـ، 2001م.
  • المسيح عيسى ابن مريم الحقيقة الكاملة، د. علي محمد الصلابي، دار ابن كثير، الطبعة الأولى، 1440ه.
  • الميزان في مقارنة الأديان، المستشار محمد عزت طهطاوي، دمشق: دار القلم، ط2، 1423هـ، 2002م.
  • نصارى نجران بين المجادلة والمباهلة، د. أحمد علي عجيبة، القاهرة: دار الافاق العربية، ط1، 2004م.

 

 

المسيح عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله (3)

(عقيدة صلب المسيح عند النصارى في ميزان الحق)

د. علي محمد الصلابي

صلْب المسيح في معتقد النصارى للتكفير عن خطيئة البشر، بل هو الركن الأعظم الذي تدور حوله عقائدهم. وتقوم هذه العقيدة ـ كما تقول النصارى ـ على أن الجنس البشري قد وُصم بوصمة المعصية، وأن هذه الوصمة قد نالته من جراء أكل آدم من الشجرة المحرمة، بإيعاز من الحية، فأصبح على ذلك مستحقًا للعنة الله، محكومًا عليه بالهلاك الأبدي في الجحيم. (أحمد، محمد علي عبد المعطي، مظاهر الوثنية في عقائد أهل الكتاب، ص536)

ويقولون بجانب ذلك: إن رحمة الله شاءت تخليص هذا العالم، والتجاوز عن ذلك الذنب الفطري المورث له، فوجب تقديم الترضية اللازمة لله، ويقولون: إنه لما كان المحكوم عليه بالموت يجب تنفيذ الحكم عليه أو تقديم غيره أو تطوع سواه بدلاً عنه فقد سمح الله بتضحية ابنه على الصليب كفارة على الناس، لأن خطيئة آدم ظلت عالقة في ذريته حتى جاء يسوع الذي جمع بين الألوهية والبشرية، فهو ابن الله وابن مريم فصلب جسمه البشري ليمحوا الخطيئة عن أبناء آدم، وبالرغم من ذلك فإنهم يدّعون أنه لا ينجو من آمن بهذه الدعوى واتخذها له عقيدة. (وصفي، محمد، المسيح والتثليث، ص148)

وعليه فإن الفداء عند النصارى: هو الخلاص من الموت الناتج عن الخطيئة التي دخلت إلى البشرية بآدم. (أحمد، محمد علي عبد المعطي، مظاهر الوثنية في عقائد أهل الكتاب، ص537)

ويعتقد النصارى أن المسيح مات مصلوبًا فداء للخليقة وذلك أن الله ـ لشدة حبه للبشر ـ قد أرسل وحيده ليخلص العالم من الخطيئة التي ارتكبها آدم حينما أكل من الشجرة المحرمة، وأن عيسى قد صلب عن رضى تام، فتغلب بذلك عن الخطيئة، وأنه دفن بعد صلبه وأنه قام بعد ثلاثة أيام متغلبًا على الموت، ثم ارتفع إلى السماء، ومن لم يؤمن بقضية الصلب لا يُعد نصرانيًا، لذلك دمجوا قضية الصلب في دستور إيمانهم الذي يجمع كل عقائدهم، وعلى هذا فالله كما يزعم النصارى نزل من السماء وتجسد في الروح القدس ومريم العذراء، وتأنس وصلب بإراقته دمه ليرفع عن البشر وزر خطيئة آدم. (الخزرجي، أبو عبيدة، بين الإسلام والمسيحية، ص72)

وعقيدة الصلب هذه باطلة من أولها إلى اخرها؛ لأن عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله لم يصلب، بل رفعه الله إليه، والمسيح عليه السلام لم ينسب إلى نفسه الخلاص، كذلك لم ينسب الحواريون إلى عيسى الخلاص، وإنما الذي نسب إلى المسيح أنه مخلص هو بولس، الذي كان من ألد أعداء المسيحية، ثم انقلب فجأة وبدون مقدمات إلى المسيحية وأصبح عقلها المفكر وراعيها المدبر، وكان أول إعلان له أن المسيح ابن الله، ونسب إلى المسيح أنه الإله المتجسد الذي نزل ليصلب ويخلص البشرية على غرار الالهة المخلصين الوثنين.

ولقد انتشرت عقيدة بولس في الخلاص بسبب الأسلوب الذي استخدمه لنشر دعوته، والطريقة التي سار عليها، إذ رأى أن يخرج بالمسيحية من دائرتها الضيقة في بيت المقدس إلى الميدان الواسع في البيئات غير اليهودية، ولكي تناسب دعوته هذا المجتمع الجديد أجرى بعض التعديلات للعقائد التي لا يرضى عنها هذا المجتمع الجديد.

إنَّ عقيدة الخلاص المسيحية، التي هي من وضع (بولس) قائمة على أسس باطلة، وهي أن آدم عليه السلام أخطأ، وهذه الخطيئة انتقلت بالوراثة إلى كل أبنائه والطريق الوحيد للخلاص منها هو ما زعموه من أن الله نزل وتجسّد في صورة بشرية ليصلب ويتغلب على الموت فيقوم، وبذلك ينال الناس الخلاص. (عجيبة، أحمد علي، الخلاص المسيحي ونظرة الإسلام إليه، دار الافاق العربية، القاهرة، 2006، ص755)

إننا نُنزِّه المسيح عليه السلام عمّا جاء في كتب النصارى من الصلب والإهانات التي تعرض لها، وما ذلك التنزيه إلا لأن المسيح عليه السلام واحد من رسل الله المصطفين الأخيار الذين اختارهم الله لتبليغ رسالته إلى خلقه، فكيف يهان هذه الإهانة وقد جعله الله مباركًا كما أخبر المسيح عن نفسه: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: 31].

إنَّ النصارى استندوا في قولهم بالصلب على الأناجيل، وقد بينا أنها محرفة ومبدلة ومتناقضة وذلك بالدليل والبرهان وأنها لم تنقل عن طريق التواتر، فهي أخبار احاد مقطوعة الصلة بالمسيح؛ لانقطاع سندها فكل ما جاء فيها من أخبار مشكوك فيه، ولا يرقى أبدًا إلى درجة الصدق واليقين.

وقد أجمعت الفرق النصرانية المثلِّثة على أن المسيح صلب تكفيرًا عن خطيئة آدم التي ارتكبها وتوارثها أبناؤه من بعده، ومن أجل أن تمحى الخطيئة لا بدَّ أن يتجسد الإله ويقتل، وأن يدخل نار جهنم ويعذب نفسه عذابًا أليمًا، ثم يصير الإله ملعونًا بذلك الصليب، كل ذلك فعله الإله في زعم ـ النصارى ـ ليمحو خطيئة آدم، فهل يعقل في حق الله سبحانه وتعالى؟ (أحمد، محمد علي عبد المعطي، مظاهر الوثنية في عقائد أهل الكتاب، ص545)

ولا شك أن هذا الاعتقاد به جهل بالغ وفاضح، تنكره العقول السليمة والفطر المستقيمة، والعلوم الراسخة التي مصدرها هدايات السماء من الوحي المعصوم الذي من عند الله عز وجل والذي بيّناه في الصفحات السابقة.

ومن الردود أيضاً على هذه العقيدة:

أ ـ ليس عند الله خطيئة موروثة:

تحتاج إلى التكفير عنها بصلب نبي أو ابن الله، بل آمن المسلم أن كل إنسان مسؤول عمّا اقترفه ومحاسب عليه، والإنسان يولد مُبرأ من كل خطيئة ومن كل ذنب، وإنما يولد على الفطرة مهيئًا لقبول الحق، ذلك أن الفطرة هادية إلى الخير والحق، فالإنسان يولد نظيفًا لا يحمل شيئًا من أوزار من سبقه، وإذا كان الإنسان لا يحمل وزر غيره، فإن غيره لا يحمل وزره، وإنما كل إنسان مسؤول عن عمله.

  • قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164]

والشرائع السماوية اتفقت على هذا المبدأ.

  • قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النجم: 36‑41].

وإن القول الكريم ليصور لنا أخذ البريء بالمذنب لا على أنه مضاد للشريعة فحسب، بل هو مع ذلك غير متوافق مع الفكرة الأساسية للعدالة الإنسانية، قال تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: 79].

ب ـ إذا كان آدم عليه السلام قد أخطأ فما ذنب ذريته حتى يتوارثوا خطيئته من بعده:

هذا مبدأ قد نهت عنه كل الشرائع، وهل من العدل أن يضار البشر جميعًا بسبب خطيئة ارتكبها آدم، وكيف رضي الله أن يخلد موسى وإبراهيم وسائر الأنبياء والمرسلين في النار بسبب خطيئة آدم؟ ثم ما بال المسيح يتحملُ وزر وجريرة آدم ويلقى ذلك العذاب الذي استغاث عنه استغاثة شديدة، ويا ليته المسيح فحسب، بل الإله ـ في زعم النصارى ـ فالخطيئة لم تقتصر على النوع الإنساني بل تعدته إلى الإله فذاق مرارة العذاب ألوانًا. (أحمد، محمد علي عبد المعطي، مظاهر الوثنية في عقائد أهل الكتاب، ص547)

إن أكل آدم من الشجرة، لا يعدُّ خطيئة يترتب عليها العقاب، ذلك آدم عليه السلام كان نبيًا والأنبياء معصومون من الخطأ، وما وقع منه من الأكل من الشجرة ـ إنما هو من قبيل حسنات الأبرار سيئات المقربين التي لا يؤاخذ عليها آدم ـ على أن آدم أكل من الشجرة ناسيًا، والله سبحانه وتعالى أكرم من أن يؤاخذ عبدًا على ذنب فعله ناسيًا.

هذا إلى جانب أن آدم تاب، والتوبة تغسل الحوبة وتغفر الذنب، والله سبحانه وتعالى قبل توبته فهو سبحانه وتعالى التواب الرحيم، كل ذلك ينفي الذنب عن آدم، وبالتالي ينفي وراثته حيث إنه لا يوجد ذنب، كما أن إهباط آدم إلى الأرض ليس عقوبة كما يتوهم النصارى، بل تكريمًا وتشريفًا، حيث يباشر مهمة استخلافه في الأرض، كما وعد الله من قبل في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]

والله تعالى ما نزل بادم إلى الأرض لينقصه، ولكن نزل به إلى الأرض ليكمله، ولقد أنزله إلى الأرض قبل أن يخلفه لقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قال في الجنة ولا في السماء، فكان نزوله إلى الأرض نزول كرامة لا نزول إهانة، فإنه كان يعبد الله في الجنة بالتشريف، فأنزله إلى الأرض ليعبده بالتكليف، فلمّا توافرت فيه العبوديتان استحقّ أن يكون خليفة.

ويدل على ذلك أيضًا أن القرآن الكريم أشار إلى أن إهباط آدم إلى الأرض كان بعد التوبة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ۝ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا  بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ  فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: 122-123] ، وهذا يدل على أن إهباط آدم إلى الأرض كان تكريمًا وتشريفًا، إذ أن التوبة تمحو الذنب، فلا بدَّ أن يكون لإهباط آدم معنى اخر غير العقوبة على الذنب، وأقرب المعاني إلى الاجتباء هو التكريم والتشريف، هذا إلى جانب أن نزول آدم إلى الأرض ليكون خليفة في الأرض وليحصل على معيشته بالكد والتعب والمشقة، ولاشك أن الثواب مع المشقة والتعب أكثر، فثوابه وهو على الأرض أكثر، وهذا يدل على أن إهباط آدم إلى الأرض ليحصل على ثواب عظيم ولحكمة بالغة أرادها الله في خلقه وتعمير ملكه. (عجيبة، أحمد علي، الخلاص المسيحي ونظرة الإسلام إليه، ص756)

المصادر والمراجع:

  • مظاهر الوثنية في عقائد أهل الكتاب، محمد علي عبد المعطي، مكتبة عباد الرحمن، ط1، 1431هـ، 2010م، القاهرة.
  • حقيقة المسيح والتثليث، منصور تميم نتشة، الأردن، عمان: دار غيداء للنشر والتوزيع، ط1، 2008م.
  • بين الإسلام والمسيحية، أبو عبيدة الخزرجي، تحقيق: د. محمد شامة، القاهرة: مكتبة وهبة، ط2.
  • الخلاص المسيحي ونظرة الإسلام إليه، د. أحمد عجيبة، القاهرة: دار الافاق العربية، .2006.
  • المسيح عيسى ابن مريم الحقيقة الكاملة، علي محمد محمد الصلابي، دار ابن كثير، الطبعة الأولى 1440ه، 2020م.

خاص موقع هيئة علماء فلسطين في الخارج